الأوقاف المصرية تلاحق أئمة «النور» بتهمة الدعاية البرلمانية

حذرتهم من الاستمرار في دعم مرشحي الحزب.. وطالبتهم بإقرارات رسمية قبل انطلاق المرحلة الثانية

جامع محمد علي عند قلعة صلاح الدين في القاهرة (غيتي)
جامع محمد علي عند قلعة صلاح الدين في القاهرة (غيتي)
TT

الأوقاف المصرية تلاحق أئمة «النور» بتهمة الدعاية البرلمانية

جامع محمد علي عند قلعة صلاح الدين في القاهرة (غيتي)
جامع محمد علي عند قلعة صلاح الدين في القاهرة (غيتي)

كشفت تقارير رسمية مصرية عن أن أئمة تابعين لحزب النور «السلفي» استخدموا المساجد في الدعاية لمرشحيه خلال المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب في مصر، وهو أمر يجرمه القانون. وعلمت «الشرق الأوسط» أن «وزارة الأوقاف، وهي المسؤولة عن المساجد فتحت تحقيقات في الواقعة وحذرت الأئمة المتورطين من الاستمرار في دعم مرشحي الحزب.. وطالبتهم بتوقيع إقرارات رسمية موثقة بعدم دعم مرشحي الانتخابات قبل انطلاق المرحلة الثانية».
وكانت السلطات المصرية قد وضعت شروطا لاعتلاء المنابر، لكن حزب «النور» الممثل الوحيد لفصائل الإسلام السياسي داخل المشهد الرسمي في مصر حصل على استثناءات مكنت رموزه ومشايخ «الدعوة السلفية» من الاستمرار في اعتلاء المنابر، الأمر الذي أثار غضب الأوساط الحزبية وأجج دعوات لحل الحزب، باعتباره قائما على أساس ديني.
ومُني «النور» بخسارة غير متوقعة في الانتخابات التي جرت منتصف الشهر الماضي، وحصل فقط على 10 مقاعد بعد أن حصد 25 في المائة من مقاعد البرلمان السابق الذي استحوذ على أغلبيته جماعة الإخوان المسلمين.
وقال مسؤول حكومي مصري لـ«الشرق الأوسط»، إن الأوقاف أصدرت تعليمات للدعاة المنتمين لـ«الدعوة السلفية» وحزبها «النور» الحاصلين على تراخيص خطابة من الأوقاف، حذرتهم من – ما أسمته دعوة المصلين بالمساجد لـ«الاحتشاد أمام صناديق الاقتراع»، عقب تقارير رسمية وصلت الوزارة تؤكد قيام أئمة ودعاة «الدعوة السلفية» بتوجيه المصلين بالمساجد لانتخاب حزب «النور» خلال المرحلة الثانية من الانتخابات المصرية المقرر لها يوما 22 و23 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وتقول الأوقاف إنها ضمت جميع المساجد لها وعينت خطباء أزهريين بنظام المكافأة مشهود لهم بالفكر الوسطي، فضلا عن منحها تراخيص خطابه لدعاة «الدعوة السلفية»، لكن مراقبين أكدوا أنه «لا تزال هناك آلاف المساجد والزوايا الصغيرة في القاهرة والمحافظات يسيطر عليها متشددون ولا تعرف الوزارة عنها شيئا».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادرها بالأوقاف أن «التقارير التي أعدها مسؤولو التفتيش بالوزارة تؤكد وجود نية من قبل أئمة الدعوة السلفية لدعم مرشحي (النور) بقوة، وفي أعقاب استبعاد أكثر من 50 خطيبا وإماما حتى الآن تابعين للدعوة السلفية وإلغاء تصاريح خطابتهم قبل أيام». وتقول الأوقاف إنهم «ساندوا مرشحي (النور) خلال المرحلة الأولى من الانتخابات».
وقال المسؤول الحكومي إن «الأوقاف طالبت الأئمة بالتوقيع على إقرارات وخطابات بعدم الدعاية لـ(النور) وغيره من الأحزاب أو استخدام المساجد في دعاية المرشحين تكون مُوثقة بشكل رسمي في مصلحة الشهر العقاري»، مضيفا أن «هذه الإجراءات لوقف الخلط بين الدين والسياسة».
من جانبه، قال الشيخ محمد عبد الرازق رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف لـ«الشرق الأوسط»، إن «استبعاد الأئمة لمساندتهم مرشحي (النور) في الدعاية الانتخابية في الإسكندرية والبحيرة واستخدام المساجد في تلك الدعاية، سواء بالسماح للمرشحين بارتقاء المنابر أو بإلقاء المرشحين دروسا دينية وخطبا بالمساجد».
وسبق أن حثت محكمة مصرية لجنة شؤون الأحزاب بإعادة النظر في برامج الأحزاب التي أسست على خلفية دينية، ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت اللجنة التي تختص بالقضايا المتعلقة بشؤون الأحزاب، قد طرحت برنامج حزب (النور) للمراجعة أم لا، لكن نشطاء مصريين دشنوا حملة شعبية أطلقوا عليها «لا للأحزاب الدينية»، لحل «النور» ومعه 9 أحزاب أخرى قائمة على أساس ديني. وأضاف الشيخ عبد الرازق أن «الأوقاف ما زالت تحذر من المخادعة باسم الدين واستخدام الدين في العملية الانتخابية وتوظيفه للمصالح الحزبية أو الخاصة». وتحاول الدولة المصرية منع استخدام دور العبادة في أي صراع سياسي في البلاد خلال الانتخابات البرلمانية، بعدما خاضت حروبا شرسة مع الدعاة المتشددين الذين استغلوا المساجد في الدعوة للعنف ضد السلطة الحالية عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن السلطة في يوليو (تموز) عام 2013. ويتوعد وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة «بإجراءات مشددة ضد من يستغل المنابر في الدعاية سواء من قبل المرشحين أو المسؤولين عن المسجد من الأئمة والدعاة والعمال، قد تصل لحد الفصل وتحويلهم للجهات القضائية».
من جانبها، تقول مصادر مصرية إن إعادة مشايخ «الدعوة السلفية» للمنابر من جديد بعد منعهم من قبل وزارة الأوقاف تحتاج لتقويم جاد، واستخدامهم للمساجد في الدعاية الانتخابية يؤكد أن «الدعوة السلفية» لا تفصل بين الدين والسياسة.
ومنعت الأوقاف تصاريح الخطابة عن «السلفيين» عقب قانون رئاسي من الرئيس السابق المستشار عدلي منصور يجرم من يعتلى المنابر من غير الأزهريين وصلت للحبس والغرامة المالية. وخاضت الأوقاف حروبا مع التيار السلفي وصلت لساحة القضاء، ويقول مراقبون إن «الأزهر توسط لدى الأوقاف وأعاد قيادات (النور) و(الدعوة السلفية) للمنابر، وفي مقدمتهم الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية والدكتور يونس مخيون رئيس حزب النور، تلا ذلك منح الكثير منهم تصاريح خطابة من المعاهد الدينية التابعة لوزارة الأوقاف، عقب غلق المعاهد السلفية وعدم الاعتراف بشهادات خريجيها».
من جهته، دافع «النور» عن مبادئه وأنه لا يستغل المساجد في السياسة، مؤكدا في بيان رسمي أن «هناك محاولات لإقصائه من الساحة السياسية.. وأنه لن يستطيع أي تيار عزله سياسيا».
ورصدت «الشرق الأوسط» حالة الغضب داخل «التيار السلفي» عقب قرارات الأوقاف الأخيرة، مما ينذر بخلاف ومعركة جديدة بين الجانبين قريبا.
وتقول الدعوة السلفية في مصر إنها تحترم كل القرارات التي تتخذها الأوقاف لإبعاد المساجد عن السياسة.. وإنها لم تدعُ دعاتها لتوجيه المصلين لاختيار مرشحي «النور» في الانتخابات. لكن قيادي بالدعوة قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوزارة لن تستطيع أن تحكم ذلك ورغم توقيع الأئمة على خطابات (إقرارات) بعدم تأييد مرشحي (النور) لن تستطيع أن تدخل في توجهات الإمام داخل المسجد، لأنه قد يخطب في المصلين بشيء وداخله انتماء لتيار معين».
من ناحية أخرى، وفي خطوة عدها مراقبون ردا قويا من الأوقاف للقضاء على التحريض ضد الحكومة وضمن خطة إقصاء أنصار جماعة الإخوان من المشهد السياسي، استبعدت الأوقاف، قيادات مسؤولة داخل الوزارة ينتمون للإخوان هاجموا النظام الحاكم في مصر، وقال رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، إنه تم «استبعاد 70 من قيادات الوزارة لانتمائهم للإخوان بسبب تصريحات لهم تدعو لهدم الدولة وتهاجم النظام المصري»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»، أن الوزارة تسير بسياسة واضحة هي «لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة»، لافتا إلى أن «دور الأوقاف حماية المجتمع من الأفكار الإرهابية الهدامة الصادرة من بعض قيادات الوزارة».
ويرى مراقبون أن «أعضاء جماعة الإخوان ما زالوا يشغلون مناصب كبرى في الكثير من الوزارات الحكومية، والأوقاف واحدة من أكثر الوزارات التي استحوذ عليها الإخوان أثناء تولي الرئيس المعزول للحكم»، لكن رئيس القطاع الديني قال إن «خطة إقصاء قيادات الإخوان داخل مقر الوزارة وفي مديرياتها بمحافظات مصر، لتقنين وجود أي انتماءات أو ممارسات سياسية». ووزارة الأوقاف، أكبر وأهم الوزارات الحكومية تأثيرا في الواقع والمجتمع المصري، في ظل إشرافها رسميا على نحو 120 ألف مسجد، تكمل معركتها لبسط سيطرتها على أركان الوزارة، بعد قيامها بعودة مبتعثين تابعين للإخوان سافروا خلال فترة حكم الجماعة، وبعد عزل مرسي حرضوا ضد الجيش المصري والشرطة وشوهوا صورة مصر، بحسب المسؤول الحكومي.
وتتعامل الدولة المصرية مع جماعة الإخوان كونها تنظيما إرهابيا، وما زالت تحملها مسؤولية عمليات إرهابية تستهدف أبرياء في قلب العاصمة المصرية والمحافظات وشبة جزيرة سيناء.
في غضون ذلك، هدد أئمة ودعاة مصريون بالاعتصام أمام مبنى الأوقاف بوسط القاهرة خلال نوفمبر الحالي، اعتراضا على وجود قيادات إخوانية بالوزارة خاصة في محافظات دلتا مصر وفي مقدمتها الإسكندرية والبحيرة ومطروح. وقال الشيخ أحمد (ن) - الذي تحفظ عن ذكر اسمه الثاني: «أوصلنا رسالة لوزير الأوقاف برفضنا استمرار هذه القيادات في مناصبها خاصة وأنها تبث (سمومها) في عقول الدعاة، وتدعي أن سبب تهميشها من العمل الدعوي هو رفضها إجراءات مالية اتخذتها الوزارة خلال الفترة الماضية».
وتقول مصادر مسؤولة داخل الأوقاف إن «القيادات المستبعدة هي التي شغلت مناصب في عهد وزير الأوقاف السابق خلال حكم الإخوان طلعت عفيفي (نائب رئيس الهيئة التشريعية للحقوق والإصلاح السلفية) الذي كان تعيينه مثارا للجدل وقتها داخل الوسط الديني في مصر، بعد قيام هشام قنديل، رئيس الوزراء الأسبق، بتعيينه بعيدا عن المؤسسة الأزهرية لاسترضاء (التيار السلفي)، وقت أن كانت علاقته بالإخوان طبيعية»، مضيفة أن «مديريات الأوقاف بالمحافظات ما زال بها عدد من القيادات التابعين للإخوان يستغلون أموال المساجد التي يتم جمعها عن طريق الصناديق الخاصة بالمساجد (التبرعات وأموال الجمعيات) في نشر ودعم الأفكار المتطرفة.
وتفرض الحكومة سيطرتها على دور العبادة من خلال مراقبة أئمتها بكاميرات مراقبة داخل المساجد لمنع الفكر المتشدد، فضلا عن توحيد خطبة الجمعة وغلق الزوايا ومراقبة صناديق «التبرعات والنذور».



مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)

أكد رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق أحمد خليفة، أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، وذلك خلال لقائه نظيره التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو في القاهرة.

وقال بيان صادر عن المتحدث العسكري المصري، السبت، إن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية يزور القاهرة حالياً في زيارة رسمية تستغرق عدة أيام، وأن اللقاء ناقش عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز أوجه التعاون العسكري في العديد من المجالات.

وأضاف أن رئيسَي أركان البلدين ترأسا الجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية - التركية، ووقّعا على محضر الجلسة، الذي تضمن تنفيذ العديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز آفاق التعاون العسكري، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة المصرية والتركية.

وأكد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، «على عمق علاقات الشراكة والتعاون الثنائي بين القوات المسلحة المصرية والتركية»، مشيراً إلى أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

تدريب «نسر الأناضول 2026» في تركيا (المتحدث العسكري المصري)

من جانبه، أعرب رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، عن تقديره لعمق الروابط والعلاقات التي تجمع بين البلدين، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز أوجه العلاقات العسكرية المثمرة بين القوات المسلحة لكلا الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

تأتي الزيارة في إطار الحراك العسكري المزداد بين البلدين في الفترة الأخيرة، الذي يظهر من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في فبراير (ِشباط) الماضي.

ويوم الخميس الماضي، أعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، «إن التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيك».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين نسر الأناضول 2026»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو - 25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف - 16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

يأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، التي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

 

 

Your Premium trial has ended


مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي، في حين أكد عضو بـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن القاهرة تضغط لتحريك مسار التسوية والدفع نحو حوار سياسي شامل بين الفرقاء.

وأكد السفير إيهاب عوض مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أن مصر تواصل تنسيقها مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك العمل ضمن إطار «الآلية الرباعية» (تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، للوصول إلى وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.

وأشار في كلمته أمام جلسة مخصصة لمناقشة أوضاع السودان في مجلس الأمن الدولي، الجمعة، إلى أن استقرار السودان يمثل عنصراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على البلد الموحد والمستقر يتطلب بيئة إقليمية داعمة تتحلى بالمسؤولية والحكمة، محذراً من استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الداخل السوداني؛ لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن دول الجوار والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجدد التأكيد على ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر، وأن مصر ترفض أي محاولات لتقسيمه أو الاعتراف بأي كيانات موازية»، مشدداً على ضرورة دعم المؤسسات الوطنية السودانية ومنع المساس بها.

ويأتي الموقف المصري الذي أعاد التأكيد على رفض تقسيم السودان، والذي تضمن مخاوف مصرية متزايدة جراء الاتجاه نحو هذا المسار، في أعقاب محادثات استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي لمناقشة خطوات التحرك نحو إقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وبالتزامن مع تصعيد عسكري ميداني، خصوصاً في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان (وسط السودان).

لقاء سعودي - مصري - تركي تناول في القاهرة الأسبوع الماضي تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير صلاح حليمة، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تضغط باتجاه تحريك مسار تسوية الأزمة السودانية بعد أن تراجعت المبادرات الدولية مؤخراً، وأن القاهرة تعمل على أن يكون الحل في إطار «الرباعية الدولية» بالتنسيق مع «الخماسية» (تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأوروبي).

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تهدف إلى الضغط على طرفَي الصراع (الجيش والدعم السريع) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض، وذلك عبر مسار أمني عسكري، على أن يكون هناك مسار سياسي موازٍ تشارك فيه كافة القوى السياسية باستثناء التي ترتبط مباشرة بطرفَي الصراع.

وأكد أن التحركات المصرية تستهدف التوصل إلى اتفاق هدنة مبدئي يعقبه مفاوضات في مسارات أمنية وعسكرية وسياسية، وكذلك مباحثات أخرى لإعادة الإعمار، وتعول على ممارسة ضغوط حقيقية على الجيش و«الدعم السريع» نحو الذهاب إلى طاولة التفاوض.

وعكس حديث مندوب مصر لدى مجلس الأمن موقف بلاده من الحل السياسي؛ إذ شدد على أن «أي حلول تساوي بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا المتمردة (في إشارة لقوات الدعم السريع) محكوم عليها بالفشل»، مشدداً على «ضرورة إخضاع الميليشيا للمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، في إطار مسار العدالة الانتقالية عبر آليات وطنية خالصة».

وأكد السفير إيهاب عوض أن أي رهان على الفوضى أو الكيانات الموازية في السودان هو «رهان خاسر لن يُكتب له النجاح»، لافتاً إلى أن الحل المستدام للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون إلا سودانياً خالصاً نابعاً من إرادة السودانيين أنفسهم، ومدعوماً من مؤسسات الدولة الوطنية.

وكان الملف السوداني حاضراً أيضاً في لقاء وزير الخارجية المصري مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس الأسبوع الماضي، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي دعت له وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبولس.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى، أن «التحركات المصرية الأخيرة، بما فيها التحذيرات المتصاعدة من تقسيم السودان، ترجع إلى تطورات الموقف الميداني الخطيرة مع حصار (قوات الدعم السريع) لمدينة الأُبيّض، وإمكانية وقوع مجازر وحشية أسوة بما حدث في مدينة الفاشر (عاصمة إقليم دارفور)، مع تقديرات مصرية بإمكانية تضرر أعداد هائلة من المدنيين المحاصرين يفوق ما حدث في الفاشر».

مصر تستهدف تحريك جهود حل الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أن أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر، أفادت تقارير دولية بأن «(الدعم السريع) ارتكبت مجزرة في المدينة قُتل فيها أكثر من 2000 شخص، منهم 460 مريضاً، وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للولادة في الفاشر»، في حين أُجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار «وهم في حالة من الرعب».

وأضاف عيسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البيان المصري أمام مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، وبخاصة أن سقوط الأُبيّض بيد «الدعم السريع» يعني أن السودان دخل مرحلة التقسيم الفعلي، وفي تلك الحالة سوف تتمكن «الحكومة الموازية» من السيطرة على أطراف وهوامش السودان، وهي مناطق تقدر بـ45 في المائة من مساحة السودان، في حين توجد الحكومة المعترف بها دولياً في باقي الولايات.

وأشار إلى أن الاتصالات المصرية جارية لاستئناف التفاوض، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن هناك صعوبات وتحديات تعترض التئام أي محادثات، لعدم رغبة طرفَي الصراع في الانخراط في مفاوضات جديدة، مع عدم الاستجابة لمبادرة «الرباعية»، وكذلك ما طرحته «الخماسية»، إلى جانب ضعف تأثير القوى السياسية على المشهد القائم في البلاد.


تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

وثَّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما وصفته بواحدة من أوسع حملات التعذيب والانتهاكات داخل السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكدة تسجيل 1893 حالة تعذيب منذ مطلع عام 2018 وحتى بداية عام 2026، في تقرير أصدرته بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو (حزيران).

وقالت الشبكة إن فريقها الميداني رصد تعرض مختطفين في 15 محافظة يمنية لشتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسنون، معتبرة أن الأرقام الموثقة تعكس جانباً فقط من حجم الانتهاكات، في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من أماكن الاحتجاز، واستمرار القيود الأمنية المفروضة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وحسب التقرير، فإن 394 مختطَفاً تعرضوا على يد الحوثيين لأشد أنواع التعذيب التي أفضت إلى الوفاة، بينهم أطفال ونساء ومسنون؛ حيث توفي بعضهم داخل السجون، بينما فارق آخرون الحياة بعد الإفراج عنهم بفترة قصيرة نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية.

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

كما وثَّق التقرير 32 حالة تصفية جسدية داخل المعتقلات الحوثية، إلى جانب حالات انتحار قال إنها ارتبطت بظروف الاحتجاز القاسية، فضلاً عن تسجيل عشرات الوفيات بسبب الإهمال الطبي أو الإصابة بنوبات قلبية أثناء الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أن 218 شخصاً أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب الحوثي، بينها حالات شلل كلي وجزئي، وفقدان للبصر أو السمع، إضافة إلى أمراض مزمنة واضطرابات نفسية وفقدان للذاكرة، بينما تعرض أكثر من 1300 مختطف لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة.

شبكة واسعة من السجون

أكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الجماعة الحوثية تدير نحو 739 سجناً ومعتقلاً، منها 382 سجناً رسمياً استولت عليها عقب سيطرتها على مؤسسات الدولة، إضافة إلى 357 سجناً سرياً أنشأتها خلال سنوات النزاع.

ووفق التقرير، فإن أماكن الاحتجاز الحوثية لا تقتصر على السجون التقليدية؛ بل تشمل مباني حكومية ومواقع عسكرية ومقرات لوزارات وإدارات عامة، ومراكز دينية، ومقرات حزبية، ومنازل خاصة، وهو ما يجعل عمليات الرصد والتوثيق أكثر تعقيداً.

وأضافت الشبكة أن آلاف المختطفين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة بتُهم وصفتها بالكيدية، رغم أن كثيراً منهم لا تربطهم أي صلة مباشرة بالأعمال القتالية، مشيرة إلى أن الاحتجاز يُستخدم كوسيلة لإسكات المعارضين والناشطين والضغط على الخصوم السياسيين.

ويرى التقرير أن التعذيب داخل تلك المعتقلات الحوثية يتم بصورة ممنهجة، ويستهدف انتزاع اعترافات قسرية أو معاقبة المحتجزين بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية، مؤكداً أن المختطفين يتعرضون لضغوط نفسية وجسدية متواصلة خلال فترات الاحتجاز.

كما أشار إلى أن كثيراً من الضحايا حرمتهم الجماعة الحوثية من التواصل مع أسرهم أو الحصول على الرعاية الصحية، بينما تعرَّض بعضهم للإخفاء القسري لفترات طويلة، قبل الكشف عن أماكن احتجازهم أو الإفراج عنهم.

اتهامات ودعوات للتحقيق

اتهمت الشبكة الحقوقية الحوثيين بممارسة التعذيب في إطار سياسة منظمة، وقالت إن الانتهاكات تتم -وفق ما وثقته- بإشراف قيادات في الجماعة، مضيفة أن بعض الممارسات تنتهي بعمليات تصفية جسدية أو وفيات داخل السجون.

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

وأكدت أن ما تمكنت من توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، بسبب استمرار وجود معتقلات حوثية مغلقة لم يتمكن فريقها من الوصول إليها، مع بقاء آلاف المختطفين والمخفيين قسراً داخل أماكن احتجاز غير معلنة.

وجددت الشبكة الحقوقية دعوتها إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، للتحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات الحوثية، وفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التعذيب والإخفاء القسري، والعمل على الإفراج عن جميع المختطفين في سجون الجماعة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.