ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

مفاوضات ليون حققت زخمًا لمصالحات داخلية

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها
TT

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

رغم تأييد غالبية الليبيين ودول الجوار لـ«حوار الصخيرات»، الذي قاده برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، طوال سنة، وتمخض عن مقترح برئيس وزراء ومساعدين له قبل أيام قليلة، فإن البعض في شرق البلاد وفي غربها يبدو وكأنه وضع بدائل جديدة تحسبًا لتعثر «حكومة الوفاق». هذا الأمر يبدو واضحا الآن في ضوء ميل أطراف القوة المسلحة على الأرض نحو التشدد ورفض مخرجات الحوار. لكن هذه البدائل يمكن أن تؤدي إلى العودة إلى المربع صفر، أي الاقتتال بين الأفرقاء، والدخول في منطقة خطرة يمكن أن تسفر عن تقسيم الدولة التي تعاني أصلاً من الفوضى وهشاشة السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.

أعلن برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، قبل أيام، مقترحاته لتسوية الأزمة الليبية، مقترحًا تسمية رئيس وزراء ومساعدين له. فكيف يمكن رصد الوضع السياسي الآن؟
في ليبيا اليوم قوتان مسلحتان رئيسيتان: الأولى هي الجيش الوطني المدعوم من البرلمان الحالي ويقوده الفريق أول خليفة حفتر، تحت مظلة حكومة عبد الله الثني. ويسود اعتقاد بأن هذا الرجل العسكري، وعددا من رجاله، لن يكون له، ولا لهم، مكان في الحكومة التي اقترحها ليون برئاسة فايز السراج. أما القوة الثانية فهي قوة «فجر ليبيا» التي يعتمد عليها بقايا نواب البرلمان السابق المعروف باسم «المؤتمر الوطني العام» وحكومته المسماة بحكومة الإنقاذ برئاسة عمر الحاسي، وترفض العناصر المتشدّدة فيها تولي السراج رئاسة حكومة الوفاق.
ولعل المدة الطويلة التي استغرقها ليون في جمع أطراف النزاع على مائدة واحدة تعكس صعوبة الحالة الليبية. لكن، مع ذلك، لوحظ أن الساعات الأخيرة من «حوار الصخيرات»، أي تلك التي سبقت إعلان الأسماء المقترحة للمرحلة الجديدة، كانت مشحونة بالخوف من الفشل، بينما كان ليون يجمع أوراقه لإنهاء مهمته في ليبيا.
ولم يكن هناك متسع من الوقت من أجل إعادة النظر أو وضع القوة المسجلة في الحسبان، سواء كانت في المنطقة الغربية أو الشرقية. لكن من حسنات مفاوضات ليون أنها حققت زخما لمصالحات داخلية قد تستمر حتى لو لم تنجح «حكومة الوفاق» في ممارسة أعمالها، رغم أن رئيسها، السراج، النائب في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق شرقًا، هو في الوقت نفسه من أبناء العاصمة طرابلس غربًا. وما زال العديد من نواب برلمان طبرق ونواب المؤتمر الوطني ينظرون بريبة للمتغيرات التي أصبح ينبغي القيام بها من أجل مستقبل جديد ومختلف، سواء بالنسبة لمن شاركوا في الحوار أو قاطعوه في أيامه الأخيرة.
المحلل السياسي الليبي طارق القزيري، ابن مدينة مصراتة التي تعد من المدن المهمة في التوازنات السياسية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن ليون كان حريصًا على إشراك المؤتمر الوطني «وفقا لتحليل وصْفَتِهِ التي فاجأت الكثيرين في الداخل والخارج». وأضاف أن «تكتيك ليون قد يكون سياسيًا، عندما أقدم على هذه الخطوة، وهو لتحقيق أغراض لإنهاء مهمته الليبية بنجاح، ولكن، وقبل ذلك، لا بد من معرفة أن ليون كان يواجه اتهامات ومصاعب عديدة».
ومن بين التهم، بحسب القزيري، أنه متهم بكونه «يخضع للمؤتمر الوطني، ولم يستطع فرض خططه أو الاتفاقات السابقة عمليا، وهو يدور في حلقة مفرغة». وتابع المحلل أن «وجود المؤتمر الوطني أساسي وضروري، فلا يمكن، إلى حد كبير، استقرار الحكومة في طرابلس من دون موافقة المؤتمر أو جزء كبير - أو حاسم - منه، لتصبح للتشكيل الحكومي جدوى واقعية»، مشيرا إلى أنه من بين التحديات التي واجهت المبعوث الدولي «كيف يمكن للحكومة أن تكون قابلة للحياة، مثلما هي قابلة للوجود؟! وهذا يستدعي تأمين الموارد المالية لدعمها».
واستطرد القزيري شارحًا أن «إعلان التشكيلة الراهنة (للحكومة المقترحة) يتضمن عدة أغراض مفترضة لليون، منها الإفلات من الاتهام الذي يضعه في خانة الخضوع لإملاءات المؤتمر الوطني على حساب الإسراع في إعلان حكومة التوافق. وثانيا: إعطاء المؤتمر الوقت الكافي للملمة أوراقه والالتحاق بسيناريوهات التشكيل، خاصة مع الإعلان عن رئيس المجلس مباشرة».
أما عن شخصية السراج فيقول القزيري، الذي كان يتحدث لـ«الشرق الأوسط» بعد يوم من إعلان اسمه (أي السراج)، إنه شخصية طرابلسية، وهذه «نقلة مطمئنة للجميع، فهي تستبعد المخاوف الجهوية لكل الأطراف، خاصة من شخصية محسوبة على البرلمان في طبرق، لكنها معتدلة، ولا مآخذ جدية عليها». أما عن وجود ممثلين من أجدابيا والزنتان، فيوضح القزيري أن هذا «يعني تأمين إمدادات النفط، ومناطق تصنيعه (في سهل الجبل جنوب طرابلس وكذلك المثلث النفطي) ليمكن الحديث عن توفير الموارد للحكومة، وهو ما يجعلها مقبولة لأنها (ستكون) قادرة على التصرف».
وبينما ذكّر القزيري أن الحديث عن الحقائب السيادية الأهم يبقى متاحًا لتعزيز دور أطراف أخرى مهمة للغاية، لتفعيل الحكومة واقعيًا، فإنه يقول إن المهم أيضًا هو أن «التشكيلة تعكس توازنات جديدة، فعندما يغيب تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، فهذه إشارة لواقع سياسي يتشكل أو تشكل فعلا، بعد تغير كثير من المعطيات على الأرض، عقب سنتين من الصراع الدامي.. لكن الزنتان، ومن خلال مجلسها العسكري، وجّهت انتقادات حادة لما أفضى إليه (حوار الصخيرات)، خاصة في ما يتعلق بالتعديل الذي أدخل على المسودة الرابعة التي وقع عليها المتحاورون بالأحرف الأولى». وأضاف: «فوجئنا بإعلان حكومة يراد منها أن ترفضها كل الأطراف، وشنت هجوما على ما سمته تعيين (عرّابي الحرب) في مناصب قيادية على أعلى مستوى بعد أن (دمروا العملية السياسية وأحرقوا البلاد وزرعوا الفتنة بين المدن)».
لكن لماذا سارع البرلمان الحالي باتخاذ قرار بتمديد عمله قبل أيام من الإعلان عن الحكومة المقترحة؟ كان موعد انتهاء أعمال البرلمان يوم 20 من الشهر الحالي، فهل كان يخشى من فشل «اتفاق الصخيرات»، وبالتالي، يمكن للبلاد أن تدخل في مزيد من الفوضى؟
هنا، رأى عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، أنه «كان معلومًا منذ البداية بين معظم النواب أن البرلمان لن يسلم السلطة إلا لجسم منتخب، ولو اضطر لتمديد عمله في حال كان متعذّرا إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما حدث بالفعل»، مشيرا إلى أن «الهدف من هذه الخطوة كان تجنب دخول البلاد في فراغ في السلطة بحلول يوم العشرين من هذا الشهر، وهو الموعد القانوني لانتهاء أعمال البرلمان الذي جرى انتخابه صيف العام الماضي».
وأشار عبد المجيد إلى سلامة هذا الإجراء قائلا: «إن الإعلان الدستوري الذي تعمل به البلاد كدستور مؤقت ينص على أن البرلمان لا يسلم هذه السلطة إلا لجسم منتخب». ويقول مسؤولون في البرلمان إن قرار التمديد لم يكن يتعارض مع سير المفاوضات بقيادة ليون، لكن أحد المصادر النيابية لا يخفي أن قرار التمديد كان بمثابة ضغط على الخصوم من أجل تحقيق مكاسب للبرلمان.
وسبق كل هذه التطورات خطاب شديد اللهجة وجَّهه رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، للمجتمع الدولي وللبعثة الأممية في ليبيا، ضمن كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة الأسبوع قبل الماضي. وكانت الكلمة تؤشر إلى نفاد صبر السلطة الشرعية في ليبيا من المماطلة الدولية تجاه حسم «حوار الصخيرات» بمن وقعوا عليه، والمماطلة في رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي الذي يشن حربًا واسعة ضد الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة.
يعتقد كثيرون من قيادة البرلمان ومستشاريه أن ليون، الذي ستنتهي مهمة عمله في ليبيا قبل نهاية هذا الشهر، كان يميل إلى «تدليل مجموعة طرابلس التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة». أو كما قال المستشار عبد المجيد «ليون لم يكن عادلا. وتحركاته لم تكن مرضية للشعب الليبي. لقد انحرف عن مسار الحوار، في نهاية المطاف»، مشيرا إلى أن رئيس مجلس النواب (صالح) وأعضاء البرلمان تعاملوا مع ليون، منذ البداية، بكل احترام في سبيل ليبيا.. «لكن ليون، للأسف، تعامل مع مجلس النواب كأنه جسم غير شرعي، وقام بالمساواة بينه وبين المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته)».
مع هذا، توقّع عبد المجيد أن تسير ليبيا إلى الأمام «وفقًا لما يريده الشعب وليس ما يريده ليون، لأن الشعب دفع ثمنًا غاليًا بعد تخلصه من حكم (الإخوان) ومن معهم من متطرفين، ولن يسمح بعودتهم مرة أخرى، سواء من باب حوار الأمم المتحدة أو من غيره». ومن الممكن أن يلجأ البرلمان خلال الفترة المقبلة إلى تسمية رئيس للدولة، وهذا سيكون تطورا جديدا يمكن أن يغير من المسار السياسي برمته.
في المقابل، وفقا لمصادر عسكرية ليبية، أدت جولات «حوار الصخيرات» رغم كل شيء لنتائج إيجابية على الأرض وحركت المياه الراكدة، ولفتت نظر الليبيين إلى أن الاقتتال لن يؤدي إلى أي حلول. وأن أفضل طريق هو الحوار والمصالحة. ويمكن القول، وفقا للعديد من المصادر، أن المجتمع الليبي تأثر بزخم الحوار تأثرًا إيجابيًا، حيث بدأت بعض القبائل والمناطق الجهوية في عقد هدنة أو صلح، في ما بينها، رغم أنها لم تكن مشاركة أصلاً في حوار ليون.
تنقسم ليبيا إلى ثلاث مناطق رئيسية: الشرق الذي يتخذ فيه البرلمان والحكومة والجيش مقرات لهم وينشط فيه أيضًا تنظيم داعش. والغرب الذي يسيطر عليه المتطرّفون الموالون لجماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة»، خاصة في طرابلس. والجنوب الذي يشهد اقتتالاً بين حين وآخر بين مجموعات عقائدية وجهوية وقبلية.
بعض العسكريين الليبيين يقولون «نترك الجنوب الآن»، لأن مشكلتهم سهلة الحل مستقبلا.. و«نترك طرابلس أيضًا»، لأن المجموعات التي تسيطر عليها ليست لديها حجج قوية للاستمرار في ما تقوم به من تشدّد وتمترس، كما أن هذه المجموعات تخسر في العاصمة بمرور الوقت. أين المعضلة إذن؟ يقول أحد مساعدي حفتر إنه بغض النظر عن مقترح تشكيل حكومة برئاسة السراج فإن الحل الحقيقي لمشاكل ليبيا موجود في بنغازي، التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية.. موضحًا: «بنغازي دائمًا هي التي تحدد بوصلة الاتجاهات في عموم البلاد. فإذا تمكن الجيش من إلحاق الهزيمة بالمتطرفين في بنغازي، فإن كل مشاكل ليبيا ستحل تلقائيًا».
تاريخيًا، كانت بنغازي منطلقًا للانقلابات والثورات والحكم. وتضم هذه المدينة كل ممثلي القبائل الليبية تقريبًا من كل أرجاء البلاد، حتى من طرابلس ومصراتة وسبها.. «إنها ليبيا مصغرة»، لكن المعضلة ستكون دائما، أمام أي سلطة، في المجموعات العقائدية المتشددة مثل «داعش» وغيره، كما يشدد وزير الدفاع الليبي السابق، أسامة الجويلي.
الجويلي قائد عسكري ظهر على سطح الأحداث في ليبيا، انطلاقًا من بلدته الزنتان، أثناء «الثورة» ضد القذافي في 2011. وخاضت الزنتان حربًا ضروسًا مع قوات مدينة مصراتة للسيطرة على العاصمة في صيف العام الماضي، مما أدى إلى وقوع خسائر بمليارات الدولارات، كان أبرزها حرق مطار العاصمة. ومع أن تلك الحرب ما زالت لها تداعياتها وتأثيرها على العلاقة بين عدة مدن وقبائل، فإن فرص الحل اليوم قابلة للتحقق أكثر من السابق. وحاليًا يشارك الجويلي في شق طرق جديدة للسلام بين القبائل والمناطق. وهو ممن كانوا يعولون منذ البداية على «حوار الصخيرات»، كما كان ممن توقعوا نجاحه.
الجويلي ينظر إلى مناطق وجود المتطرفين في بنغازي ودرنة وسرت باعتبارها «مناطق صعبة وستحتاج إلى معالجة خاصة، لكن بالنسبة لمجموعات طرابلس فإنه من الممكن التفاوض معها للوصول لحل». وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال: «سيكون من السهل التفاوض مع طرابلس مقارنة بالمجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة وسرت.. مجموعات طرابلس ليست لها حجج قوية، فهي تعترف بالانتخابات وتعترف بالعملية الديمقراطية، وهذه مواقف مختلفة تمامًا عن مواقف المجموعات المتشددة في بنغازي ودرنة وسرت».
وبالفعل، وفق أحد القادة العسكريين في بنغازي، فإن «مجموعات طرابلس يمكن أن تكون جزءا من مستقبل الحكم في ليبيا، حتى لو كان بعض المتشددين فيها يرفضون حكومة التوافق وشخصية السراج. وهذا بعكس المجموعات المرتبطة بـ(داعش) و(القاعدة).. فهذه ميئوس منها». وتابع القائد كلامه قائلا: «حتى مدينة مصراتة التي كانت يومًا متهمة بالوقوف وراء التشدد الذي تبديه الميليشيات المسلحة في طرابلس، بدأت تغير من مواقفها بقيادة مجلسها البلدي الذي يضم شخصيات تميل نحو الاعتدال والتفاوض».
ثم ما يمكن أن يسهّل اجتماع الخصوم حول شخصية السراج هو عقد العديد من الأطراف الليبية، خلال الشهرين الأخيرين، اتفاقيات واسعة في عدد من المدن ومع القبائل التي كانت حتى وقت قريب تخوض نزاعًا مسلحًا في ما بينها، مما تسبب في سقوط مئات القتلى وألوف المهجرين. وحتى أسبوعين كان الجويلي يقود جهود للمصالحة أيضًا، ويقول: «الحمد لله، وفقنا إلى مصالحة أدت إلى التهدئة في كل المناطق الغربية من طرابلس، وما زلنا مستمرين في عقد المصالحات. هذا هو السبيل الوحيد أمام الليبيين لحقن الدماء وبناء دولتهم».
في الوقت الحالي، وبفعل زخم حوارات ليون، أصبحت توجد لأول مرة لقاءات بين القيادات الميدانية في كل من طرابلس ومصراتة والزنتان، وهذه الأطراف كانت محورًا أساسيًا في «حرب 2014»، وذلك لإيجاد صيغة للتفاهم ولمنع اندلاع اشتباكات جديدة. ويسعى العديد من القادة المحليين في مناطق الاشتباكات بين الميليشيات في غرب البلاد أيضًا، إلى التوسع في عقد المصالحات، ويعد هذا أحد أسباب هدوء جبهة غرب وجنوب غرب طرابلس في الفترة الأخيرة.
أما حسم المعارك مع الدواعش ومع المتطرفين الآخرين في بنغازي ودرنة وسرت، فيقع العبء الأكبر في هذه الحرب على الجيش الوطني الذي يحتفظ أيضًا بقوات له على مشارف العاصمة وفي مناطق الجنوب. وإذا تمكنت «حكومة الوفاق الوطني»، المزمعة، حل معضلة منصب وزير الدفاع والقائد العام للجيش، وإيجاد حل مسألة استمرار حفتر من عدمه، فإن حكومة السراج ستتلقى مساعدات دولية بما فيها الوقوف مع الجيش في حربه ضد الإرهاب. إلا أن الإشكالية التي قد تعرقل مخرجات «حوار الصخيرات» تكمن في تحفظات من قبل بعض نواب طبرق، جرى الإعلان عنها في الجلسات التي عقدت في الساعات الماضية بشأن الحكومة المقترحة، ومنها التحفظ على البند الخاص بأن يكون رئيس الوزراء في «حكومة الوفاق» هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وتحفظات على مجلس الدولة المزمع تأسيسه. ولا يوجد ميل في أوساط قيادات الجيش للتخلي عن قائده حفتر، مع أن بعض الأطراف تقول إنه لا ينبغي التركيز على الشخصيات ولكن على الجيش كمؤسسة.
في هذه الأثناء، صرح أحد مسؤولي البرلمان بأنه إذا لم يكن هناك إجماع من كل المكونات الليبية على الموافقة على حكومة السراج، فستترتب على ذلك خيارات متعددة، حيث جرى تأسيس «جبهة النضال الوطني الليبي» الشهر الماضي تحسبا لمثل هذه الظروف. ومن بين الشركاء في تأسيسها، أحمد قذّاف الدم، المبعوث الشخصي السابق للقذافي وابن عمه. ويرأس الجبهة التي تتكون من عشرات الأحزاب والنقابات والجمعيات من مختلف المدن الليبية، الدكتور محمد القشاط، وجرى اختيار مستشار الجيش، عبد الكريم نائبا له.
وعقب إعلان ليون عن «حكومة الصخيرات»، علق قذّاف الدم قائلا إنه «من الواضح أن هناك خللا في فهم الواقع الليبي علي الأرض.. ومع احترامي للجميع فإن الإخوة الذين عينهم السيد ليون لن يستطيعوا القيام بهذه المهمة الاستثنائية التي تتطلب توافق الليبيين جميعًا، والذين لم يكن لهم حضور في الصخيرات». إلا أنه أضاف موضحا بقوله: «نحن مستعدون من أجل ليبيا للعمل مع كل الأفرقاء لمصالحة تاريخية لا تقصي أحدًا، وتخلق مناخًا ليس فيه إكراه لأحد ويمكِّن أي حكومة محايدة من عودة الدولة ولملمة جراح الوطن»، مشيرا إلى أن الليبيين سوف يرفضون «نظام الوصاية وفرض الأمر الواقع.. وهذه خطوه جديدة في الاتجاه الخاطئ، وتأثيرها سلبي في استقرار ليبيا».
وفي مدينة طبرق حذّر «التجمع الوطني الليبي» من «خطر الترتيبات الجديدة التي نتج عنها حوار الصخيرات، في زيادة حدة التوتر في البلاد»، قائلا إن «الإعلان عن نتيجة الحوار في شقّها المتعلق بالحكومة والمحاصصة الخاصة بالمناصب الرئيسية على غرار مجلس الدولة ومجلس الأمن القومي ورئاسة الحكومة تمثل عامل توتّر وارتباك إضافي قد يؤدّي إلى تطوّرات كارثية على الحالة الليبية، ليس أقلّها اندلاع مواجهة ميدانية بين الليبيين».
ومثل كثير من المكونات الليبية المؤيدة لسلطة البرلمان والجيش، تساءل «التجمع الوطني» عن موقع الجيش الليبي في «تسوية ليون»، وماذا سيكون مصيره ومصير قياداته، وهل سيفضي شطبه من جدول التسوية إلى حله على غرار الجيش العراقي.

* أهم الأسماء المقترحة للمناصب القيادية

* فايز سراج، رئيسًا للحكومة. وأحمد معيتيق وموسى الكوني وفتحي المجبري نوابًا له، وهم يمثلون مناطق الجنوب والغرب والشرق.
* الوزراء: فادي الهنجاري، وأسامة السعيد، وطارق يوسف، وعبد السلام الحسين، وشيبني بوحمود، ومصطفى أبو شاغور، وعاشور شعيل، وإبراهيم النايل، وأبو عجيلة سيف النصر، وآمال الحاج، وإيمان بن يونس، وخليل البكوش، ومحمود بن شعبان، ومراد حمايمة، وطاهر سونك.
* هيئات عليا: عبد الرحمن السويحلي رئيسًا لمجلس الدولة المقترح، وفتحي باشاغا رئيسًا لهيئة الأمن القومي المقترحة.



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.