إدوار الخراط.. العين الحكاءة

مهد الطريق للكتابة المغايرة واحتفى برموزها في فضاء الإبداع

إدوار الخراط
إدوار الخراط
TT

إدوار الخراط.. العين الحكاءة

إدوار الخراط
إدوار الخراط

نحو تسعين عاما من محبة الكتابة والحياة حملها إدوار الخراط على كاهله، رحل عن عالمنا في مستهل هذا الشهر، نافضا عباءة الشيخوخة وما يكمن تحت ظلالها من دفء فاتر لا يحرض العقل على معاودة الخيال والتفكير، أو يمنح الروح فرصة أخيرة للنظر في سقف الوجود، ولو على سبيل التحية والشكر ووداع من تحب.
قبل بضع سنوات زرته أنا وصديق مقرّب منه، كان الصمت يقبع في ملامح وجهه المتغضن، والكلام يغيب ويتعثر كأنه حجر ألقي من جبل شاهق. لم أندهش وهو يخلط بين اسمي واسم صاحبي، بل أحيانا كان يخاطبني أنا وصديقي باسم صديق آخر. أشفقت على صاحب رواية «الزمن الآخر» وهو يلملم بصعوبة شروده الذهني، ويتلمس من غبار الذكرى مشهد حياة، كم كانت مفتوحة أمامه، رغم ما اعتراها من مصاعب وعثرات، كان أقساها تجربة اعتقاله ثلاث مرات في مطلع شبابه بسبب نضاله السياسي الثوري.
حين غادرناه أوصتنا زوجته بأن تكون زيارتنا له في فترة الصباح، حيث يكون ذهنه حاضرا بشكل أصفى. لكن المشهد ظل يحاصرني بمسحة حارقة من المرارة والأسى، حتى أنني لم أستطع أن أكرر زيارته مرة أخرى، مكتفيا بالاطمئنان عليه عن طريق الأصدقاء.
أسئلة كثيرة دارت في نفسي حول الزمن والموت والكتابة، ورغم أن إيقاعها قديم، فإنها قفزت فجأة كمساحة صماء في لوحة مكتظة بالألوان والخطوط والدوائر، مساحة يختلط فيها الوضوح والغموض، الأبيض والأسود، الحضور والغياب.. هل فشلنا في إدراك المعنى الأبعد، الخفي المرمي وراء الأشياء وفي تجاويفها وشقوقها، في كتابات إدوار الخراط، وارتحنا لتفسيرات وتأويلات ارتجالية أولية، عن الهم الاجتماعي والصراع السياسي ومدى واقعيته وطزاجته في هذه الكتابات، باتساعها وتنوعها وغناها، وشططها وتمردها على كل ما هو جاهز ومصنف مسبقا، كيف لم ندرك خطى الزمن ومعاوله الخفية في رمزية «حيطان عالية»، المجموعة القصصية الأولى للخراط والتي وضعت أقدامه بقوة في طريق الكتابة المغايرة، منذ صدور طبعتها الأولى في عام 1959.. أليس هذا المشهد برمته الذي عشته معه أنا وصديقي، هو امتداد طبيعي لتلك الحيطان، أليس هو التنين، هذا الحيوان الخرافي الذي طارد حلم «رامة» وحبيبها «ميخائيل» بطل الخراط الأثير في روايته الشهيرة «رامة والتنين» وغيرها؟.. نحن لا نلتمس من الزمن شيئا خارجا عن طبيعتنا، كل ما نرجوه حين نعايشه أن يحتوينا بحب، أن تكون لنا بقعة من الضوء، لا لنهزم بها العتمة فحسب، وإنما لنؤكد أن لدينا ما يخصنا، ما يدل علينا، برضا وطمأنينة.
أدرك الخراط مبكرا هذا الحراك الخفي للزمن، الكامن في الطبيعة والبشر والعناصر والأشياء، فتعاطى الكتابة وكأنها سباق مع الموت، وهو ما يعني ضمنيا سباقا مع الزمن نفسه، كما تعامل من هذا المنظور مع الأسطورة، بكل روافدها وعناصرها الفرعونية واليونانية والقبطية والإسلامية وغيرها، حتى تحولت هذه العناصر الأسطورية في أعماله إلى مقوم فني له جاذبيته الخاصة، وطاقة حافزة على توسيع وتنويع مسارب السرد والحكي، فالأسطورة ليست مجرد شيء خارق للعادة والمألوف، وإنما هي ما فوق الزمن والموت معا، بل تكاد تشكل زمن الكتابة نفسه.
هذا الولع بالأسطورة والرغبة الدائمة في مزجها بما هو واقعي وحسي وشعري، وهذا الإدراك المستبصر لإشكالية الزمن وتقاطعاته الحادة المفاجئة، حفز الخراط على أن يكون بمثابة حفّار للغة، يعرف كيف ينوع اشتقاقاتها وضرباتها ووخزاتها في النص، منقبا في هوامشها ومتونها وطبقاتها، وألسنتها الشفهية والفصحى، لتصبح لصيقة بالجسد والروح، تفيض عن ما يفوران به من ظواهر وانفعالات ومشاعر وعواطف شتى، على مستويي الداخل والخارج معا.
وسّع هذا الحفر في اللغة من فضاء الخراط الروائي والقصصي، وجعله صاحب عين حكاءة، ذات قدرة مبهرة على التأمل والوصف والنفاذ فيما وراء الأشياء والوقائع، فالوصف الباذخ الشيق في أعماله، لا يقوم فقط بدور وسيط لتوثيق عناصر ومفردات الحياة وتحويلها إلى مقوِّم سردي، وإنما هو شكل من أشكال اللعب مع الزمن والتاريخ، فأنت تستطيع في كثير من هذه الأعمال، ومنها (ترابها زعفران - رامة والتنين - يقين العطش - السكة الحديد) أن تشم بروح الحاضر رائحة الماضي في أنماط كثيرة من وصفة لمحتويات المكان وعناصر البيئة وما تنطوي عليه من أعراف وعادات وطقوس اجتماعية ودينية، تومض وتفوح في النص، مكتسبة من خلاله حيوات جديدة.
لا يأتي هذا الحفر من فراغ، وإنما يرفده تراكم خبرة عميقة، وتقلبات في مشوار الحياة، ومعرفة حية بالأماكن، فقد عاش الخراط في 4 أماكن ذات طبيعة خاصة، حيث ولد بالإسكندرية لأب من مدينة أخميم بمحافظة سوهاج في جنوب مصر، وأم من محافظة البحيرة، غرب الدلتا، وعاش ومات في مدينة القاهرة، وسافر كثيرا وتجول في معظم مدن العالم، لكن تظل الأماكن الأربعة التي شكلت قوسي الميلاد والموت، محطات أساسية، تنقلت بينها أعماله في رحلة خصبة ومتجددة تناوب فيها الحلم والذاكرة الأدوار المركزية والهامشية، في البحث عن اللغة والمعنى والقيمة لعلاقات إنسانية خلاقة، بعيدا عن العطب والترهل، ومجانية الشائع والتكرار، كما انطبعت مناخات هذه المدن على ملامح شخوصه وصراعاتهم مع أنفسهم والحياة والوجود.
فمثلما التصقت اللغة بطوايا الروح والجسد في أعمال الخراط الروائية والقصصية، التصقت أيضا بالمكان، فلم يكن مجرد خلفية تزينية، أو خشبة مسرح يؤدي عليها الأبطال أدوارهم ويتبارون في مهارات التقمص من تحت القناع، لقد أصبح المكان بطلا، وصانع بطولة في الوقت نفسه، إنه جغرافيا ممزوجة بدم ولحم وطينة الشخوص، تحكمها دائما علاقة تأثير وتأثر حية، لها امتدادها الخصب في المكان والزمان.
وهكذا، يتراءى المكان دائما كمخزن للطفولة واللغة والحلم والتاريخ، وهو ما يوضحه الخراط بإيجاز مشع، في معرض حديثة عن الإسكندرية أيقونته المقدسة في روايته «إسكندريتي»، ناحتا لها مصطلحا جديدا على غرار الفن التشكيلي سماه «كولاج روائي» يقول الخراط: «لعلني لا أعرف كاتبا آخر في العربية تولّه بعشق هذا الموقع.. الحلم.. الواقع كما فعلت، ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة الأرض عندهم في نهاية الأمر، ديكورا خلفيا، أو في أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي».
امتلك الخراط منظورا فلسفيا شكل حجر الأساس في رؤيته للعالم، وتبلورت من خلاله رؤيته لواقعة المصري بكل تقاطعاته وأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية، وهو أن الحياة ثباتها يكمن في قدرتها على التغير، في لم شتات الضعف والقوة معا، ليس بدافع الهيمنة، وإنما بدافع الرغبة في التطلع إلى الأفضل، فالأشياء ليست مخلدة، وإنما تزول ليبقى الأثر شاهدا عليها.. لعل هذا ما عبر عنه في روايته «يقين العطش» حيث يستهلها بهذه الكلمات: «كان حسه بالفقدان الذي لا يعوض عميقا، قال: الحياة ذهبت، عادت إليه فجأة رائحة الفولكس القديمة، من أولى سنوات السبعينات، رائحة فيها آثار من اللبن الطازج، والبنزين، وعطر لافام الذي يعرفه من (رامة) رائحة الخصوبة، رائحة لن تعود أبدا».
كتابات الخراط تشبهه بروحها المصرية القبطية العربية، وتشبهنا بفضاء حكاياتها المنسوجة من سقف أحلامنا وكوابيسنا، ورغبتنا في أوطان عادلة وحرة، كما أنها تحرضنا على أن نكون نحن كما نحب ونشتهي، لا كما يريد لنا الآخرون. إنها كتابات تنفر من الثنائيات المغلقة والنمطية، تبحث عن حلول بديلة لها في فضاء السرد، وفي ظل حراك دائم التغير بين حريتين تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية الحب، الجسد، الروح، العقل الوطن، الفن.. حرية يتنفس فيها النص هواءه وغباره بمحبة خالصة، حيث تذوب كل الفواصل والعقد السميكة للزمن في العناصر والأشياء، في الكتابة وشطحات الرؤى والفكر والخيال.
هذا الهم لم ينفصل عن كتابات الخراط النقدية المتنوعة ما بين الفن التشكيلي والرواية والقصة القصيرة والترجمة والسينما والمسرح، والتي دشن من خلالها أهم مصطلحات الحداثة الأدبية والحساسية الجديدة، وهو مصطلح «الكتابة عبر النوعية»، محتضنا مظاهر الكتابة الجديدة الطليعية في فضاء الإبداع، في مصر والوطن العربي.
لقد تشبث صاحب «حريق الأخيلة» بإرادة الحياة والتصق بها بحميمية، وكان في كل كتاباته عينه مفتوحة على المستقبل.. كان عقلانيا بمحبة الروح، وروحانيا بمحبة العقل، نزقا حتى النخاع في البحث عن المعرفة، عن رؤى ومفاهيم جديدة، تتحصن بها الكتابة والذات، سواء في نشدانهما للتغيير والتجديد في دفتر الحياة، أو في نشدانهما للعشق والحب في دفتر القلب.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended