فلسطين.. الخيار الأخير

بعد أحداث الأقصى.. أوساط واسعة في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني لم تعد تثق بحل الدولتين ولا حتى الدولة الواحدة

فلسطين.. الخيار الأخير
TT

فلسطين.. الخيار الأخير

فلسطين.. الخيار الأخير

منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، في سنة 2009، دلت استطلاعات الرأي التي أجريت في صفوف الإسرائيليين والفلسطينيين على معادلة ثابتة، مفادها أن الغالبية الساحقة جدا تؤيد حل «الدولتين للشعبين» لتسوية الصراع بينهما، لكن غالبية أكبر منها لا تؤمن بأن هذا الحل واقعي. ولكن، في السنة الأخيرة، وحتى قبل انفجار الهبة الشعبية الفلسطينية الأخيرة، بدأت نتائج الاستطلاعات تتغير وتدل على بداية موجة يأس من حل الدولتين. وترى أن الأمور تسير في اتجاه معاكس، وأن هذا الحل قد مات. وأن البديل عنه واحد من اثنين: إما بقاء الوضع الحالي وإما التوجه إلى حل الدولة الواحدة، البعض يراها دولة ديمقراطية تسود فيها حقوق متساوية للعرب وبعضهم يرى أن العرب فيها سيعيشون مواطنين من الدرجة الثانية.

ففي آخر استطلاع مشترك، أجراه معهد ترومان الإسرائيلي للبحوث في الجامعة العبرية في القدس الغربية والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله (PSR)، ونشر في 15 يونيو (حزيران) 2014، جاء أنه رغم توقف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية فإن 62 في المائة من الإسرائيليين و54 في المائة من الفلسطينيين يؤيدون حل الدولتين. ولكن 68 في المائة من الإسرائيليين و72 في المائة من الفلسطينيين لا يؤمنون بأن هذا الحل ممكن. وفي آخر استطلاع فلسطيني أجراه المركز المذكور، ونشر في شهر سبتمبر (أيلول) 2015، جاء أن 48 في المائة فقط من الفلسطينيين باتوا يؤيدون حل الدولتين و51 في المائة يعارضونه. وقال 57 في المائة من الفلسطينيين إنهم يؤيدون العودة لانتفاضة مسلحة.
وكما هو متوقع، فإن الثقة بين الطرفين بلغت الحضيض، حيث إن 57 في المائة من الفلسطينيين يخشون من الأطماع الإسرائيلية للسيطرة على كامل التراب الفلسطيني وترحيل الفلسطينيين منها أو وضعهم تحت سياسة أبرتهايد. وقال 37 في المائة من الإسرائيليين إنهم يخشون من أطماع الفلسطينيين الذين يريدون دولة في حدود 1967 كمقدمة لدولة واحدة والقضاء على اليهود، وقال 17 في المائة من الإسرائيليين إنهم واثقون من أن الفلسطينيين يريدون تدمير إسرائيل.
ولكن، مع ذلك، قال 63 في المائة من الإسرائيليين و69 في المائة من الفلسطينيين إنهم يعارضون التسوية على أساس دولة واحدة للشعبين ويرون أن الحل الأفضل هو دولتان للشعبين على أساس حدود 1967 مع تبادل أراض.
وفي آخر استطلاع إسرائيلي، أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وسينشره في الأيام القريبة، جاء أن 46 في المائة من اليهود و57 في المائة من العرب يعتقدون أن حل الدولتين قد مات.
فكيف يفكر السياسيون والخبراء في هذا الموضوع؟ وهل هم أيضا يعتقدون أن حل الدولتين قد مات، وما هي الحلول البديلة عندهم؟

القرار بيد نتنياهو
في السادس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، عرض نتنياهو أمام لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، توقعات متفائلة بشأن فرص التقدم السياسي مع الفلسطينيين. وقال: «أنا لا أريد دولة ثنائية القومية، بل أريد حل الدولتين، ولكن في المستوى المنظور في هذا الوقت، يجب السيطرة على كل الأرض». وحسب ما قاله بعض النواب الذين شاركوا في الجلسة فقد لمح نتنياهو إلى النقاش حول الذكرى العشرين لقتل رابين، وقال: «تجري هذه الأيام مقولات حول ما كان سيحدث لو بقي هنا شخص كهذا أو ذاك (رابين). لكن هذا ليس ذا صلة. توجد هنا تيارات دينية وإسلامية لا ترتبط بنا». وتوجه نتنياهو إلى نواب المعارضة وقال: «أنتم تعتقدون أنه توجد عصا سحرية ولكنني أرفض ذلك. يسألونني إذا كنا سنعيش إلى الأبد على حافة السيف - الجواب هو نعم». وتوجه النائب بتسلئيل سموطريتش (البيت اليهودي) إلى نتنياهو سائلا: «لماذا تتحدث أصلا مع أبو مازن؟ لماذا نضحك هكذا على كل العالم؟»، وأضاف زميله في القائمة يانون مغال: «لن تقوم دولة فلسطينية، يجب قول هذا بوضوح». ورد نتنياهو عليهما قائلا: «نحن لا نتحدث مع بن لادن وداعش، ولكنني سأتحدث مع من لا يدعو إلى إبادتنا». وأضاف نتنياهو أنه خلافا لما يقوله الكثير من رفاقه في اليمين، فإنه مستعد لتقسيم البلاد. ولكن المشكلة هي أن الجانب الثاني ليس مستعدا لذلك. وحسب رأيه فإن «نصف الفلسطينيين يخضعون لسيطرة الإسلام المتطرف الذي يريد إبادتنا. ولو جرت الانتخابات لديهم غدا فإن حماس ستنتصر».
بكلمات أخرى، قال نتنياهو إن تسوية الصراع تتم بحل الدولتين، ولكن هذا الحل بعيد عن التطبيق وإنه ما دامت توجد قوى إسلامية مسيطرة في المنطقة وليس فقط عند الفلسطينيين، فإنه لن يتقدم نحو هذا الحل. وحتى لو تقدم، فإنه يعد الإسرائيليين بأنهم سيعيشون إلى الأبد على الحراب.
صحيفة «هآرتس»، التي تقود المعارضة الإسرائيلية الجادة لسياسية نتنياهو، فسرت أقواله على النحو التالي: نتنياهو يتمسك بهذا الخط طوال فترة حكمه: موافقة كلامية على تقسيم البلاد، تميزه عن اليمين المتطرف وقادة المستوطنين، إلى جانب سياسة عملية تحبط إمكانية تحقيق هذا التقسيم. لقد رفض نتنياهو بشكل متواصل الحديث مع الفلسطينيين عن الحدود المستقبلية، وطالبهم بالاعتراف بالدولة اليهودية، وطور ووسع المستوطنات في الضفة الغربية، وعرض الرئيس الفلسطيني محمود عباس كمحرض وعدو. في الحياة الحقيقية، خارج خطاباته يبدي نتنياهو استعداده لإجراء محادثات واهية مع الفلسطينيين، أو «خطوات لتقليص الاحتكاك»، دون أن يتخلى عن السيطرة على الأرض. في تصريحه هذا الأسبوع، اعترف نتنياهو بالسيطرة الإسرائيلية المطلقة على كافة المناطق وأزال القناع المزدوج «للسيطرة الحربية المؤقتة» - الذي تعرضه الدولة منذ عشرات السنوات في المحكمة العليا - ولقيام السلطة الفلسطينية كمتمتعة ظاهرا بالحكم الذاتي وتدير شؤون السكان كما تدعي الدعاية الإسرائيلية. يمكن التوصل إلى استنتاج واحد فقط من معارضة نتنياهو للدولة الثنائية القومية: طالما تواصلت «سيطرة إسرائيل على الأرض» سيبقى ملايين الفلسطينيين في المناطق في مكانة متدنية كرعايا يفتقدون إلى حقوق المواطنة التي يتمتع بها دون أي عائق جيرانهم اليهود في المستوطنات. هناك اسم للنظام الذي وصفه رئيس الحكومة في رؤيته وهو «الأبرتهايد». تصريحات نتنياهو يجب أن تزعزع من يقلقون على مصداقية إسرائيل ومستقبلها - وأن توحدهم في جبهة إنقاذ قومي تعمل على استبدال السلطة» («هآرتس» - 29 أكتوبر - 2015).
المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، د. ألون لئيل، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الطريق الذي يقوده نتنياهو يدل على نوايا خبيثة من جهة وعلى رسم طريق التدهور نحو جهنم من جهة ثانية. فهو يدفع ضريبة شفاه للمجتمع الدولي كي لا يتعرض للضغوط فيقول إنه يريد حل الدولتين. ولكنه، في الحقيقة يخاف من ضغط المستوطنين أكثر. فهؤلاء منحوه أصواتهم في الانتخابات الأخيرة. عشرات الألوف منهم تركوا الحزب الذي يمثلهم مباشرة (/البيت اليهودي/، برئاسة نفتالي بنيت)، ومنحوا أصواتهم مباشرة لليكود، وبهذه الطريقة فقط نجح نتنياهو في دورة إضافية في الحكم. إلا أنه بهذه الطريقة، يقود البلاد - شاء أم أبى - إلى حل الدولة الواحدة. وليس صدفة أن هناك قوى في اليمين، ولا أقول في اليمين المتطرف فحسب، بل أيضا في اليمين التقليدي، يوجد تيار قوي ويزداد قوة، يرى اليوم أن حل الدولة الواحدة هو الحل الأفضل للصراع. ومع أن في هذا التيار يوجد من يتحدث عن دولة ديمقراطية تتسم بالمساواة، إلا أن اليمين المتطرف يتحدث عن دولة أبرتهايد يكون فيها الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية، شركاء في التعايش ولكن ليس في الحكم».
أحد أبرز المنادين بحل الدولة الواحدة يعتبر الأب الروحي لنتنياهو، إذ كان أول من فتح الباب أمام الشاب (نتنياهو) لأن يدخل المعترك الحزبي ويدخل إلى عالم القيادة السياسية. إنه موشيه أرنس، الذي شغل منصب وزير الدفاع في الماضي. وأرنس كان قد عرض موقفه هذا بالتفصيل في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، فدعا إلى إحداث انعطاف في المفاوضات مع الفلسطينيين وهدم الجدار العازل بين إسرائيل والضفة الغربية، والتفاوض على دولة واحدة للشعبين، وعدم الخوف من إقامة دولة واحدة يعيش فيها اليهود والفلسطينيون معا. ولقيت دعوة أرنس، دعما من اليمين المتطرف في إسرائيل والمستوطنات. وقال أرنس، مفسرا دعوته: «في فترة موجة العمليات الكبيرة (يقصد عمليات التفجير في القدس وتل أبيب وغيرهما من المدن الإسرائيلية، التي نفذها فلسطينيون قدموا من الضفة الغربية)، اقتنع الجهاز السياسي بضرورة بناء جدار أمن من دون مبرر حقيقي. فقد كانت هناك حالة من الهستيريا في حينه، بعدما أصبحت تنفذ عملية كل يوم تقريبا، وأحيانا عمليتان. وفي ذلك الوقت خرج جهاز الأمن العام (الشاباك) ليستنتج، أنه من دون جدار لا يمكن وقف الإرهاب. وعندما تقول المخابرات هذا، أنت تقتنع فورا. والصحيح أنني اقتنعت أنا بذلك أيضا، ولكن من الواضح اليوم، أنه لا توجد علاقة بين الجدار وصد العمليات».
وأضاف أرنس: «من الواضح اليوم أن مساهمة الجدار في وقف العمليات تقترب من الصفر. فهو لا يوفر الأمن، وإنما يسبب أضرارا لصورة إسرائيل في العالم، ويصعب الحياة اليومية للفلسطينيين، بحيث لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم القائمة غرب الجدار». وأضاف: «أنا لا أريد أن يتحول الجدار مع الأيام إلى خط حدود سياسي». فهو لا يوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومستعد لأن تكون هناك دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين، شرط ألا تشمل قطاع غزة. وقال إنه مستعد لأن تكون هذه الدولة ديمقراطية تماما يشارك فيها الفلسطينيون في التصويت للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، إذا كانوا يقبلون بأن تكون دولة الشعب اليهودي. وقال أرنس: «لا تبدو المفاوضات مع الرئيس محمود عباس مجدية، والرئيس أوباما بالتأكيد يفكر بطريقة أخرى، وعباس يكاد لا يتحدث باسم نصف الفلسطينيين. ولو كان الأردن على استعداد لاستيعاب أراض وسكان آخرين لكان ذلك أسهل، ولكن الأردن لا يوافق، ولذلك يمكن التوجه نحو إمكانية أخرى، وهي أن يسري القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، وأن يتم منح المواطنة الإسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني. أنا أدرك أن هناك من يخشى لدينا من أن تتحول إسرائيل إلى دولة (ثنائية القومية). أنا لا أخشى ذلك. إن إسرائيل باتت ثنائية القومية، وفيها اليوم 20 في المائة أقليات. فما المشكلة؟ نحن نتحدث عن دولة واحدة ديمقراطية، لا دولة أبرتهايد، بل دولة سيادة يهودية في واقع مركب، تكون ديمقراطية بلا احتلال وبلا حواجز، يستطيع اليهودي فيها أن يعيش في الخليل ويصلي في الحرم الإبراهيمي، كما يستطيع أن يكون الفلسطيني ابن رام الله سفيرا أو وزيرا وأن يعيش في تل أبيب أو يلعق البوظة على شاطئها».
ويحظى موقف أرنس بدعم من عدة شخصيات يمينية متطرفة، لدوافع مماثلة أو مختلفة، مثل عضو الكنيست يوني شطبون من حزب «البيت اليهودي»، الذي يقول إن «الجدار يرفع من حافزية الفلسطينيين لتنفيذ عمليات إرهابية، لكونه يبث رسالة ضعف وهزيمة ودفاع، ومثل هذه الرسالة تستدعي الإرهاب والهجمات». ويضيف أن «الجدار ساعد فعلا في صد موجة العمليات التفجيرية على المدى القصير، ولكن الضرر على المدى البعيد يفوق الفائدة».
وكانت نائبة نتنياهو في وزارة الخارجية، تسيبي حوطبيلي، قد نظمت، قبل أربع سنوات، حملة في الكنيست تحت شعار «البديل لحل الدولتين»، وطالبت علانية ولمرتين، بمنح المواطنة للفلسطينيين بشكل تدريجي. ونشر أوري أليتسور المدير العام للمجلس الاستيطاني في الضفة الغربية ومدير مكتب نتنياهو في ولايته السابقة، مقالا قبل عام، دعا فيه إلى البدء بعملية يمنح الفلسطينيون في نهايتها بطاقة الهوية الزرقاء، ورقما أصفر (للمركبات) وتأمينا وطنيا، وحق تصويت في الكنيست. كما أن إميلي عمروسي الناطقة بلسان المجلس الاستيطاني سابقا تشارك في لقاءات تجمع مستوطنين مع فلسطينيين، وتتحدث صراحة عن «دولة واحدة يسافر فيها ابن المستوطن مع الطفل الفلسطيني في حافلة واحدة».
وحتى رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، كان قد صرح قبل فترة، بأنه يفضل منح المواطنة للفلسطينيين سكان الضفة الغربية على تقسيم البلاد. وهو أيضا معروف بمعارضته إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل ويعتبر حل الدولة أكبر تحد للشعب اليهودي ولا يرى مشكلة في الشراكة بين اليهود والفلسطينيين في دولة واحدة.
ولكن هذا الحل يعتبر كابوسا بالنسبة للغالبية الساحقة من المجتمع اليهودي. ففي اليسار والوسط واليمين يرفضون هذا الحل ويؤكدون أنه يدمر فكرة الصهيونية في جعل إسرائيل دولة يهودية ويبني دولة تبدأ بأكثرية يهودية صغيرة ثم تتحول إلى أكثرية عربية.
وأما الجمهور الإسرائيلي، فهو - وفقا لاستطلاع الرأي للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية - منقسم على نفسه بصورة حادة: 46 في المائة يقولون إن وضع إسرائيل سيكون أفضل إذا تم تقاسم البلاد وقامت دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لكن هناك نسبة عالية أيضا (36 في المائة) للذين يطالبون بضم المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل مع اعتبارها «دولة يهودية». وعندما سئلوا إن كانوا يؤيدون منح الفلسطينيين حقوقا متساوية لليهود في حال تم ضم الأراضي الفلسطينية، أجاب 66 في المائة بالرفض. وقال 87 في المائة إنه سيكون من الصعب على اليهود والعرب أن يعيشوا معا في دولة واحدة.
وسئلوا عن رأيهم في احتمالات تعرض إسرائيل إلى ضغوط دولية للقبول بحل الدولتين في حال استمرت الأوضاع كما هي اليوم، خصوصا أن الفلسطينيين يهددون بتسليم المفاتيح، فأجاب 73 في المائة بأن الفلسطينيين لن ينفذوا تهديدهم بتسليم المفاتيح وأجاب 48 في المائة بأنه لن يكون هناك تدخل دولي (41 في المائة قالوا إنهم يخشون من التدخل الدولي).

التدخل العسكري
إزاء هذه المعطيات، وعجز نتنياهو عن مواجهتها بخطوات جريئة تحدث الانعطاف المطلوب، يبرز موقف قيادة الجيش والمخابرات الإسرائيلية، المطالب بمبادرات سياسية. فقد حرص هؤلاء القادة على إبقاء موقفهم سريا واكتفوا بطرحه في المؤسسات الضيقة، كالمجلس الوزاري الأمني المصغر في الحكومة أو في اللجنة السرية للجنة الخارجية والأمن. ولكنهم في الآونة الأخيرة يحرصون على نشره على الملأ. ففي 23 أكتوبر ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» نقلا عن «مصادر عسكرية»، أن قادة الجيش والمخابرات أبلغوا رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن الهبة الفلسطينية الحالية لن تهدأ، حتى لو تم التوصل لاتفاق حول الأقصى، وأنه في غياب أفق سياسي واضح يحدث انعطافا في العلاقات بين الشعبين ستتحول هذه الهبة إلى انتفاضة واسعة. وقالت هذه المصادر إن الجيش الإسرائيلي بدأ يعد نفسه لوضع تستمر فيه الهبة الفلسطينية عدة شهور، مما يعتبره حرب استنزاف، مع أنه ليس معدا ليكون جيش قتال في حرب استنزاف.
وفي 28 أكتوبر، ألقى العقيد غاي غولدشطاين، نائب منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، محاضرة علنية في نتانيا أطلق فيها رسالة الجيش بشكل صريح فقال إنه «من دون حل سياسي لن تهدأ الموجة الحالية من التوتر مع الفلسطينيين. ربما تخف وطأتها، لكنها لن تتوقف». وعلى نقيض ما يقوله نتنياهو، ذكر غولدشطاين أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس: «لا ينتهج سياسة تحرض على العنف والإرهاب، بل على العكس، هو يحاول التهدئة أيضًا، لكن من دون مبادرة لحل سياسي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لن يستطيع أحد وقف الموجة الحالية، بل إننا سنظل على فوهة برميل بارود لا أحد يستطيع تقدير نتائج انفجاره».
ويرى المراقبون أن الجيش قرر إخراج صوته إلى الملأ لأنه يعتقد بأن مواصلة النهج الحالي للحكومة سوف يقضي على حل الدولتين ويعيد المنطقة إلى التفكير بدولة واحدة تكون دولة أبرتهايد ولا تكون دولة يهودية. وعندما يتحرك الجيش في إسرائيل، لا بد أن يحدث شيء في السياسة المحلية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.