النظام السوري وداعموه يقاتلون لاستعادة السيطرة على المطارات واعتمادها قواعد عسكرية

خبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»: لا تصلح لأن تستخدمها القاذفات الروسية قبل تأهيلها

دبابة تابعة لقوات النظام السورية داخل إحدى بلدات محافظة اللاذقية الجبلية في شمال المحافظة (إ.ب.أ)
دبابة تابعة لقوات النظام السورية داخل إحدى بلدات محافظة اللاذقية الجبلية في شمال المحافظة (إ.ب.أ)
TT

النظام السوري وداعموه يقاتلون لاستعادة السيطرة على المطارات واعتمادها قواعد عسكرية

دبابة تابعة لقوات النظام السورية داخل إحدى بلدات محافظة اللاذقية الجبلية في شمال المحافظة (إ.ب.أ)
دبابة تابعة لقوات النظام السورية داخل إحدى بلدات محافظة اللاذقية الجبلية في شمال المحافظة (إ.ب.أ)

تتجه قوات النظام السوري المدعومة بغطاء جوي روسي، وفق خطة مدروسة، لاستعادة السيطرة على مطارات عسكرية استراتيجية، كانت فقدت السيطرة عليها، أو عطّلتها المعارك القريبة منها في محافظات الشمال السوري وقرب العاصمة دمشق. وتهدف الخطة إلى تفعيل تلك المطارات، بما يخدم الخطة العسكرية التي توحي بها مسارات العمل الميداني.
وتشير خريطة المعارك التي أطلقتها قوات النظام إلى التقدم باتجاه مطاري تفتناز وأبو الظهور في محافظة إدلب، وتأمين مطار حماه العسكري في وسط البلاد، ومطار حلب المدني الدولي الذي لم يعد آمنًا بالنسبة لقوات النظام، نظرًا لقرب المعارك العسكرية منه. وكانت قوات النظام والقوى التي تدعمها كثفت ضرباتها لقوات تنظيم داعش قرب منطقة الطبقة التي تتضمن مطارًا عسكريًا استراتيجيًا كانت فقدت السيطرة عليه في أغسطس (آب) 2014، وذلك بعد استعادة السيطرة على مطار كويرس شرقي مدينة حلب.
وبالتوازي، كثفت قوات النظام والميليشيات الداعمة لها أيضًا بدعم جوي، ضرباتها لضاحية داريا بريف دمشق الجنوبي، بهدف منع المعارضة من التقدم إلى جوار مطار المزة العسكري الفاعل قرب العاصمة، إضافة إلى هجمات قريبة من مطار مرج السلطان العسكري الواقع تحت سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية. وفي الوقت عينه، تشن قوات النظام والميليشيات الحليفة هجمات في ريف محافظة حمص الشرقي، بهدف إبعاد قوات «داعش» عن مطار «تيفور» T4، وهو أبرز المطارات العسكرية الاستراتيجية في سوريا.
هذا، وفي حين يفيد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن سير تلك المعارك، يوحي بوجود «خطة استراتيجية» وضعتها القوات النظامية لاستعادة السيطرة على المطارات بهدف «تفعيلها، واستخدامها لقصف مواقع المعارضة القريبة منها في شمال البلاد»، تتحدث مصادر المعارضة السورية عن أن مسارات الهجمات التي شنتها قوات النظام منذ التدخل الروسي «توحي بأن استعادة المطارات العسكرية، أولوية بالنسبة لقوات النظام، كونها تشكل قواعد عسكرية قريبة تمكنها من أن تتحوّل إلى مرابض مدفعية ومنصات إطلاق صواريخ ضد المدن القريبة، فضلاً عن أنها تستخدم كمهبط للمروحيات (الهليكوبترات)، تقلل إجهاد تلك الطائرات التي باتت متهالكة».
وتتفاوت التقديرات حول أهمية استخدام تلك المطارات في حال استعادة السيطرة عليها، بين كونها تتمتع بأهمية للطائرات الروسية، أو لطائرات سلاح جو النظام، وبين أن تتحول إلى قواعد انطلاق ميدانية، كما يقول ياسر النجار عضو المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية في حلب الذي شرح لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن «حجم الانتشار العسكري على الأرض للقوات الإيرانية، يزيد قناعتنا بأن الإيراني يعطي تلك المطارات أولوية بهدف تحويلها إلى قواعد عسكرية ومنصة انطلاق لقواته، تساعده على الانتشار بطريقة سريعة». وأردف أن القوات الحليفة لطهران أو القوات الإيرانية الموجودة في سوريا «لا تحتاج إلى مناطق صحراوية تسكنها، بل إلى قواعد عسكرية مثل المطارات، تستطيع أن تتمترس فيها». ثم قال إن الهجمات في محيط حلب لاستعادة مطاراتها، «تشير إلى أن الطرف الإيراني يريد استثمارها في الحل السياسي، عبر القول إن الشام (دمشق) ومطاراتها واقعة تحت يد حليفه، إضافة إلى مدينة حلب ومطارات حلب التي ستتحول إلى قواعد عسكرية».
ولا يخفي النجار أن استعادة السيطرة على المطارات «ستعد انتصارات عسكرية بالنسبة للنظام، كما كانت بالنسبة للمعارضة، لأن السيطرة عليها في السابق احتاج إلى فترات طويلة من الحصار والمعارك الضارية، وكانت من أصعب المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام»، مشيرًا إلى أن «استعادة النظام السيطرة عليها، يعني إعادتنا سنة على الأقل إلى الوراء لأنها تشكل حصانة للنظام».
غير أن استعادة المطارات، في حالة تحققها، لا يعني أن هذه القواعد ستساعد قوات النظام كثيرًا في معاركها الجوية. وبينما يقول النجار إن النظام «استدعى الروسي للطيران، بعد استنزاف العمر الافتراضي لطائراته، واستهلك قدرتها المادية»، يشير العميد الدكتور هشام جابر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية» في بيروت إلى أن الطائرات الروسية «لا تستطيع استخدامها في وضعها الحالي»، موضحًا أن «شروط المطار أن يتمتع بمدرج طويل، يسمح بانطلاق القاذفات الاستراتيجية وهبوطها». وتابع جابر لـ«الشرق الأوسط» إنه «يجب أن تكون أرض المطار مجهزة لتحمل أثقال تلك الطائرات، فضلاً عن أن تُنشأ فيه أبراج مراقبة، كون المطار العسكري يحتاج إلى أجهزة تقنية ولا يمكن أن تعمل بلا أجهزة مراقبة وإنذار». ووفق هذه الشروط، «اعتمد الروس مطار حميميم لإعادة تأهيله، ليغدو صالحًا لطائرات السوخوي والتوبوليف التي تحتاج إلى مدى في المدرج ومنصة تحملها».
أيضًا، قال جابر إن المطارات بوضعها الحالي، في حال استعادة السيطرة عليها، «لن تكون صالحة للاستخدام، إذا لم يؤمن المطار بالسيطرة حوله على مسافة 25 كيلومترًا مربعًا تحيط به، منعًا لاستهداف الطائرات فيه»، مستطردًا أن «في المرحلة الأولى، سيستعمل للطائرات المروحية، بعد إصلاح المدرجات وأبراج المراقبة». وأكد أن الخطة العسكرية التي تفضي للسيطرة على المطارات «تعتبرها دمشق أولوية، لكون الطائرات تساند القوات الجوية، وكلما كانت قريبة من الميدان، ستكون تكلفة إشغالها أقل وستكون فعاليتها أكبر».
كذلك قال جابر إن سوريا قبل الأحداث «كانت تمتلك عددًا كبيرًا من القواعد الجوية، تقلصت بعد 5 سنوات من الأزمة، وانحسر عدد المطارات العاملة فيها إلى نحو 7 مطارات، أهمها اللاذقية وحلب المدني (مطار النيرب) ومطاران في ريف حمص الشرقي، ومطاران في القلمون الشرقي، إضافة إلى مطار المزة العسكري» الواقع جنوب غربي العاصمة السورية. ورأى الخبير العسكري اللبناني أن فقدان تلك المطارات «ألزم النظام بخسارة ميزة عسكرية لأن الطيران الذي يقصف، بات عاجزًا عن الوصول بسرعة، ويساهم ذلك في إرهاق الطائرات العاملة». وقال إن أهم خسائره في المطارات «يتمثل في خسارة مطار الطبقة في الرقة، ومطار منّغ في حلب، ومطار كويرس في حلب، ومطار أبو الظهور العسكري في إدلب».
وتشير خريطة العمليات الآن، بعد السيطرة على مطار كويرس، ومحاولة تأمينه بمهاجمة بلدة دير حافر ومدينة الباب بريف محافظة حلب الشرقي، إلى محاولة التقدم لاستعادة السيطرة على مطار تفتناز الذي يفتح باب العبور باتجاه محافظة إدلب، والاقتراب باتجاه بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين من قبل فصائل المعارضة، اللتين دخلتا في هدنة مقابل الزبداني. كما تكثف الطائرات قصف محيط مطار الطبقة في غرب الرقة، فضلاً عن محاولة تأمين مطار النيرب عبر استعادة السيطرة على محيطه في حلب.
وتحدث ناشطون أمس عن قصف مدينة سراقب التي تبعد نحو عشرة كيلومترات عن مطار تفتناز، بعد التقدم إليه من ريف حلب الجنوبي، حيث باتت قوات النظام بعيدة مسافة 15 كيلومترا عنه.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».