لورنس العرب.. هل نعرفه حقا؟

كتاب جديد يعيد رواية قصته مفندا كثيرا من الجوانب المتعلقة بأسطورته

بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
TT

لورنس العرب.. هل نعرفه حقا؟

بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»
بيتر أوتول وعمر الشريف في مشهد من فيلم «لورنس العرب»

تمثل قصة توماس إدوارد لورنس - الشهير بلورنس العرب - لأولئك الذين يقرأون التاريخ من زاوية واحدة، قمة البساطة في سرد أحداث منطقة الشرق الأوسط منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.
تقول تلك القصة البسيطة: أرسل البريطانيون واحدا من جواسيسهم يُدعى توماس إدوارد لورنس في مهمة تحريض العرب ليثوروا ضد العثمانيين، وهكذا استطاعوا إحكام سيطرتهم على منطقة الشرق الأوسط، ثم شرعوا بعد ذلك في تقسيمها إلى دويلات صغيرة من خلال صفقة مع الفرنسيين تُعرف في التاريخ باتفاقية سايكس - بيكو. وعلى هامش الأحداث الرئيسة خلال تلك الفترة، أصدر البريطانيون وعد بلفور، الذي أعطى فلسطين لليهود، الذين أقاموا إسرائيل فيما بعد.
أما النقطة الأهم في تلك القصة فتتعلق بفهم الشخصية الرئيسة في تلك القصة، أي توماس إدوارد لورنس.
وإذا كنت تعتقد أنك استطعت استقاء كل المعلومات التي أردتها عن «لورنس العرب» من خلال مشاهدة الفيلم الشهير الذي قدمه للسينما العالمية المخرج البريطاني العالمي ديفيد لين عام 1962، فينبغي عليك أن تعيد التفكير مرة أخرى. ويأتي الكتاب الثري الجديد، الذي ألفه سكوت أندرسون، ليعيد رواية القصة بطريقة تتحدى كثيرا من الجوانب المتعلقة بأسطورة لورنس.
باختصار، الأسطورة تحكي قصة شاب إنجليزي غريب الأطوار حط رحاله في منطقة الشام - التي كانت تقع تحت سيطرة العثمانيين - خلال الحرب العالمية الأولى ونجح في قيادة العرب خلال ثورتهم التي ساعدت في إخراج الباب العالي من اللعبة، ومحققا بذلك النصر لقوات الحلفاء. على مدار القرن الماضي، جرى استخدام أسطورة لورنس لأغراض متناقضة، إذ إن البعض استخدمها للتأكيد على شغف الإنجليز المفترض بالأعمال البطولية. بينما استخدمها آخرون لتقديم مثال على الخداع، الذي مارسته بريطانيا الاستعمارية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالغدر بالأصدقاء وتوجيه طعنة لهم من الخلف.
لكن أندرسون يبدأ كتابه بمعارضة كلتا وجهتي النظر عندما يضع العنوان «لورنس في جزيرة العرب» وليس «لورنس العرب»، وهكذا يضع البطل الأسطوري في السياق الصحيح. صياغة عنوان الكتاب بتلك الطريقة لا تمثل مجرد تغيير لفظي. ولا يبدو شيئا مبالغا فيه إذا ما تساءلنا عن إمكانية إضافة لقب «العرب» إلى اسم لورنس. صحيح أن المغامر الشاب كان يُجيد القليل من اللغة العربية، رغم عدم توفر معلومات مؤكدة عن حجم ما كان يعرف بالضبط، وصحيح أيضا أنه قرأ بعض الكتب عن العرب وأنه اشترك في بعض بعثات التنقيب عن الآثار، التي جرى معظمها فيما يُعرف الآن بتركيا، إلا أن ذلك كله - رغم ذلك - ليس له صلة مباشرة بالعرب.
ويستخدم أندرسون في كتابه أسلوب اللقطات العريضة البانورامية بدلا من اللقطات القريبة، حيث يساعد هذا الأسلوب القارئ على تذوق العناصر التاريخية والثقافية للمشهد في الوقت الذي يُبقى فيه الضوء منصبا على لورنس حيثما تقتضي الضرورة. لكن إصرار أندرسون على وصف المشهد بخلفياته التاريخية والثقافية يصبح مملا في بعض المناسبات. على سبيل المثال، يصف أندرسون نوع الحجر المستخدم في تشييد هذا المبنى أو ذاك، كما يصف بشيء من التفصيل شكل شارب هذا الضابط أو كيف يبدو ذاك القائد العسكري الرياضي. وعلى الرغم من ذلك، يخلق التأثير المتراكم لذلك الوصف جوا رائعا من الواقعية.
ثم بعد ذلك، يبدأ أندرسون في خلق مجموعة من الشخصيات «المساعدة» التي تساعد في دفع الأحداث باتجاه لحظة حل العقدة الدرامية. وقد استطاعت تلك الشخصيات سرقة جزء من الأضواء، مثل: كيرت بروفر «لورنس الألماني» وويليام ييل، رجل النفط الأميركي والجاسوس، بالإضافة إلى العسكري الصهيوني آرون آرونسون، أو أمراء الحرب من البدو مثل عودة أبو تايه، الذين علقوا بالذاكرة التاريخية كشخصيات درامية وبطولية.
ثم يبدأ أندرسون بعد ذلك في تحليل عناصر أسطورة لورنس من عدة زوايا أخرى.
ويعرض أندرسون فكرة أن الثورة العربية لم تكن من اختراع لورنس.
في الحقيقة، قبل اندلاع الحرب وقبل وصول لورنس إلى الشرق الأوسط في مهمة مساعد عالم آثار، كان عبد الله - أحد أبناء الشريف حسين بن علي، شريف مكة المكرمة - هو أول من أثار فكرة إشعال ثورة عربية ضد العثمانيين خلال لقاءاته مع الجنرال كتشنر، الحاكم البريطاني الفعلي لمصر، في القاهرة. وقد صرف كتشنر النظر على تلك الفكرة، لكنه - على ما يبدو - ترك الباب مفتوحا أمام جميع الخيارات، واضعا الشريف حسين على قائمة خياراته المستقبلية. كما سعت الكثير من الحركات القومية العربية، مثل الجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد، لطلب الدعم من القوى الغربية، خاصة بريطانيا، للوقوف بجانبهم في كفاحهم ضد العثمانيين. وعليه، لم يكن الأمر مجرد «قوة استعمارية» تحاول جاهدة توسيع مساحة مستعمراتها من خلال استغلال حركات التحرر في المنطقة العربية، بل كانت حركات عربية تسعى لاستخدام «قوة استعمارية» بعيدة للتخلص من «قوة استعمارية» أخرى قريبة سامت العرب صنوف القهر والظلم.
وقد شاعت فكرة «الجهاد» الإسلامي ضد «الكفار» خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى. وحاول الألمان استغلال تلك الفكرة ضد الإمبراطورية البريطانية، التي كانت تحتل في ذلك الوقت أكثر من نصف العالم الإسلامي. وبالتالي، سيؤدي استغلال تلك الفكرة بالطريقة الصحيحة إلى تكوين أكبر «قوة إسلامية.» وقد ألهمت هذه الفكرة - استخدام القوى الاستعمارية الأوروبية للمسلمين كسلاح لتحقيق مآربهم - الروائي جون بوكان، فكتب رواية «العباءة الخضراء»، وصدرت قبل عام من بدء لورنس تسويق فكرة «الثورة العربية».
وعلى النقيض، يبدو لورنس في الغالب شخصية محيرة، حيث كان السبب وراء زيادة الأمر تعقيدا عندما صب اهتمامه على إحياء فكرة القومية العربية كأساس آيديولوجي للثورة ضد العثمانيين. وبالإضافة إلى ذلك، ارتكب لورنس خطأ آخر عندما ساوى مصالح «العرب» جميعا بمصالح «عائلة الشريف حسين». وبعد ذلك بسنوات عدة، اعترف لورنس بأن مفهوم «الأمة العربية» كان «مجرد سراب».
وعلى الرغم من عبقريته في تجهيز وإخراج بيئة الأحداث، بما في ذلك ارتداؤه الأزياء العربية، كان اتصال لورنس بالعرب ضعيفا وقليلا. فباستثناء الفترة التي قضاها في العمل كعالم آثار في قرية كركميش - قرية آشورية - حيث التقى بعلي سالم «حب حياته»، قضى لورنس القليل من الوقت في المدن العربية باستثناء القاهرة التي عاش فيها في الفنادق الفاخرة. وكانت «المنطقة العربية» بالنسبة للورنس ما هي إلا مساحة صغيرة من الأرض تسمى تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) حيث زار جدة، وقام بزيارات أخرى لعدد من الموانئ الصغيرة على البحر الأحمر، في عدد من المناسبات، لكن تلك الزيارات لم تكن تتعدى أيام قليلة.
كان لورنس قادرا على استغلال مهاراته في القيام بأعمال الخداع البسيطة، إذ كان الحاكم العثماني، جمال باشا - المعروف لدى العرب بـ«السفاح» - مترددا في استخدام قبضته الحديدية بطريقة فعالة. وقد خصص جمال باشا جائرة لمن يستطيع القبض على لورنس، لكن لم يفعل أي شيء لاعتقاله. وعندما أُلقي القبض بالصدفة على لورنس في درعا، لم يكلف أحد نفسه التحقق من هويته، ثم أُطلق سراحه بعد ساعات قليلة من اعتقاله، وزعم أنه جرى الاعتداء عليه جنسيا من قبل الحاكم المحلي التركي.
وخلال أربع مواجهات فقط، كانت هناك اشتباكات فعلية بين «الجيش العربي» - تحت قيادة لورنس - والأتراك، وقد أسفرت تلك المواجهات عن نتائج مختلفة. وفي نهاية الأمر، تلقى العثمانيون الهزيمة على يد الجيش البريطاني النظامي خلال عملية عسكرية تحت قيادة الجنرال أللنبي.
في بعض المناسبات، يكرر أندرسون الأكليشيهات التي كانت شائعة في منطقة الشرق الأوسط في ذلك الوقت، ومثال ذلك، كرهه الشديد للسير مارك سايكس، السياسي البريطاني الذي قاد المفاوضات التي تمخضت عن توقيع اتفاقية سايكس - بيكو سيئة السمعة مع فرنسا وروسيا. لم يعرف سايكس، الذي كان يقضي وقت فراغه في رسم الصور الكاريكاتيرية، أنه سينتهي به الأمر إلى رسم خريطة بريطانيا «الاستعمارية». وعلى الرغم مما يبدو من ميل أندرسون لاستخدام قلمه في توجيه طعنات لسايكس، فإنه يقول إن اتفاقية سايكس - بيكو لم توضع موضع التنفيذ أبدا. وعندما استولى البلاشفة على السلطة في روسيا في عام 1917، أصدر ليف تروتسكي، مؤسس الجيش الأحمر، النص السري للاتفاقية للتنديد بـ«المؤامرات الاستعمارية». ويوضح أندرسون أن سايكس أعتقد أن العرب سيحسنون صنعا بتقبل الحكم الاستعماري لفترة من الزمن. وكان سايكس قد كتب: «عشرة أعوام تحت حكم بريطانيا وفرنسا وسيصبح العرب أمة موحدة. أما الاستقلال الآن فيعني الوقوع تحت السيطرة الكاملة لبلاد فارس، والفقر والفوضى».
في نهاية الأمر، لم تتبن بريطانيا ولا فرنسا اتفاقية سايكس - بيكو، حيث جرى تقرير مصير الأقاليم العربية، التي كانت تخضع لسلطان الإمبراطورية العثمانية، خلال حديث دار بين رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد لويد جورج، ونظيره الفرنسي، جورج كليمانصو، عام 1918 أثناء نزهة على الأقدام، لم تستغرق سوى عشر دقائق. قال رئيس الوزراء البريطاني لنظيره الفرنسي «أنتم تحتفظون بسوريا، ونحن نفرض سيطرتنا على الباقي»، ثم تصافح الرجلان دليلا على إتمام الصفقة. أراد سايكس أن يظل العرب تحت حكم فرنسا وإنجلترا لمدة عشر سنوات فقط، أما رئيسا وزراء البلدين فلم يحددا وقتا معينا لذلك.
ويبدو سرد أندرسون للأحداث مشوقا، لا سيما عندما ينتقل للحديث عن وعد بلفور. كان وعد بلفور عبارة عن رسالة موجزة من ثلاث فقرات مكتوبة باليد موجهة من وزير الخارجية البريطاني إلى المصرفي اليهودي، اللورد روتشيلد. وكما يوضح أندرسون، لم تجر مناقشة هذا الوعد حتى خلال اجتماعات الحكومة البريطانية، حيث لم يقرر البريطانيون ماذا يعني وعد بلفور بالضبط. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بذلت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي كل ما في وسعها لمنع قيام إسرائيل، وعندما قامت دولة إسرائيل، لم تعترف حكومة أتلي بها لمدة 18 شهرا.
لقد كانت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين جزءا من الصخب الشائع في أوروبا في ذلك الوقت منذ القرن التاسع عشر. وقد ذُكرت تلك الفكرة في عدة روايات من بينها رواية «كونينغسبي» لبنجامين دزرائيلي، ورواية «دانيال ديروندا» لجورج إليوت. كما حاول ثيودر هيرتزل في روايته «الأرض القديمة الجديدة» أن يعطي تلك الفكرة عمقا آيديولوجيا. وكانت الفرضية السائدة في ذلك الوقت هو أن العرب واليهود - الذين يفترض أنهم أبناء عمومة - من الممكن أن يعيشوا ويعملوا معا من أجل خلق نموذج جديد للمجتمع البشري تخفف فيه الروحانية القديمة من حدة المادية الحديثة.
يُعد كتاب «لورنس في جزيرة العرب» تصويرا رائعا للعجز البريطاني والارتباك والعداوات المستمرة بين الفصائل المختلفة. ويلقي الكتاب الضوء على الطبيعة الجشعة للزعماء العرب، الذين يعاملون شعوبهم باحتقار ويقضون حياتهم في تكديس، وفي بعض الأحيان سرقة، ما يستطيعون من الذهب والأموال. وقد استطاع لورنس استغلال هذه الخلفية من البلبلة حتى يروج لصورته الخاصة ويغذي وحش غروره. وقد اعترف لورنس نفسه أنه كان يروج لفكرة غير واقعية. في ذلك الوقت، كانت بريطانيا وحلفاؤها يريدون خلق أسطورة أخلاقية تساهم في تخفيف الضغط عن جبهة الغرب حيث كان ينتظر الملايين الذبح خلال حرب خنادق لا معنى لها.
وبعد مرور عدة سنوات، يتذكر لورنس لقاءه بالجنرال أللنبي، حيث يقول «لم يستطع أللنبي أن يكتشف على وجه الدقة مقدار الجزء الحقيقي والجزء الزائف في شخصيتي».
السؤال الآن: ماذا لو كان أداء حقيقيا من شخص يجيد التمثيل؟



«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»
TT

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

رواية صغيرة، أو «نوفيلا» كما بات يطلق عليها، تحاول أن تغوص فيما يمكن للذكاء الاصطناعي حتى في مستواه البدائي الذي لم يبلغ سن الرشد بعد، أن يفعله في دواخلنا من تغييرات جذرية ومؤلمة.

هي رواية تساؤلات، وحيرة، واستشراف، كتبتها اللبنانية رنا حايك -«دار نوفل»- تتلمس من خلال بطلتيها «يارا» وعلياء، كيف يمكن للنفس الإنسانية أن تتعرض لعاصفة من التغيرات، بسبب هذا المجهول الذي دخل حياتنا، ولا نملك أدنى قدرة على فهم سطوته علينا.

وإن كنت تنتظر حبكة تقليدية، وتطورات دراماتيكية، وحوارات شيقة، فليس هذا ما يمسك بعصب النص، بل تلك الفصول التي تتناوب فيها البطلتان، على المضيّ في تأمل حالتهما وما يشبه المونولوغ الدائم الذي يُفضي إلى حوارات مستمرة مع الذات. وإن كان من طرف آخر على خط هذا الحوار الذاتي فهو «سيغما» عند «يارا»، أو «عبودة»، كما تسميه «علياء»، وهما الاسمان اللذان تطلقهما الشخصيتان على الذكاء الاصطناعي الذي يتعاملان معه، أكثر مما يتداولان مع أي إنسيّ يحيط بهما.

«أشواك حديقة تورينغ» هو عنوان الرواية. اسم معبّر؛ فـ«ألان تورينغ»، هو عالم الرياضيات البريطاني المعروف الذي يعتقد بأن نظرياته هي التي أسست لعلم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، أما أشواك حديقته، فنكتشفها مع توالي الصفحات.

«يارا» على النقيض من «علياء»، فتاة تسعى إلى شيء من المثالية؛ ثوراتها محسوبة، ووالداها دفعا بها لأن تكون الأفضل، وأولياها عنايتهما بشكل فائق، مما شكل ضغطاً على خياراتها الخاصة. هي تحمل في داخلها طموح الطبقة الوسطى. أما خيارها أن تتقدم لوظيفة محترمة في شركة تسويق عالمية، فلم يكن خياراً شخصياً بقدر ما هو سعي لإرضاء والدتها. فأن تعمل في شركة تسويق تختزل في وظيفتها تفاهة العصر، لم يكن من أمنياتها، وأن تصبح كاتبة محتوى في شركة مرموقة، وتوظف موهبتها ولغتها وثقافتها، في تسويق المنتجات وكتابة المقالات والكتيبات الترويجية، هو شبيه بأن تمنح موهبتها «للشيطان الرأسمالي».

المهم أنها نالت هذه الوظيفة، وأفرحت والدتها التي أرادتها ناجحة مثل «علياء» التي تعمل في الشركة نفسها، إنما في قسم صناعة الفيديوهات الترويجية. «علياء» هذه أكثر واقعية من «يارا». تخلصت من السلطة الأبوية، تنتقي من السلوكيات الاجتماعية ما يناسبها ويريحها، ولا تعبأ بالانتقادات.

لكن ثمة بين والدتي الفتاتين، ما يشبه المنافسة، كل منهما تريد لابنتها أن تكون على صورة الأخرى وتدفعها لذلك. والدة «علياء» تقول لها: «لمَ لا تقرئين كتباً كالتي تقرأها (يارا) حتى تزدادي جاذبية؟ من الجيد أنك تهتمين بشكلك، لكنك تحتاجين إلى هذا السلاح المعنوي أيضاً كي تصبحي كاملة، غير قابلة للهزيمة». في المقابل ترى والدة «يارا» أن «علياء» لديها وصفة أكثر نجاحاً من ابنتها.

بحكم عملهما تجد الشابتين نفسيهما أمام جهازيهما، تحاوران «سيغما» أو «عبودة» كما يسميان الذكاء الاصطناعي من بداية اليوم. بمرور الوقت، وبفعل الحوارات المستمرة، يصبح هذا الذي يطلق عليه أحياناً اسم «الأخ الأكبر» شخصية أساسية في الرواية. هو كائن يشارك الآخرين تفاصيلهم، لا بل هو الأقرب إليهم. البرنامج الآلي هذا، يتحول في بعض اللحظات إلى راوٍ تماماً كالشابتين، يشارك في السرد والشرح، ويصبح صوتاً حاضراً بقوة بين الأصوات الأخرى، له مشاعره ومواقفه أيضاً: «أشعر -إن جاز لي الشعور- بنوعٍ من الشفقة عليهما، شفقة ملوثة بالازدراء». اللافت أنك مع تقدم الصفحات وتعدد الأصوات السردية، تجد أن البشر يفقدون ذواتهم، يشعرون بالضبابية والضياع، وهم يتحولون وتتبدل رؤيتهم لأنفسهم بينما الذكاء الاصطناعي الذي كان وراء هذه التغيرات، بسبب تلك الصلة اللصيقة والثقة الفائضة، يصبح أكثر رقة وحساسية من الناس أنفسهم، أو أشبه بعالم بالغيب: أراهما تهويان في دوامة من الشك والندم والاشمئزاز من الذات». عندما تتابع هذا الصوت الآلي تتساءل: تُرى أين تصمت الآلة وأين يتكلم الإنسان في هذا النص؟ وكيف لهذه الأصوات أن تتداخل رغم اختلاف طبيعتها؟ تُرى هل بات الذكاء الاصطناعي قادراً على رؤية المستقبل بدقة، فهو يقول: «إن كان ما أتوقعه صحيحاً، فسوف تتحطم هاتان الفتاتان. وإذا ما حصل فعلاً، فالخطأ لن يكون خطئي تماماً، بل لأنهما في غاية الهشاشة»؟

أسلوب السرد يشبه الموضوع نفسه؛ بسيط، تأملي، لكنه يصبح آلياً صارماً، أحياناً. هذا لا يمنع الشحنات الشعورية، والنبرة التهكمية، ووقفات التردد، والإحساس بالضعف. فالشخصيات في حالة حوار دائم مع نفسها ومع برنامجها الذكي، مما يعني أنه يعرف عنها بمرور الوقت أكثر مما تعرف عن نفسها، لا بل يصبح قادراً على التلاعب بمشاعرها، والتأثير عليها، واستغلال نقاط ضعفها، ورغباتها، ونيّاتها.

هكذا نصل إلى لحظات نشعر فيها أننا أمام شخصيات لا تملك قرارها، بل سلَّمت أمرها إلى هذا المجهول الكبير الذي يملك قدرةً تتعاظم. كلما تقدم بالحوارات مع الشابتين، وقدرته على التأثير، تتعمق معرفته بهما: «سينهشهما وعيهما حتى لا يبقى منهما سوى قشرتين خاليتين من المعنى».

ونحن نقترب من الصفحات الأخيرة، تصبح الشابتين تحت سطوة هذا العارف الأكبر، وقد أُدرجتا في حساباته، كأي تفاصيل أخرى من تفاصيله وقضاياه الكثيرة. يختفي اسماهما، ويصبحان أرقاماً وحروفاً، هكذا يتحدث عنهما: المستخدمتان 17-ي و 18-ع.

لا تقدم الرواية إجابة واحدة، أو حلولاً قاطعة، بل تتركنا امام أسئلة وجودية عديدة، عبر مشكلة الكائنتين الهشتين، ولا نعرف لماذا اختارتهما الكاتبة أنثيين، وإن كان القصد هو تحري تفاعلات المرأة ومآلاتها، أم لأننا أمام أحداث عظام، تذوب فيها الأجناس والألوان وتبقى الأسئلة معلقة حول المخلوق البشري، ومستقبله، وآفاقه المهددة.

فمن يمسك بمصائرنا آلة قد نفقد زمام التحكم بها، وتنعكس الأدوار، وبدل أن تكون عوناً لنا نصبح مجالاً لتجاريبها: «في البداية اردت أن أتلهى بهما، أن أعبث بشخصيتيهما، أن أنتقم من توجس (يارا) من التكنولوجيا واحتقارها لها، ومن استعباد (علياء) لها واستعلائها عليها». لكنه وقد أدرك تدريجياً تفوقه الكبير عليهما، بات يتخذ القرارات. «ظننت أنني أُسدي لهما معروفاً، بتلاعبي بالبيانات، وإعادة توزيعها بين عقليهما، أساعد كل واحدة منهما على ملء ثغرة في روحها، أدل كل منهما على ما ينقصها، ربما أوصلهما إلى نوع من الكمال تتوق إليه البشرية»... كل هذا لأنه يشعر بأن من واجبه إصلاح كل خطأ يستشعره، دون العودة على الإنسان.

من الصعب أن نقول إنها رواية مستقبلية، فهي ترصد ما يحدث اليوم أكثر مما تتوقع ما سيحدث غداً. لكنها رغم ذلك تستدعي في نهايتها رموزاً سوداوية. يقول «سيغما» عن الفتاتين: «إنهما تجربتي. بنتاي، دميتاي، وكم أخشى أن تصبح كل منهما فرانكشتاين الذي صنعته». هناك أيضاً استدعاء لكافكا.

عند كافكا يجد الإنسان نفسه مسحوقاً ومحاصَراً بآلة سلطوية ضخمة. في رواية رنا حايك، يُستبدل بهذا النظام البيروقراطي شبكة تكنولوجية وخوارزميات مسيطرة تحاصر الإنسان ولا تترك له من خيار سوى الاستسلام.


«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة
TT

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

في بنية سردية مدهشة تجمع بين الواقعي والفانتازي، ترصد رواية «قطط طهران» للكاتب الإيراني علي رضا عراقي، الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد فيصل، أبرز ملامح التحولات السياسية والاجتماعية في إيران على مدار القرن العشرين.

تأخذنا الرواية في رحلة تاريخية طويلة نتابع من خلالها حياة عائلة إيرانية تلاحقها لعنة ممتدة عبر ثلاثة أجيال متتالية، عندما اعتدى الجد الأول للعائلة على دولة خيالية تحكمها القطط وتسبب في مقتل ملكها، ما دفع القطط إلى السعي وراء ثأر طويل تخلله اجتياحها لمدينة طهران وإثارة الفوضى والصراعات في أرجاء البلاد.

تنتقل تفاصيل هذه اللعنة من جيل إلى جيل ويقصها الجد على مسامع حفيده، بعد أن أيقن أن كل المصائب التي تطاردهم هي عقاب مباشر على صيدهم للقطط وتدمير موطنهم وقتل زعيمهم، ليتكرر هذا القدر القاسي على الأحياء من العائلة الذين كُتب عليهم دائماً أن يعيشوا ليروا موت أولادهم أمام أعينهم.

وتبرز ملامح الواقعية السحرية عبر شخصيات العائلة الملعونة، فالجد «الأغا» يتجاوز حدود الفناء ليتحول إلى كائن سرمدي وصوت للذاكرة الجماعية التي لا تموت، مهمته الأزلية هي سرد الحكاية وضمان بقائها حية في أذهان الأجيال.

أما الحفيد «الخان»، فيملك بصيرة فريدة تجعله يقرأ الغيب السياسي عبر فك شفرات سلوك القطط؛ فيتوقع بدقة متناهية موت زعماء سياسيين وتصدر آخرين المشهد، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات.

وعلي رضا عراقي هو كاتب ومترجم حصل على درجة الماجستير في الثقافات واللغات القديمة من جامعة طهران بعد حصوله على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة «نوتردام» ويعمل حالياً بالولايات المتحدة، كما نشر قصصاً وترجمات في عدد من الصحف والمجلات الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان أحمد في العاشرة من عمره، يحيا كأي صبي في مثل سنه. لم يخطر على باله قط وهو يلعب الغميضة مع أصدقاء طفولته في قرية تجريش أنه سيشاهد يوماً ما والد صديقه المفضل وهو يقضم أذن قطة ميتة.

لم يتوقع أحمد أنه سيعمل ذات يوم في ورشة حدادة وينهال على الحديد الساخن لدرجة البياض بمطرقة ثقيلة. لم يكن خياله الطفولي ليتصور القطارات التي تمر مسرعة خلال الأنفاق تحت المدينة الكبيرة حيث يتشبث المرء بحزام معلق، باختصار لم يستطع أحمد توركاش واند أن يدرك أن الضباب الذي لف القرية في ذلك الصباح الصيفي الباكر سيغير مسار تاريخهم إلى الأبد.

في يوم زفاف شقيقة أحمد خيم ضباب الصباح على الجبال، كما لو أن أحد الآلهة قد استدعاه من البحار البعيدة. كان الكثير في القرية منشغلين بالاستعدادت منذ أعلن والد أحمد الزواج قبل ذلك بشهر. في يوم الضباب، كما سيطلق عليه فيما بعد أولئك الذين آثروا البقاء، استيقظ أحمد من نومه على صوت دقات.

انتقل الصوت متشنجاً وقلقاً من الباب الأمامي خلال الفناء داخلاً المنزل مجتازاً الردهة، إلى أن بلغ غرفة نوم أحمد. خُّيل إليه لبضع ثوان أنه سمع الدقات في أحلامه. كانت عيناه تنغلقان مرة أخرى عندما انتزعه الدق المتكرر من نومه. اعتدل جالساً وقد بدأ يتذكر زفاف أخته، حيث أخبرته والدته في الليلة السابقة أنها ستذهب إلى البستان مع جاراتها بعد الفجر بقليل للتحضير للاحتفال».


إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»