تباين في توقعات أداء الاقتصاد اليوناني يفاجئ المحللين

ارتفاع أعداد اللاجئين زاد الضغط على الموازنة العامة

الاقتصاد اليوناني يعاني من أزمة استمرت أكثر من خمس سنوات تهدد من جديد استقرار منطقة اليورو وتطرح فكرة خروج اليونان من المنطقة الاقتصادية (أ.ف.ب)
الاقتصاد اليوناني يعاني من أزمة استمرت أكثر من خمس سنوات تهدد من جديد استقرار منطقة اليورو وتطرح فكرة خروج اليونان من المنطقة الاقتصادية (أ.ف.ب)
TT

تباين في توقعات أداء الاقتصاد اليوناني يفاجئ المحللين

الاقتصاد اليوناني يعاني من أزمة استمرت أكثر من خمس سنوات تهدد من جديد استقرار منطقة اليورو وتطرح فكرة خروج اليونان من المنطقة الاقتصادية (أ.ف.ب)
الاقتصاد اليوناني يعاني من أزمة استمرت أكثر من خمس سنوات تهدد من جديد استقرار منطقة اليورو وتطرح فكرة خروج اليونان من المنطقة الاقتصادية (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تسارع فيه خطى اقتصادات العالم الكبرى لمواجهة التحديات، وسط تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، يعاني الاقتصاد اليوناني من أزمة استمرت أكثر من خمس سنوات، تهدد من جديد استقرار منطقة اليورو وتطرح فكرة خروج اليونان من المنطقة الاقتصادية، إلا أن أوروبا آثرت تقديم المساعدة في مقابل تنفيذ اليونان لخطة إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشفية تهدف إلى خفض عجز الموازنة العامة.
في الوقت نفسه، ارتفع عدد المهاجرين من مناطق النزاعات إلى الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي؛ حيث عبر معظمهم البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرقي أوروبا، قادمين من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا والبلقان.
وافقت الحكومية اليونانية، أمس، على قبول مزيد من المساعدات من الاتحاد الأوروبي للسيطرة على تدفق المهاجرين بمساعدة وكالة الاتحاد الأوروبي لحماية الحدود، بعد اجتماع لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، بينما واجهت الحكومة اليونانية تحذيرات سابقة بتعليق انضمامها لمنطقة شينغن أول ديسمبر (كانون الأول) الحالي، نظرًا لقصور مراقبة الحدود.
واستمرت البيانات الاقتصادية اليونانية في مفاجأة المحللين، فعلى الرغم من حالة عدم اليقين، سجل الاقتصاد اليوناني انكماشا سنويا متواضعا بنسبة 0.1 في المائة في الربع الثالث من العام الحالي، وفقا لتقديرات أولية في تقرير يوروستات الصادر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبينما تأتي النتيجة أفضل من توقعات المحللين، إلا أنها لا تزال أسوأ نتائج منذ الربع الرابع 2013، عندما حقق الاقتصاد انكماشا قدره 2.6 في المائة.
في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة اليونانية في نوفمبر الماضي تضييق إطار الإصلاحات الاقتصادية، تمهيدًا لاستقبال 12 مليار يورو لدعم أكبر أربع بنوك، التي تبين خلال اختبارات التحمل من قبل المركزي الأوروبي، أن لديهم نقصا في رؤوس الأموال بما يقرب من 14.4 مليار يورو، في حين تم تخصيص 2 مليار يورو لنفقات الحكومة.
وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9 في المائة في الربع الثالث مقارنة بانخفاض قدره 0.5 في المائة في الربع الثاني، بينما أظهر الإنفاق الاستهلاكي مرونة نسبية منخفضًا بنسبة 1 في المائة فقط، في حين ساعد تراجع الواردات بنسبة 16.9 في المائة في تخفيف تأثير الركود، الذي لم يستمر لفترة طويلة طوال العام.
في الوقت ذاته تتوقع الحكومة اليونانية انكماشا قدره 0.7 في المائة العام المقبل، بينما تتوقع المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون والتنمية انكماشا قدره 1.4 في المائة، في حين يرى بنك الإنشاء والتعمير الأوروبي انكماشا قدره 1.5 في المائة.
وعلى الرغم من تقديم الحكومة لميزانية أكثر تفاؤلا للعام المقبل، يرى محللون أن هناك تدابير وإصلاحات اقتصادية متداخلة سياسيا، بما في ذلك زيادة الضرائب على المزارعين التي لا تزال بحاجة إلى موافقة البرلمان، غير أن نزاع أعضاء الائتلاف الحاكم ومحاولات الحد من شعبيته رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس تؤثر بشكل كبير على سير الإصلاحات الاقتصادية.
يقول جون روبرت المحلل الاقتصادي لـ«الشرق الأوسط»، إن متاعب اليونان الاقتصادية تهدد الاستقرار ليس في منطقة اليورو وحدها، ولكن الاقتصاد العالمي بأسره.. مضيفا أن اليونان لا تزال عرضة لكارثة اقتصادية جديدة، نتيجة وجودها في مواجهة سيل الفارين من مناطق الحرب المجاورة كسوريا والعراق ومناطق أخرى.
ففي الوقت الذي تعتمد فيه اليونان على الدعم المادي من دول الاتحاد الأوروبي، تواجه اليونان خطر وصول ما يقرب من 767 ألف لاجئ عابر إلى مناطق أخرى في أوروبا في 2015 وفقا لتقرير المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الصادر منذ أيام قليلة، في الوقت نفسه استقبلت القارة ما يقرب من 900 ألف لاجئ خلال العام الحالي وصلوا عبر البحر.
ويتوقع مراقبون تصاعد القلق والمخاوف من الوضع الاقتصادي في اليونان خاصة بعد اجتماع رئيس الوزراء اليوناني وقادة البرلمان الأوروبي الشهر الماضي، واستفتاء يونيو (حزيران) الماضي الخاص بمزيد من إجراءات التقشف، وأوضاع اللاجئين، وفشل اليونان في بناء توافق سياسي، وهي أسباب كافية لحدوث كارثة اقتصادية.
وبحسب باناجيوتيس باركومنيوس رئيس الوزراء اليوناني السابق الذي قاد الحكومة المؤقتة في 2012، فإن اليونان لم تخرج من منطقة الخطر وتشكل الأشهر القليلة المقبلة تحديا كبيرا للحكومة اليونانية.
وقال جون روبرت لـ«الشرق الأوسط»، عبر البريد الإلكتروني، في الوقت الذي تقوم فيه الحكومة اليونانية بخفض ميزانيتها وتتوسع في سياسات التقشف، فإن معدل البطالة يبلغ 25 في المائة، وتعاني الدولة لتوفير احتياجات المهاجرين.
وفي تصريح سابق لوزير الهجرة اليوناني يوانيس موزاليس الأسبوع الماضي، قال إن اليونان قد أنفقت ما يقرب من 1.6 مليار دولار من ميزانيتها لإنقاذ اللاجئين وتوفير الإقامة والطعام والرعاية الصحية، موضحا أن الحكومة تنفق من أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة للبلاد.
وفي الوقت ذاته، حذر وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله من خطورة الوضع الاقتصادي في اليونان وتداعياته على منطقة اليورو، ويرى الوزير الألماني ضرورة تعليق عضوية اليونان بالاتحاد، على الرغم من التزام الحكومة اليونانية بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
من ناحية أخرى، فإن صندوق النقد الدولي لم يتقدم حتى الآن ببيان رسمي وملزم عن مشاركته في برنامج المساعدة اليوناني، بينما وصف محللون أن مشاركة الصندوق تتسم بالأهمية الحاسمة للحكومة الألمانية. وفي الآونة الأخيرة، وافق المقرضون اليونانيون على صرف ملياري يورو، والإفراج التدريجي عن عشرة مليارات يورو أخرى لإعادة رسملة البنوك اليونانية، وفقا لخطة الإصلاحات المتفق عليها، على الرغم من الجدل المثار بين الحكومة والمقرضين حول صناديق الخصخصة وإصلاح نظام التقاعد.
هذا في الوقت الذي أعلن فيه وزير الاقتصاد اليوناني، يوم الثلاثاء الماضي، في مؤتمر لرجال الأعمال بغرفة التجارة الأميركية - اليونانية، الانتهاء من المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي بنهاية ديسمبر الحالي، وتشمل المرحلة تعديل هيكل المعاشات التقاعدية، وضريبة الدخل.
بينما وعد مقرضو منطقة اليورو بأن هناك محدثات ستبدأ مع أثينا من أجل تخفيف أعباء الديون، فور الإعلان عن التقييم المبدئي للمرحلة الأولى من الإصلاح الاقتصادي بنهاية الشهر الحالي. ووعد البنك المركزي الأوروبي في تصريح سابق أن يشمل اليونان في برنامج شراء السندات الحكومية.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.