يورغن هابرماس: نحو منظور جديد لدور الدين

الاعتراف بدوره في الفضاء العمومي يرتبط بالدفاع عن فضاء مفتوح

يورغن هابرماس
يورغن هابرماس
TT

يورغن هابرماس: نحو منظور جديد لدور الدين

يورغن هابرماس
يورغن هابرماس

أثارت مواقف يورغن هابرماس حول دور الدين في الفضاء السياسي العمومي، سجالاً كبيرًا لدى القائمين على الشأن الديني في مختلف البلدان، وعند السياسيين والفلاسفة ورجال الأعمال، ولدى كبار منظري الليبراليّة السيّاسيّة وبعض مفكري اليسار. ولعل فحصًا أوليًّا لنتاج هابرماس، يؤشر على الحضور القوي للمسألة الدينيّة في نظريّاته الأولى واللاّحقة. وقبل أن نتناول الموقف الفلسفي المؤطر بنظريّة الفعل التواصلي الذي يعيد النظر في دور الفضاء العمومي السيّاسي، بالمقارنة مع نظريّته الأولى، سنلقي نظرة عامة حول نتاجه الفلسفي والسيّاسي الذي عالج فيه المسألة الدينيّة، مستأنسين بسؤال محوري: هل يصّح الحديث عن فلسفة دينيّة لدى هابرماس، أم أن الأمر يتعلق بمقاربة فلسفيّة للمسألة الدينيّة؟ هل تخلى هابرماس عن جبة الحداثة غير المكتملة في مشروعها، لصالح صرخات الما بعد حداثيين؟ كيف ينظر لمجتمع ما بعد العلمانية؟ هل يتأطر موقفه الما بعد العلمانيّة ضمن الفكر الما بعد ميتافيزيقي والما بعد الدولة القوميّة - الدولة الأمة؟
يميز فيليب بورتييه بين ثلاث مراحل ديناميّة في فكر هابرماس الدّيني:
تمتد المرحلة الأولى، من نتاجاته المبكرة إلى حدود الثمانينات، وتميزت بنقده لعالم الإيمان، حيث ينظر إلى الدين كاستيلاب، وهو الموقف الذي تأثر فيه بالفلسفة الماركسية، كما أولها وحافظ عليها منظرو مدرسة فرانكفورت النقديّة، أي كأداة توظف في المجال السياسي لخدمة أهداف آيديولوجية، ولضمان استمرارية ودوام العلاقات القائمة نفسها.
وتمتد المرحلة الثانية، من 1985 إلى حدود سنة 2000، حين يرى أن الدين ضرورة وجودية، كما أقر ذلك في «الفكر الما بعد ميتافيزيقي» (1988)، لا يمكن الاستغناء عنه في الحياة العادية. وفي هذه المرحلة بالذات، يذهب مفسرو فلسفة هابرماس إلى بداية مراجعة الموقف الأول، ذلك أن انفتاح هابرماس على المنعطف اللغوي الجديد الذي دشنته الفلسفة اللغوية، والاعتراف بالوظيفة المحورية للغة في إنتاج الخطاب وتداوله، سيجعلانه يطرق باب اللغة المقدسة، وما تطرحه من تابوهات عدة يتعين إعادة النظر الجذرية في مجمل ما يحيط بالنص المقدس وبالتراث الشفوي للديانات. ورغم أن الهيرمينوطيقا طورت أدواتها وذهبت بعيدا في تأويلية النصوص الدينية والدراسات الدينية المقارنة، فإن هابرماس لم يولها العناية الكافية. فنظريته في الفعل التواصلي وفي أخلاقيات المناقشة، تحيط بنتاج المنهج التأويلي، ولكنها لا تطرق بشكل مباشر الخطاب الديني، ولا حتى العلاقة بين المعرفة والإيمان، ما يبين بوضوح، وعي هابرماس بعمق المشكلة، وبالحاجة إلى تدقيق المعطيات التاريخية وفق راهنية السؤال السياسي حول دور الدين في الفضاء العمومي. هكذا بلور في نظرية الفعل التواصلي دور التواصل والحوار البينذاتي الذي يقر بضرورة التفاهم والسجال المتساوي بين المتداولين - الخصوم تحديدا. فالتفاهم أو الاتفاق، لا يتحقق إلا بتواصل بين متحاورين - خصمين في المناقشات العمومية المؤسسة. وبناء عليه يمكن تأويل موقف هابرماس في كتابه الجديد «بين الدين والنزعة الطبيعية» الذي يذهب فيه إلى ضرورة التحاور بين المؤمنين وغير المؤمنين، ومقارعة الحجج فيما بينهم شرط ضمان حيادية الدولة الدستورية الديمقراطية.
أما المرحلة الثالثة، فتبدأ مع الألفية الثالثة (مستقبل الطبيعة البشرية: نحو نسالة بشرية)، حيث الدين لم يعد شأنا خاصا ينحصر في الفضاء الخاص بالفرد، وإنما هو شأن عمومي. وبذلك يسعى إلى مأسسة المجتمع ما بعد العلمانية، حيث يأخذ الدين مكانته الطبيعية في الفضاء السياسي العمومي. وستتوج هذه المرحلة بكتابه الأخير المثير للجدل: «بين النزعة الطبيعية والدين»، حيث سيخصص فصلا كاملا للدين في الفضاء العمومي.
يسعى هابرماس في تصوره للمجتمع ما بعد العلمانية، إلى إعطاء بعد جديد لنظرية الفضاء العمومي، بحيث إن الاعتراف بدور الدين في الفضاء العمومي السياسي يسير في اتجاه الدفاع عن فضاء مفتوح يتعايش فيه العلماني والملحد والمؤمن بشكل متساو، دون الاحتكام لأي خط عقدي أو آيديولوجي قد يغني التنازع بدل التفاهم. فماذا يعني المجتمع ما بعد العلمانية عند هابرماس؟
في تأصيله وفهمه للمجتمع العلماني، يشدد هابرماس على ثلاثة اعتبارات منطقية لا بد منها لفهم عمق سيرورة العلمنة وهي:
أ - التقدم العلمي والتكنولوجي الذي شجع على فهم متمركز حول الإنسان للعالم، حيث تتخذ الأحداث والوقائع تفسيرا سببيا، وحيث لا يمكن للعقل التنويري والعلمي أن يتصالح مع رؤى العالم المتمركزة حول اللاهوت والميتافيزيقا.
ب - تحويل الدين إلى مسألة شخصية، عبر إبعاد المنظمات الدينية والكنائس عن السلطة والقانون والحياة العامة والتربية والتعليم، لأن العقلنة تتأسس على الفرد متمتعا باستقلاليته وحريته وكرامته.
ج - يقود الانتقال من المجتمع العقلاني إلى ما بعد الصناعي، مرورا بالصناعي، إلى رفاهية عالية وأمن اجتماعي أفضل، وهو ما يعوض الحاجة إلى قوة عليا أو كونية. ويعزو هابرماس عودة الدين إلى الفضاء العمومي إلى تنامي ثلاث ظواهر رئيسة:
- التوسع التبشيري - انتشار البعثات التبشيرية وتوسعها.
- التطرف الأصولي، حيث توسعت دائرة الإرهاب والجهاد باسم الدين، وانتشر العنف بسبب، الاختلاف الديني والعقدي، ما يؤشر على إمكانية صعود الأنظمة الفاشية الدينية من جديد.
- التوظيف السياسي لاحتمالات العنف المتأصلة في الأديان.
ليست هذه الظواهر عن العالم بجديدة - كما يمكن أن يعتقد البعض - وإنما هي مجرد ظواهر متجددة، تتخذ لبوسات كثيرة بحسب السياق السياسي والتاريخي: ألم تعش القرون الوسطى حروبا باسم الدين ذهب ضحيتها ملايين الناس؟ أليست محاكم التفتيش تطرفا أصوليا، وتوظيفا سياسيا للدين؟ ماذا يمكن أن ننعت به العداء لليهود في ظل الأنظمة النازية، وفي الثقافة الإسلامية أيضا؟ صحيح أن الإرهاب الذي تغذيه الحركات الأصولية في عالم اليوم وبأحدث التقنيات والوسائل، اتخذ شبه ثقافة تسود في تربة التعليم والمجتمعات المهمشة، لكننا نتساءل: من يشجع تنامي التطرف والتنظيمات الإرهابية؟ من يرعاها؟ من يمول عملياتها؟ وبغض النظر عن صحة هذه التساؤلات من عدمها، فإننا نتوجه صوب تحليل موقف هابرماس أكثر، وبيان مختلف المبررات التي يسوقها لتأكيد حضور الدين في الفضاء العمومي.
يتمثل البعد الجديد لنظريّة الفضاء العمومي، في كون العمل الأول لهابرماس حول الفضاء العمومي، يسير في اتجاه إعادة الدور لفكرة الاستعمال العمومي للعقل، كما دافع عنها كانط في أواخر القرن الثامن عشر، حيث الدين مكمل للعقل التواصلي وليس أساسا له. ورغم كون ذلك العمل لم يتجاوز حدود المجتمع البرجوازي وممارسة السلطة السياسية داخل حقل الصراع الاجتماعي، ما يجعله تصورا جديدا للتقليد النقدي (الماركسي الجديد) لمدرسة فرانكفورت، فإن هتبرماس يحث على الوظيفة النقدية للفضاء العمومي (في مواجهة التحكم الكلياني للسلطة السياسية في العلاقات الاجتماعية)، باعتباره وسيطا بين الدولة والمجتمع. ويعود هذا التصور الأداتي إلى التقليد الفلسفي السياسي الحديث وتحديدا تصور هيغل لوظيفة المجتمع المدني. إلا أن هابرماس يقيم فصلا حقيقيا بين الفضاء العمومي والمجتمع المدني، بحيث إن هذا الأخير في تصوره، يكون نابعا من عمق العلاقات الاجتماعية بما هو أرقى مستويات الجماعة الطبيعية (الأسرة)، ويبقى في خدمة الدولة البرجوازية، وبهذا يمكن تسميته بالمجتمع المدني البرجوازي. ولا يخرج تصوره للفضاء العمومي عن هذا الإطار الفلسفي السياسي العام، لأنه:
أولا، فضاء عمومي برجوازي - مدني ساهم في تشكل أسس المجتمع البرجوازي بفعل الدعاية المضادة في تشكيل الرأي العام السياسي.
ثانيا، لأنه يدفع النخبة السياسية في اتجاه تعزيز الوظيفة العمومية للعقل التي أدت إلى بروز الليبرالية السياسية.
ثالثا، لأنه يدفع بالقوى الاجتماعية المعارضة للسلطة السياسية إلى الاندماج في المجتمع الجديد، من خلال تجاوزها للمرحلة السرية في فعلها السياسي في الفضاء العمومي، إلى المرحلة الشرعية (الاعتراف القانوني) والقبول بقواعد اللعبة السياسية كما تضعها السلطة السياسية.
رابعا، يدفع بالقوى الاجتماعية المهمشة والمقصية، وغير المرتبطة بالنخبة السياسية، إلى تحديد موقع في الفعل السياسي، بدل أن تبقى مجرد حشود قد تسبح ضد التيار أو قد تستعمل لأغراض سياسية.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».