لورنس العرب.. هل نعرفه حقا؟

كتاب جديد يعيد رواية قصته مفندا كثيرا من الجوانب المتعلقة بأسطورته

بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
TT

لورنس العرب.. هل نعرفه حقا؟

بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»

تمثل قصة توماس إدوارد لورنس - الشهير بلورنس العرب - لأولئك الذين يقرأون التاريخ من زاوية واحدة، قمة البساطة في سرد أحداث منطقة الشرق الأوسط منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.
تقول تلك القصة البسيطة: أرسل البريطانيون واحدا من جواسيسهم يُدعى توماس إدوارد لورنس في مهمة تحريض العرب ليثوروا ضد العثمانيين، وهكذا استطاعوا إحكام سيطرتهم على منطقة الشرق الأوسط، ثم شرعوا بعد ذلك في تقسيمها إلى دويلات صغيرة من خلال صفقة مع الفرنسيين تُعرف في التاريخ باتفاقية سايكس - بيكو. وعلى هامش الأحداث الرئيسة خلال تلك الفترة، أصدر البريطانيون وعد بلفور، الذي أعطى فلسطين لليهود، الذين أقاموا إسرائيل فيما بعد.
أما النقطة الأهم في تلك القصة فتتعلق بفهم الشخصية الرئيسة في تلك القصة، أي توماس إدوارد لورنس.
وإذا كنت تعتقد أنك استطعت استقاء كل المعلومات التي أردتها عن «لورنس العرب» من خلال مشاهدة الفيلم الشهير الذي قدمه للسينما العالمية المخرج البريطاني العالمي ديفيد لين عام 1962، فينبغي عليك أن تعيد التفكير مرة أخرى. ويأتي الكتاب الثري الجديد، الذي ألفه سكوت أندرسون، ليعيد رواية القصة بطريقة تتحدى كثيرا من الجوانب المتعلقة بأسطورة لورنس.
باختصار، الأسطورة تحكي قصة شاب إنجليزي غريب الأطوار حط رحاله في منطقة الشام - التي كانت تقع تحت سيطرة العثمانيين - خلال الحرب العالمية الأولى ونجح في قيادة العرب خلال ثورتهم التي ساعدت في إخراج الباب العالي من اللعبة، ومحققا بذلك النصر لقوات الحلفاء. على مدار القرن الماضي، جرى استخدام أسطورة لورنس لأغراض متناقضة، إذ إن البعض استخدمها للتأكيد على شغف الإنجليز المفترض بالأعمال البطولية. بينما استخدمها آخرون لتقديم مثال على الخداع، الذي مارسته بريطانيا الاستعمارية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالغدر بالأصدقاء وتوجيه طعنة لهم من الخلف.
لكن أندرسون يبدأ كتابه بمعارضة كلتا وجهتي النظر عندما يضع العنوان «لورنس في جزيرة العرب» وليس «لورنس العرب»، وهكذا يضع البطل الأسطوري في السياق الصحيح. صياغة عنوان الكتاب بتلك الطريقة لا تمثل مجرد تغيير لفظي. ولا يبدو شيئا مبالغا فيه إذا ما تساءلنا عن إمكانية إضافة لقب «العرب» إلى اسم لورنس. صحيح أن المغامر الشاب كان يُجيد القليل من اللغة العربية، رغم عدم توفر معلومات مؤكدة عن حجم ما كان يعرف بالضبط، وصحيح أيضا أنه قرأ بعض الكتب عن العرب وأنه اشترك في بعض بعثات التنقيب عن الآثار، التي جرى معظمها فيما يُعرف الآن بتركيا، إلا أن ذلك كله - رغم ذلك - ليس له صلة مباشرة بالعرب.
ويستخدم أندرسون في كتابه أسلوب اللقطات العريضة البانورامية بدلا من اللقطات القريبة، حيث يساعد هذا الأسلوب القارئ على تذوق العناصر التاريخية والثقافية للمشهد في الوقت الذي يُبقى فيه الضوء منصبا على لورنس حيثما تقتضي الضرورة. لكن إصرار أندرسون على وصف المشهد بخلفياته التاريخية والثقافية يصبح مملا في بعض المناسبات. على سبيل المثال، يصف أندرسون نوع الحجر المستخدم في تشييد هذا المبنى أو ذاك، كما يصف بشيء من التفصيل شكل شارب هذا الضابط أو كيف يبدو ذاك القائد العسكري الرياضي. وعلى الرغم من ذلك، يخلق التأثير المتراكم لذلك الوصف جوا رائعا من الواقعية.
ثم بعد ذلك، يبدأ أندرسون في خلق مجموعة من الشخصيات «المساعدة» التي تساعد في دفع الأحداث باتجاه لحظة حل العقدة الدرامية. وقد استطاعت تلك الشخصيات سرقة جزء من الأضواء، مثل: كيرت بروفر «لورنس الألماني» وويليام ييل، رجل النفط الأميركي والجاسوس، بالإضافة إلى العسكري الصهيوني آرون آرونسون، أو أمراء الحرب من البدو مثل عودة أبو تايه، الذين علقوا بالذاكرة التاريخية كشخصيات درامية وبطولية.
ثم يبدأ أندرسون بعد ذلك في تحليل عناصر أسطورة لورنس من عدة زوايا أخرى.
ويعرض أندرسون فكرة أن الثورة العربية لم تكن من اختراع لورنس.
في الحقيقة، قبل اندلاع الحرب وقبل وصول لورنس إلى الشرق الأوسط في مهمة مساعد عالم آثار، كان عبد الله - أحد أبناء الشريف حسين بن علي، شريف مكة المكرمة - هو أول من أثار فكرة إشعال ثورة عربية ضد العثمانيين خلال لقاءاته مع الجنرال كتشنر، الحاكم البريطاني الفعلي لمصر، في القاهرة. وقد صرف كتشنر النظر على تلك الفكرة، لكنه - على ما يبدو - ترك الباب مفتوحا أمام جميع الخيارات، واضعا الشريف حسين على قائمة خياراته المستقبلية. كما سعت الكثير من الحركات القومية العربية، مثل الجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد، لطلب الدعم من القوى الغربية، خاصة بريطانيا، للوقوف بجانبهم في كفاحهم ضد العثمانيين. وعليه، لم يكن الأمر مجرد «قوة استعمارية» تحاول جاهدة توسيع مساحة مستعمراتها من خلال استغلال حركات التحرر في المنطقة العربية، بل كانت حركات عربية تسعى لاستخدام «قوة استعمارية» بعيدة للتخلص من «قوة استعمارية» أخرى قريبة سامت العرب صنوف القهر والظلم.
وقد شاعت فكرة «الجهاد» الإسلامي ضد «الكفار» خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى. وحاول الألمان استغلال تلك الفكرة ضد الإمبراطورية البريطانية، التي كانت تحتل في ذلك الوقت أكثر من نصف العالم الإسلامي. وبالتالي، سيؤدي استغلال تلك الفكرة بالطريقة الصحيحة إلى تكوين أكبر «قوة إسلامية.» وقد ألهمت هذه الفكرة - استخدام القوى الاستعمارية الأوروبية للمسلمين كسلاح لتحقيق مآربهم - الروائي جون بوكان، فكتب رواية «العباءة الخضراء»، وصدرت قبل عام من بدء لورنس تسويق فكرة «الثورة العربية».
وعلى النقيض، يبدو لورنس في الغالب شخصية محيرة، حيث كان السبب وراء زيادة الأمر تعقيدا عندما صب اهتمامه على إحياء فكرة القومية العربية كأساس آيديولوجي للثورة ضد العثمانيين. وبالإضافة إلى ذلك، ارتكب لورنس خطأ آخر عندما ساوى مصالح «العرب» جميعا بمصالح «عائلة الشريف حسين». وبعد ذلك بسنوات عدة، اعترف لورنس بأن مفهوم «الأمة العربية» كان «مجرد سراب».
وعلى الرغم من عبقريته في تجهيز وإخراج بيئة الأحداث، بما في ذلك ارتداؤه الأزياء العربية، كان اتصال لورنس بالعرب ضعيفا وقليلا. فباستثناء الفترة التي قضاها في العمل كعالم آثار في قرية كركميش - قرية آشورية - حيث التقى بعلي سالم «حب حياته»، قضى لورنس القليل من الوقت في المدن العربية باستثناء القاهرة التي عاش فيها في الفنادق الفاخرة. وكانت «المنطقة العربية» بالنسبة للورنس ما هي إلا مساحة صغيرة من الأرض تسمى تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) حيث زار جدة، وقام بزيارات أخرى لعدد من الموانئ الصغيرة على البحر الأحمر، في عدد من المناسبات، لكن تلك الزيارات لم تكن تتعدى أيام قليلة.
كان لورنس قادرا على استغلال مهاراته في القيام بأعمال الخداع البسيطة، إذ كان الحاكم العثماني، جمال باشا - المعروف لدى العرب بـ«السفاح» - مترددا في استخدام قبضته الحديدية بطريقة فعالة. وقد خصص جمال باشا جائرة لمن يستطيع القبض على لورنس، لكن لم يفعل أي شيء لاعتقاله. وعندما أُلقي القبض بالصدفة على لورنس في درعا، لم يكلف أحد نفسه التحقق من هويته، ثم أُطلق سراحه بعد ساعات قليلة من اعتقاله، وزعم أنه جرى الاعتداء عليه جنسيا من قبل الحاكم المحلي التركي.
وخلال أربع مواجهات فقط، كانت هناك اشتباكات فعلية بين «الجيش العربي» - تحت قيادة لورنس - والأتراك، وقد أسفرت تلك المواجهات عن نتائج مختلفة. وفي نهاية الأمر، تلقى العثمانيون الهزيمة على يد الجيش البريطاني النظامي خلال عملية عسكرية تحت قيادة الجنرال أللنبي.
في بعض المناسبات، يكرر أندرسون الأكليشيهات التي كانت شائعة في منطقة الشرق الأوسط في ذلك الوقت، ومثال ذلك، كرهه الشديد للسير مارك سايكس، السياسي البريطاني الذي قاد المفاوضات التي تمخضت عن توقيع اتفاقية سايكس - بيكو سيئة السمعة مع فرنسا وروسيا. لم يعرف سايكس، الذي كان يقضي وقت فراغه في رسم الصور الكاريكاتيرية، أنه سينتهي به الأمر إلى رسم خريطة بريطانيا «الاستعمارية». وعلى الرغم مما يبدو من ميل أندرسون لاستخدام قلمه في توجيه طعنات لسايكس، فإنه يقول إن اتفاقية سايكس - بيكو لم توضع موضع التنفيذ أبدا. وعندما استولى البلاشفة على السلطة في روسيا في عام 1917، أصدر ليف تروتسكي، مؤسس الجيش الأحمر، النص السري للاتفاقية للتنديد بـ«المؤامرات الاستعمارية». ويوضح أندرسون أن سايكس أعتقد أن العرب سيحسنون صنعا بتقبل الحكم الاستعماري لفترة من الزمن. وكان سايكس قد كتب: «عشرة أعوام تحت حكم بريطانيا وفرنسا وسيصبح العرب أمة موحدة. أما الاستقلال الآن فيعني الوقوع تحت السيطرة الكاملة لبلاد فارس، والفقر والفوضى».
في نهاية الأمر، لم تتبن بريطانيا ولا فرنسا اتفاقية سايكس - بيكو، حيث جرى تقرير مصير الأقاليم العربية، التي كانت تخضع لسلطان الإمبراطورية العثمانية، خلال حديث دار بين رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد لويد جورج، ونظيره الفرنسي، جورج كليمانصو، عام 1918 أثناء نزهة على الأقدام، لم تستغرق سوى عشر دقائق. قال رئيس الوزراء البريطاني لنظيره الفرنسي «أنتم تحتفظون بسوريا، ونحن نفرض سيطرتنا على الباقي»، ثم تصافح الرجلان دليلا على إتمام الصفقة. أراد سايكس أن يظل العرب تحت حكم فرنسا وإنجلترا لمدة عشر سنوات فقط، أما رئيسا وزراء البلدين فلم يحددا وقتا معينا لذلك.
ويبدو سرد أندرسون للأحداث مشوقا، لا سيما عندما ينتقل للحديث عن وعد بلفور. كان وعد بلفور عبارة عن رسالة موجزة من ثلاث فقرات مكتوبة باليد موجهة من وزير الخارجية البريطاني إلى المصرفي اليهودي، اللورد روتشيلد. وكما يوضح أندرسون، لم تجر مناقشة هذا الوعد حتى خلال اجتماعات الحكومة البريطانية، حيث لم يقرر البريطانيون ماذا يعني وعد بلفور بالضبط. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بذلت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي كل ما في وسعها لمنع قيام إسرائيل، وعندما قامت دولة إسرائيل، لم تعترف حكومة أتلي بها لمدة 18 شهرا.
لقد كانت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين جزءا من الصخب الشائع في أوروبا في ذلك الوقت منذ القرن التاسع عشر. وقد ذُكرت تلك الفكرة في عدة روايات من بينها رواية «كونينغسبي» لبنجامين دزرائيلي، ورواية «دانيال ديروندا» لجورج إليوت. كما حاول ثيودر هيرتزل في روايته «الأرض القديمة الجديدة» أن يعطي تلك الفكرة عمقا آيديولوجيا. وكانت الفرضية السائدة في ذلك الوقت هو أن العرب واليهود - الذين يفترض أنهم أبناء عمومة - من الممكن أن يعيشوا ويعملوا معا من أجل خلق نموذج جديد للمجتمع البشري تخفف فيه الروحانية القديمة من حدة المادية الحديثة.
يُعد كتاب «لورنس في جزيرة العرب» تصويرا رائعا للعجز البريطاني والارتباك والعداوات المستمرة بين الفصائل المختلفة. ويلقي الكتاب الضوء على الطبيعة الجشعة للزعماء العرب، الذين يعاملون شعوبهم باحتقار ويقضون حياتهم في تكديس، وفي بعض الأحيان سرقة، ما يستطيعون من الذهب والأموال. وقد استطاع لورنس استغلال هذه الخلفية من البلبلة حتى يروج لصورته الخاصة ويغذي وحش غروره. وقد اعترف لورنس نفسه أنه كان يروج لفكرة غير واقعية. في ذلك الوقت، كانت بريطانيا وحلفاؤها يريدون خلق أسطورة أخلاقية تساهم في تخفيف الضغط عن جبهة الغرب حيث كان ينتظر الملايين الذبح خلال حرب خنادق لا معنى لها.
وبعد مرور عدة سنوات، يتذكر لورنس لقاءه بالجنرال أللنبي، حيث يقول «لم يستطع أللنبي أن يكتشف على وجه الدقة مقدار الجزء الحقيقي والجزء الزائف في شخصيتي».
السؤال الآن: ماذا لو كان أداء حقيقيا من شخص يجيد التمثيل؟



كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».