الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

مطابخ جماعية لطهي وجبات العشاء للمقاتلين الأجانب.. وحياة الناس مليئة بالخوف والحرمان

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين
TT

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

تخرج الشاحنات البيضاء في وقت العشاء حاملة الوجبات الساخنة إلى مقاتلي «داعش» العزاب في مدينة هيت غرب العراق. وتعمل مجموعة من النساء الأجنبيات، اللائي قدمن من أوروبا ومختلف أنحاء العالم العربي للانضمام إلى «داعش»، في مطابخ جماعية لطهي وجبات العشاء للمقاتلين، والتي يجري توصيلها إلى منازل صودرت من أناس فروا من منازلهم أو لقوا حتفهم، حسبما يكشف عمدة المدينة السابق.
لقد اجتذب «داعش» عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف أنحاء العالم بعد أن وعدهم بالجنة في وطن أقامه على أراض احتلها في سوريا والعراق.
لكن في حقيقة الأمر، لقد خلق المسلحون المتشددون مجتمعًا وحشيًا من طبقتين، تختلف فيه الحياة اليومية التي يعيشها المحتلون عن حياة رعاياهم اختلافًا صارخًا، كما تكشف المقابلات التي أجريت مع أكثر من 12 شخصًا يعيشون حاليًا، أو فروا مؤخرًا، من «داعش».

يحصل المقاتلون الأجانب وعائلاتهم على مساكن مجانية، ورعاية صحية، وتعليم ديني، بل ويتمتعون بخدمة توصيل الوجبات للمنازل، حسبما يقول الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات. كما يتحصل هؤلاء المقاتلون على رواتب يتم جمع معظمها من الضرائب والرسوم المفروضة على ملايين البشر الخاضعين لسيطرتهم في مساحة من الأرض لا تقل عن مساحة المملكة المتحدة.
ويقول أبناء المدن والبلدات التي سيطر عليها «داعش» إنهم لا يواجهون فحسب الوحشية المعتادة من هؤلاء المتشددين الذين يقطعون رؤوس أعدائهم ويتخذون من نساء بعض الأقليات إماء، ولكنهم يعانون أيضًا من نقص حاد في أساسيات الحياة اليومية.
ولا تصل الكهرباء إلى الكثير من هؤلاء السكان سوى ساعة واحدة أو ساعتين في اليوم، بينما تمر أيام كاملة على بعض المنازل من دون مياه جارية. الوظائف نادرة، لذا لا يتمكن الكثيرون من توفير ثمن الغذاء الذي تضاعف 3 مرات أو أكثر. كما أن الرعاية الطبية سيئة، ومعظم المدارس أغلقت أبوابها، والسفر خارج مناطق «داعش» محظور بقوة السلاح.
وعلى مدار العامين الماضيين، أنتج المسلحون المتشددون سيلاً من المواد الدعائية على الإنترنت اتسمت بتطور لافت ساعد على إقناع ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل أجنبي، كثيرون منهم جاءوا مع عائلاتهم، بالقدوم من أماكن بعيدة مثل أستراليا. وتصور تلك الحملة الدعائية، التي يبث أغلبها عبر «يوتيوب» ومواقع التواصل الاجتماعي، مكانًا مليئا بعجلات الملاهي الدوارة وحلوى غزل البنات، حيث تختلط العائلات المحلية في بهجة مع أجانب مدججين بالسلاح.
لكن السكان المحليين قالوا في المقابلات إن حياتهم اليومية زاخرة بالخوف والحرمان في ظل «خلافة داعش» التي تدير الشؤون بالعنف.
ويقول محمد أحمد، 43 عامًا، وهو موظف سابق في جامعة الدول العربية من دير الزور، وهي بلدة بالقرب من الرقة، عاصمة «داعش» المزعومة في شمال سوريا «لقد عدنا إلى العصر الحجري».
ويضيف أحمد، الذي فرّ من منزله في شهر يونيو (حزيران) الماضي ويعيش الآن مع 20 ألف سوري آخر في مخيم الأزرق في الأردن: «كان لدينا منزل جميل مكسو بأرضيات من الرخام والسيراميك... كان لدينا كل ما نحتاجه طيلة حياتنا، وعندما جاءوا، أصبحنا نطهو الطعام على النار في الخارج ونغسل ملابسنا في دلو».
ويقول الكثير من الذين أجريت معهم المقابلات إن «داعش» في واقع الأمر، أقل فسادًا من الحكومات السورية والعراقية السابقة، ويقدم خدمات حكومية أكثر كفاءة منها، مثل شق الطرق وجمع القمامة. وفي العراق قال البعض إن مسلحي «داعش» السنة عاملوهم على نحو أفضل من الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد. لكن لم يعرب أي من الذين شاركوا في تلك المقابلات عن دعمهم لهؤلاء المتشددين، وقالوا جميعًا إن الإدارة الكفؤة لا تبرر مسلك «داعش» الوحشي والمتعصب.
«إننا نكرههم»، هكذا أكد عمدة الهيت السابق حكمت الغود، 41 عامًا، الذي فر في أبريل (نيسان) الماضي، ويقسم وقته الآن بين بغداد والعاصمة الأردنية عمان.
لقد وصل «داعش» إلى السلطة في أعقاب سنوات من القتال في سوريا والعراق أدت إلى تدمير الكثير من المؤسسات العامة في البلدين. لكن المشاركين في المقابلات قالوا: إن «داعش» فاقم هذا الدمار، وعلى نحو ستمتد آثاره لعقود مقبلة - حيث قضى على المكاسب التي تحققت في التعليم العام، ودمر البنية التحتية الطبية، وأسس لنظام قضائي يقوم على الرعب، وعرض جيلاً من الأطفال إلى أعمال عنف بشعة ومدمرة نفسيًا.
الحياة في أرض «داعش» بالنسبة إلى النساء تعني عادة الخضوع إلى نظام أشبه بخطوط التجميع، لكن هذه المرة لتزويد المقاتلين بالعرائس، أو التعرض أحيانًا للخطف والإجبار على زيجات قسرية.
واكتفى الكثير ممن أجريت معهم المقابلات بالكشف عن اسمهم الأول أو رفضوا الإفصاح عن هوياتهم بالكامل، حرصًا على سلامتهم وسلامة أفراد عائلاتهم الذين ما زالوا يعيشون تحت حكم «داعش». وجرت المقابلات معهم عبر «سكايب» أو مكالمات هاتفية من سوريا والعراق، أو بصفة شخصية في العراق وتركيا والأردن.
وتعرض الأشخاص الذين تحدثوا من داخل مناطق خاضعة لـ«داعش» إلى خطر كبير، حيث قالوا: إن المتشددين المسلحين يراقبون عن كثب الاتصالات عبر الإنترنت. ووافق هؤلاء على الحديث لكي يتمكنوا من رواية قصة حياتهم في ظل «خلافة داعش».
وأكد جميع الذين أجريت معهم المقابلات تقريبًا أنهم شهدوا عملية قطع رأس واحدة على الأقل أو عقوبة وحشية أخرى. يذكر أنه من المستحيل فعليًا التحقق من صحة هذه الروايات من مصادر مستقلة، كما يستحيل التحقق من المزاعم التي وردت في الكثير من المواد الدعائية التي نشرها «داعش». ولم تعتمد «واشنطن بوست» على منظمات ناشطة في استقدام الشخصيات التي جرت معها المقابلات. وراجع مراسلو الصحيفة سجلات الوصول، وسعوا إلى لقاء الأشخاص الذين قدموا حديثًا من مناطق خاضعة لسيطرة «داعش». واستمرت الكثير من المقابلات لمدة ساعتين أو أكثر.
ويسيطر المتشددون على مجتمعات زراعية صغيرة علاوة على مناطق حضرية واسعة، ومن بينها الموصل، وهي مدينة عراقية يسكنها أكثر من مليون نسمة. وتختلف سياسات «داعش» من منطقة إلى أخرى على نحو ما، لذلك لا يوجد أسلوب حياة موحد ومتفرد داخل مناطق حكمه، لكن ظهرت في المقابلات أنماط متكررة فيما يتعلق بالنساء والصحة والتعليم والقضاء والاقتصاد في المناطق الخاضعة لـ«داعش».
ويتعين على النساء ارتداء النقاب، كما يمكن أن يتعرضن للجلد في حال خرجن من منازلهن دون مرافقة أحد أقاربهن الذكور. وتلازم نساء كثيرات بيوتهن خشية أن يختطفن ويجبرن على الزواج من مقاتل أجنبي.
العلاج في المستشفيات، التي يعمل بها أطباء قدموا من بريطانيا وماليزيا، قاصر في العادة على المقاتلين الأجانب. بينما يضطر السكان المحليون إلى طلب الرعاية الصحية في عيادات سيئة التجهيز وعلاجاتها منتهية الصلاحية ويعمل بها أفراد غير مؤهلين.
وأغلق «داعش» في بعض المناطق خدمات المحمول والاتصال بالإنترنت. وفي الأماكن التي لا تزال بها هذه الخدمات قائمة، يحاول المتشددون السيطرة عليها عن كثب. وقد أنشأوا مقاهي للإنترنت تحولت إلى مراكز للدعاية، حيث يعكف المجندون على استقطاب الشباب من مختلف أنحاء العالم لكي يتركوا أوطانهم وينضموا إلى «داعش». ولقد تمكنوا بالفعل من إقناع نحو 200 أميركي - بعضهم ما زال في سن المراهقة - من شيكاغو ودنفر ومينيبوليس ومدن أميركية أخرى - بالمجيء إلى سوريا. وتعرض غالبيتهم للاعتقال قبل أن يصلوا لمقصدهم، حسبما يفيد مسؤولون في الشرطة الأميركية.
المدارس مغلقة بصفة عامة، فيما عدا المدارس الدينية لأبناء المقاتلين الأجانب. وكان المتشددون قد جمعوا الشهادات الدراسية وأحرقوها علانية.
وتقول معلمة رياضيات تعيش في الموصل «الحياة تحت حكم داعش هي بمثابة كابوس كل يوم».
وقالت بعدما طلبت عدم الكشف عن اسمها «لدينا مستقبل مجهول... ربما يقتلنا داعش أو ربما نموت في الحرب، أو ربما بعدها. ما نعيشه الآن هو موت بطيء».
المقاتلون المتشددون أنشأوا أيضًا نقاط تفتيش لمنع الناس من الهروب. لكن الذين أجريت معهم المقابلات قالوا: إن شبكة متنامية من المهربين تساعد الناس الآن على الفرار، وإن أعدادًا متزايدة منهم تدخل الأردن وتركيا ولبنان ومناطق عراقية لا تخضع لسيطرة «داعش». وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن 60 في المائة من اللاجئين الذين عبروا الحدود السورية - الأردنية مؤخرًا كانوا من الفارين من مناطق خاضعة لحكم «داعش».
وتصور الدعاية الداعشية عناصرها على أنهم محررون، وأظهر مقطع مصور بث مؤخرًا مقاتلين مسلحين يوصلون الحلوى إلى دار للمسنين. لكن بحسب الذين أجريت معهم المقابلات، ترى غالبية السكان المحليين أن هؤلاء المتشددين ليسوا إلا قوة محتلة عديمة الرحمة، وينأون بأنفسهم عنهم بأقصى ما في استطاعتهم.
وقال ناشط يطلق على نفسه اسم أبو إبراهيم الرقاوي، وهو أحد سكان مدينة الرقة ويدير موقعا على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل اسم «الرقة تذبح بصمت»: «إننا حتى لو رأيناهم في الشوارع أو المتاجر، فإننا لا نخالطهم».
ويضيف أن الناس في الرقة «يشعرون كالغرباء في مدينتهم».
داعش أدرك بعض النجاح في تجنيد عدد من السكان المحليين. وقال مشاركون في المقابلات إن الكثير من أصدقائهم وجيرانهم في سوريا والعراق اختاروا الانضمام إلى «داعش»، ليصبحوا مقاتلين، أو مدرسين أو موظفين في هيئاته الحكومية.
ويقدم البعض على هذه الخطوة إيمانًا منهم بهدف المتشددين الأسمى في توحيد العالم تحت مظلة حكمهم القائم على تفسير انتهاج خط متشدد.
لكن معظم الذين يعملون لصالح «داعش» يفعلون ذلك بدافع الاحتياج المادي، بحسب المشاركين في المقابلات. وفي بعض الأماكن التي شهدت ارتفاعًا هائلاً في أسعار المواد الغذائية، وحيث يقتات الناس على الخبز والأرز فحسب تقريبًا، خلص بعض الرجال إلى أن التحول إلى مقاتلين في «داعش» هو السبيل الوحيد لإعالة أسرهم.
ويقول ياسين الجاسم، 52 عامًا، الذي فر من منزله في الرقة شهر يونيو الماضي: «لا يوجد عمل، لذا يتعين عليك الانضمام إليهم لكي تعيش... كثير من السكان المحليين انضموا إليهم. دفعهم الجوع إلى الالتحاق بداعش».
وقال بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التشدد والعنف السياسي في كينغز كوليدج في لندن، إنه برغم الدفعة التي قدمها المقاتلون الأجانب لـ«داعش»، فإنهم «على المدى الطويل، سيشكلون عبئًا» عليه. وقال: إن أحد الأسباب التي حدت بالعشائر المحلية إلى الانتفاض ضد «القاعدة» في العراق في منتصف العقد الماضي هو النظرة إلى الجماعة على أنها منظمة أجنبية. ويضيف أن الرعايا الخاضعين الآن لحكم «داعش» يمكن أن يقدموا على ذات الخطوة - لا سيما في العراق.
لكن الأشخاص الذين عاشوا تحت حكم «داعش» ممن شملتهم المقابلات يقولون: إنه اتخذ إجراءات فائقة التشدد لكبح أي انتفاضات محتملة، حيث يقتل كل من يشك في ولائهم.
وتقول فاتن حميدة، 70 عامًا، وهي جدة فرت من بلدتها بالقرب من الرقة في مايو (أيار) الماضي وتعيش الآن في مخيم الأزرق، إن العنف يزيد غضب السكان المحليين من المسلحين، لكنه أيضًا يخلق ريبة فيما بينهم. ويصعب تشكيل أي حركة مقاومة عندما يفكر الناس في أن أصدقاءهم وجيرانهم ربما يكونون جواسيس يعملون لمصلحة المسلحين. وقالت: «لقد قلبونا على بعضنا البعض».
وقال أحمد الذي فر من بلدته بالقرب من الرقة في يونيو إن بعض المقاتلين العرب يحاولون الاختلاط بالسكان المحليين، لكن الأوروبيين وغير العرب لا يحاولون ذلك على الإطلاق. وأضاف أنه رغم مزاعم مقاتلي «داعش» بأنهم قدموا إلى هنا لكي يوفروا حياة أفضل للمسلمين، فإنهم منشغلون بالأحرى بقتال الجماعات المتمردة الأخرى والقوات الحكومية.
وقال: «إنهم عدائيون جدًا على الدوام، ويبدون غاضبين.. إنهم هنا من أجل القتال، وليس من أجل الحكم».
ويحكي الجاسم خلال المقابلة، التي جرت في كوخه المعدني الحار في مخيم الأزرق، عن الفترة التي عاشها تحت حكم «داعش» ويتذكر عندما أصيب حفيده البالغ من العمر عامين بورم في المخ وطالبه الأطباء بـ800 دولار لاستئصاله.
الجاسم وهو عامل زراعي لم يستأجره أحد منذ استولى «داعش» على بلدته، توجه في يأسه إلى المسلحين في مايو لكي يتوسل إليهم من أجل حياة حفيده، وقد قدموا إليه خيارًا.
ويسترسل «قالوا لي لو منحتنا ولدك لكي يحارب معنا، سندفع كلفة علاج حفيدك». لكن فكرة أن يصبح أحد أولاده مقاتلاً في «داعش» أثارت اشمئزازه، بينما فطر قلبه التفكير في فقدان حفيده. وهكذا أخذ الجاسم عائلته وهرب على متن شاحنة أحد المهربين. وقال: إن ولده يطلب الآن من السلطات الأردنية تقديم المساعدة الطبية للصبي الصغير.
ويقول الجاسم بينما يتطلع من كوخه الضيق إلى فضاء الصحراء الأردنية «لن أعود مطلقًا إلى سوريا... لم تعد سوريا التي أعرفها».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.