د. آمنة نصير لـ {الشرق الأوسط}: لا يمكن أن نقول لـ«الإخوان» عفا الله عما سلف

أول امرأة ترأس البرلمان المصري اعتبرت أنها جاءت «قدرًا» وأن دعم السيسي هو لـ«أمن مصر»

د. آمنة نصير
د. آمنة نصير
TT

د. آمنة نصير لـ {الشرق الأوسط}: لا يمكن أن نقول لـ«الإخوان» عفا الله عما سلف

د. آمنة نصير
د. آمنة نصير

تعتقد الدكتورة آمنة نصير، عضوة مجلس النواب المصري، أن أمام المرأة المصرية وقتا طويلا لكي تنتخب رئيسة للبرلمان، في ظل «انتشار الفقه المتجمد الذي نقله متطرفون من الخارج، يدعون أنفسهم سلفيين، أثر بشكل كبير على البناء الفكري للمرأة، وأرجعها 50 عاما للوراء».
وسوف تترأس نصير، وهي أستاذة للفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب، باعتبارها أكبر الأعضاء سنا (76 عاما)، وفقا لقانون المجلس، ولحين انتخاب رئيس. وقالت نصير في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» أمس إن «هذا الشرف جاء وفقا لمسألة قدرية بروتوكولية». كاشفة عن نيتها الترشح لرئاسة لجنة التعليم.
ومصر بلا برلمان منذ 2012، ومن المزمع أن يدعو الرئيس عبد الفتاح السيسي المجلس للانعقاد يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. ورجحت نصير أن يكون رئيس مجلس النواب المقبل «شخصية قانونية».
وانضمت نصير لائتلاف «دعم مصر» داخل المجلس، الذي يتكون معظمه من المستقلين ويشكل أغلبية المجلس حتى الآن، كما يعد من أبرز القوى المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي. وقالت نصير «دعمنا للسيسي هو لأمن على مصر، ولدينا من دول الجوار ما فيه عبرة وموعظة».
وأبدت الداعية الدينية الشهيرة ذات الحجاب «المعتدل»، اعتراضها على أن يتبنى البرلمان مبادرة مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، وقالت إن «الجرح ما زال غائرا.. ولا بد أن يقتص منهم بالقانون.. لا يمكن أن نقول لهم عفا الله عما سلف».
ورفضت دعوات التظاهر في 25 يناير (كانون الثاني) المقبل. وقالت إن «شبابنا أصابتهم حالة من الشطط.. ولا بد من قوانين تضبط هذا الشطط». في تعليقها على الجدل حول قانون تنظيم التظاهر.
وحول إمكانية موافقة البرلمان على إرسال قوات مصرية للخارج للمشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش. قالت نصير إنها «ستقف أمام مثل هذا الأمر بكل قوة.. كفانا ما يناله أولادنا في سيناء». وفيما يلي أهم ما جاء بالحوار:
* هل تعتقدين أنه لولا كونك أكبر النواب سنا ما وصلت امرأة إلى موقع رئاسة البرلمان؟
- نعم، وصولي لهذا الشرف جاء في الحقيقة مسألة قدرية بروتوكولية. وأنا أهدي رئاسة الجلسة الأولى تلك إلى كل امرأة مصرية مكافحة. ولا أعتقد أن تنتخب امرأة لرئاسة البرلمان في الفترة الراهنة، فإننا نحتاج لوقت طويل قبل أن تتولى امرأة هذا المنصب رسميا، في ظل انتشار الفقه المتجمد الذي جاء به المتطرفون إلينا من الخارج، وأثر في البناء الفكري والبرنامج التنويري للمرأة، وأرجع المرأة المصرية خمسين عاما إلى الوراء. ذلك الفقه الذي جاء به مجموعة ممن سموا أنفسهم أنهم السلف وهم ليسوا سلفا ولم يعرفوا حقيقة السلف الصالح، بل توارثوا هذا المصطلح دون أن يعرفوا معناه وحقيقته.
* بالتأكيد ستكون مواجهة تلك الأفكار المتجمدة ضمن أجندتك التشريعية داخل البرلمان؟
- باليقين لن أهمله. سأعمل على إرجاع عدل الشريعة الإسلامية للمرأة المصرية مرة أخرى، هذا العدل والمنهج هو الذي سارت عليه الصحابيات في العصر الأول للإسلام، وشاركن عن طريقه في الغزوات وتطبيب الجرحى أثناء القتال، وشاركن في كل القرارات المصيرية مثلهن مثل الرجل.
* من هذا المنطلق هل تعتزمين ترشيح نفسك لأي مناصب قيادية داخل المجلس، مثل رئاسة اللجان النوعية؟
- أعتزم الترشح لرئاسة لجنة التعليم، فإن أتيحت لي فخير، وإن لم تتح فلن أغضب. كفاني شقاء ومناصب، فقد تقلدت في مسيرتي العملية الكثير من المناصب. فقط أود أن أعمل من أجل التغيير للأفضل، ولدي مشروعات كثيرة متعلقة بالتعليم وتطويره، بعد أن تراجع كثيرا في مصر، منها ضرورة تقنين مجانية التعليم.
* بالاطلاع على الكلمة الافتتاحية التي تعتزمين تلاوتها خلال الجلسة الأولى، والتي ذكرت مقتطفات منها في وسائل إعلامية، نجد تركيزك منصبا على مناشدة النواب التضامن والبعد عن التلاسن والمشاحنات. فهل تتوقعين نشوب صراعات سياسية ساخنة داخل المجلس؟
- لا يخلو أي مجتمع من هذه الصراعات، وبالنظر إلى مجلس النواب الجديد، نجد أن تركيبته مختلفة عن الكثير من المجالس السابقة، فأعضاؤه لم يأتوا من حزب واحد، أو تنظيم موحد. كما أن هذه التشكيلة جاءت في أعقاب ثورتين، ومن الوارد جدا حدوث مثل تلك المشاحنات. هناك ألوان مختلفة وجذور متباينة، لسنا في مدينة أفلاطون الفاضلة.
* شهدت الجلسة الأولى لآخر برلمان مصري عام 2012 قيام بعض النواب بمواقف جدلية، مثل إضافة عبارات زائدة لليمين الدستورية متعلقة بالشريعة الإسلامية أو الولاء للثورة.. وما إلى ذلك. هل من المتوقع مشاهدة تلك المواقف مرة أخرى؟
- بالتأكيد في البداية سيكون هناك شو (عرض) من بعض النواب أصحاب الصوت العالي، هناك أشخاص يحبون الظهور من خلال اللقطة الأولى، ثم بعد ذلك تهدأ الأمور. لكن إذا وجدت داخل البرلمان من يحاول تعطيل الجلسة الافتتاحية أو يخالف القانون، فإنني سأقوم بوقف الجلسة الإجرائية فورًا وطرده، فأنا أستاذة جامعية وترأست مؤتمرات دولية على أعلى مستوى، ولا أتخوف من ترؤسي أول جلسة في البرلمان.
* انتخبت نائبة ضمن قائمة «في حب مصر»، التي فازت بجميع مقاعد القوائم على مستوى الجمهورية، ثم تحولت لائتلاف «دعم مصر» داخل المجلس. البعض شبه الائتلاف بـ«الحزب الوطني المنحل»، ووجهت له اتهامات حول طبيعة تكوينه، والدعم الحكومي المقدم له، وأن تشكيله هدفه تمرير قرارات الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
- هذا نوع من السفسطة الكلامية التي انتشرت بين الشعب المصري، طوال الوقت ننتقد ونظهر أننا عالمون ببواطن الأمور. نحن لسنا قائمة أمنية، بل نحن مجموعة جمعنا في البداية حب مصر والخوف عليها باعتبار أنها تحتاج إلى الدعم. أما حقيقة دعمنا للرئيس السيسي وقراراته. فلا بد على كل الشعب المصري أن يدعم الرئيس، لأنه هو حصن الأمن على مصر، ولدينا من دول الجوار ما فيه عبرة وموعظة.
* هل هناك ضغوط «أمنية» على النواب، كما يروج البعض، من أجل الانضمام للائتلاف حتى يحقق الأغلبية؟
- هذا نوع من الهراء. فأي شخص وصل إلى عضوية البرلمان له شخصية مستقلة ولا يصح أن يقال له مثل هذا الأمر. هذا تقليل من شأن من ينسب إليه، نحن لسنا أطفالا أو مراهقين. نفترض أي شخص أغراه أمر ما، هو حر، هو من اختار، وهناك فروق فردية لا حصر لها بين الجميع.
* هل تم الاستقرار على مرشح الائتلاف لرئاسة مجلس النواب؟
- تم الاتفاق داخل الائتلاف على انتظار أسماء المعينين من قبل رئيس الجمهورية، حتى تتم المفاضلة من بين جميع الأعضاء بموضوعية.
* هل هناك تفضيلات أو سمات معينة لرئيس البرلمان؟
- أنا شخصيا أود وأرجح أن يكون رئيس المجلس شخصية قانونية رصينة الطبع واسعة الفكر، تعرف القانون بروحه وظاهره وحذافيره، لديه رصيد من المعرفة، التي تستوعب ما يقرأ على البرلمان، وأن يكون واسع الصدر لتحمل ما يطرح من النواب. وبالتالي لا فرق إن كان شخصا معينا أو منتخبا. يجب أن يستطيع تحمل هذه المسؤولية الجبارة وأن يخاطب نحو 600 عضو كل واحد منهم يمتلك خصوصية عن الآخر. الأمر ليس غنيمة ولا سهلا.
* متى سيتم عقد البرلمان؟
- الشائع حتى الآن أنه يوم 28 ديسمبر الحالي.. لكن هل هذا هو القول الأخير أم هناك تعديل؟ نحن ننتظر.
* إحدى الإشكاليات التي تواجه المجلس هي مراجعة نحو 500 قانون تم إصدارها في غياب البرلمان، كيف تعتزمون القيام بذلك؟
- سأطالب بأن نقسم داخل المجلس إلى مجاميع في تخصصات دقيقة. وأن يتم تصنيف القوانين إلى مجالات تخصصية، بحيث يمكن توزيعها على تلك المجاميع وتأخذ الوقت الكافي لتنتهي إلى النتائج المرجوة بالتعاون مع الجميع.
* هل تضعين قانون «تنظيم التظاهر»، الذي يواجه بانتقادات حقوقية، ضمن أوليات القوانين التي تحتاج للمراجعة؟
- في البداية يجب أن نعلم أن شبابنا أصابتهم حالة من الشطط والشطح. ولذلك لا بد من قوانين تضبط هذا الشطط، لكن أيضا يجب أن تتم في عدالة كاملة وناجزة. أنا لا أريد أن أمنع المظاهرات، علينا فقط أن ننظمها كما يوجد لدى دول الغربية. وبالتالي ستتم مراجعة بعض النصوص في القانون لتحقق الاستقرار والعدالة في نفس الوقت.
* كيف ترين دعوات التظاهر مجددا في 25 يناير المقبل احتجاجا على الأوضاع الحالية؟
- أرفض ذلك بالطبع. فالبلد تحتاج إلى الاستقرار ونحن الآن في استكمال هذا الطريق، طريق الاستقرار والديمقراطية، طريق مصر حتى يشتد عودها وتستأنف الحياة الطبيعية.
* البعض يصنف أعضاء مجلس النواب إلى تيار 25 يناير وآخرين ضده، كيف ترين هذا التصنيف؟
- هذا تفكير غير قويم، يجب أن ينتهي تماما ونكف عن هذا الفكر. ثورة 25 يناير أزالت طواغيت، لكنها سرقت من بعض اللصوص، ثم جاءت 30 يونيو فأعادت الأمور إلى نصابها المستقيم.
* هل من الممكن أن يتبنى البرلمان مبادرة مصالحة عامة تشمل جماعة الإخوان المسلمين؟
- إطلاقا، لا بد أن يأخذ القانون مجراه إلى آخر مدى في التعامل مع هؤلاء، وما ينتهي إليه يضرب له تعظيم سلام. نحن أوذينا كثيرا، ترملت نساؤنا وتيتم شبابنا وأولادنا، مصر تم إيذاؤها من كل خبثاء القوم، فالجرح ما زال غائرا. أنا سيدة مسلمة كنت أتمنى أن يكونوا (الإخوان) خير صورة للإسلام أثناء حكمهم، لكنهم خذلونا ووضعونا في أوضاع ما كنت أحلم بها. فلا بد أن يقتص منهم القانون وبعدالة. لا يمكن أن نقول لهم عفا الله عما سلف.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.