تفاقم الوضع الإنساني في تعز.. والميليشيات تمنع دخول المواد الإغاثية ومياه الشرب

الحوثيون يقودون عمليات إبادة للسكان بمنعهم من المياه وقتلهم بصواريخ الكاتيوشا

مقاتل مؤيد للرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي يطلق قاذفة آر بي جي في معركة ضد الميليشيات الحوثية في تعز (أ.ف.ب)
مقاتل مؤيد للرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي يطلق قاذفة آر بي جي في معركة ضد الميليشيات الحوثية في تعز (أ.ف.ب)
TT

تفاقم الوضع الإنساني في تعز.. والميليشيات تمنع دخول المواد الإغاثية ومياه الشرب

مقاتل مؤيد للرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي يطلق قاذفة آر بي جي في معركة ضد الميليشيات الحوثية في تعز (أ.ف.ب)
مقاتل مؤيد للرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي يطلق قاذفة آر بي جي في معركة ضد الميليشيات الحوثية في تعز (أ.ف.ب)

تواصل ميليشيا الحوثي وحليفهم صالح في مدينة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية الواقعة إلى الجنوب من العاصمة صنعاء، حرب الإبادة بحق السكان العُزّل، حيث كثفت من قصفها الهمجي على الأحياء السكنية بصواريخ الكاتيوشا والهاوزر وكل أنواع الأسلحة الثقيلة، بعدما حققت المقاومة الشعبية والجيش المساند لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي تقدمًا في جبهات القتال الغربية والشرقية وسيطرتها على مواقع مهمة في الشرقية، مما كبدهم الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد على أيدي المقاومة والجيش وغارات التحالف العربي، بقيادة السعودية، المباشرة التي استهدفت تجمعاتهم ومواقعهم ومخازن الأسلحة الخاصة بميليشيات الحوثي وصالح.
ويأتي تكثيف ميليشيات الحوثي وصالح من قصفها للأحياء السكنية بتعز من أماكن تمركزها وقتلها العشرات من المدنيين في الوقت الذي لا تزال المدينة تعاني وضعًا إنسانيًا صعبًا، وأهالي المدينة لا يستطيعون الحصول على الغذاء ومياه الشرب والأدوية ومستلزمات العيش التي منعت الميليشيات وصولها إلى المدينة، كما يعيشون في ظلام دامس دون كهرباء، وأهاليها منقطعون عن المديريات المحيطة بهم والمحافظات بعدما قطعت ميليشيات الحوثي وصالح عليهم الاتصالات وشبكة الإنترنت، فهي بذلك تدفع ضريبة التخاذل المحلي والعربي والدولي.
ويقول نشوان نعمان شمسان الذبحاني، مدير مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان بتعز، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نادينا مرارا وتكرارا بأن تعز تعاني كارثة إنسانية في ظل استمرار جرائم الميليشيات بحق المدنيين، فلقد قامت دبابات ومدافع وصواريخ الحوثي بالقصف بشكل عشوائي لمدينة تعز المكتظة بالسكان والمدنيين، وذلك من الدبابات والمدفعية الثقيلة الموجودة في سوفتيل وشارع الأربعين ومن معسكر القوات الخاصة ومن معسكر 22 مايو الحرس الجمهوري في الجند وشارع الستين ومن منطقة الحرير، وقد سبب هذا القصف يوم أمس مقتل 7 مدنيين وعشرات الجرحى و4 فتيات في حي النصيرية حيث أصابتهم قذيفة مدفع هاوزر».
ويضيف الذبحاني: «قامت الميليشيات بقطع الاتصالات والإنترنت عن المدينة بحجة انعدام وجود مادة الديزل، ولكنها موجودة فقط لآلة الحرب والدمار التي تقتل الأبرياء والعُزل، وهناك انقطاع تام للمياه الصالحة للشرب، وأخيرًا قامت ميليشيات الحوثي بمنع دخول صهاريج المياه للأهالي بمدينة تعز، وتم استهداف عدد من صهاريج الماء من قبل الحوثيين، بل وصل الأمر إلى أنهم قاموا بمنع دخول المواشي إلى المدينة، وقاموا في أول أيام العيد باستهداف سوق للمواشي في منطقة التحرير، وقتل وأصيب العشرات من المواطنين، كما تم احتجاز قواطر محملة بالمساعدات الإنسانية في مدينة القاعدة كانت في طريقها إلى مدينة تعز».
ويؤكد مدير مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان بتعز أن مدينة تعز تعيش وضعًا كارثيًا حقيقيًا، فهي تُدكّ وتقصف وتحرق من قبل الميليشيات، فلا كهرباء ولا ماء ولا دواء ولا نظافة ولا مشتقات نفطية، وتقصف بشكل يومي وتدمر يوميا عشرات المنازل ويقتل العشرات من الأبرياء في منازلهم وفي الشوارع، فمدينة تعز تتألم كل يوم في ظل هذا الصمت المطبق والتخاذل المخيف، فهي تدفع ضريبة التخاذل المحلي والعربي والدولي وكذلك يتحمله رئيس الجمهورية وحكومته.
وحول المساعدات الإنسانية التي يتلقاها أهالي تعز ومدى حقيقة وصولها إليهم خاصة مع أيام عيد الأضحى المبارك، يوضح نعمان الذبحاني أن «هناك بعض الإمدادات المحلية في محاولة لتقديم بعض المساعدات الغذائية لأهالي تعز الذين يعانون الحصار المطبق عليها لكنهم يعانون من صعوبة إدخال مواد الإغاثة إلى المدينة، ويتعرضون للاحتجاز من قبل الميليشيات».
وأضاف أنه دشن مع بعض المواطنين حملة لمساعدة الأهالي سميت «حملة الوفاء بتعز» التي قامت مشكورة بكثير من الأنشطة، مثل توفير الدواء وتوفير كسوة العيد والغذاء لنحو أكثر من 650 أسرة، وتوزيع اللحوم للمحتاجين، وكل هذه المبادة التي قام بها الكثير من أبناء تعز وشارك فيها أيضًا من خارج أبناء تعز».
وبين الذبحاني أن مديريات تعز تعاني الحال نفسها التي تعانيها المدينة، من النقص في الغذاء والدواء ومياه الشرب وكل احتياجات العيش، منها مديرية الشمايتين، المعافر، جبل حبشي، المواسط، المسراخ والمواسط، ويعانون فيها حالة كارثية ونفسية، خصوصا الأطفال الآن يحتاجون إلى إعادة تأهيل نفسي، فهذه هي الكارثة الحقيقية، لأنهم فقدوا طفولتهم وأهاليهم وفرحتهم في العيد وأماكن لعبهم وتوقف الدراسة، وطوال فترة الحرب يعيشون فترة صعبة، وزادت مع فترة الحصار المطبق على المدينة من قبل الميليشيات، مشيرا إلى أن هناك أطفالا يعيشون مبتوري الأيدي والأرجل.
واعتبر الكارثة الحقيقية أن المنظمات الدولية لم تحاول مساعدة هؤلاء الأطفال، ولو حتى إعادة بسمة الطفل التي فقدها، حتى الأهالي النازحون في أماكن نزوحهم لا يمتلكون أي وسيلة لمساعدة الطفل فلا يوجد أي مختص في الجانب النفسي لمساعدة الأطفال ولا حتى حصلوا على الهدايا البسيطة بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
وبينما شهدت جبهات القتال الشرقية والغربية في مدينة تعز قتالا بين المقاومة الشعبية والجيش المؤيد للشرعية، من جهة، وميليشيات الحوثي وصالح، من جهة أخرى، وتقدم المقاومة والجيش وسيطرتها على عدد من المواقع وسط سقوط قتلى وجرحى من الميليشيات، شنت غارات التحالف العربي غاراتها على مواقع للميليشيات وتجمعات في قرية حذران وميلات، وخلف مصنع السمن والصابون، والمقهاية، ومدينة الصالح، وغارة أسفل تبة الشيباني عند نقطة الضباب، وتبة سوفتيل، معسكر الأمن المركزي وتبة السلال.
إلى ذلك، سقط، أمس، الكثير من القتلى والجرحى المدنيين جراء القصف الهمجي على الأحياء السكنية بتعز بصواريخ الكاتيوشا والهاوزر التي تركزت في شعب سلمان في وادي القاضي، وسط المدينة، المجاور لموقع جبل جرة الاستراتيجي، حيث تستمر الاشتباكات العنيفة بمحيط منزل المخلوع صالح والقصر الجمهوري وثعبات وشارع الستينزز.
وقال شهود محليين إن «ميليشيات الحوثي وصالح قاموا بقصف شعب سلمان في وادي القاضي قبل صلاة الظهر، أمس، خلال وجود العشرات من المدنيين والأطفال المتسوقين في البقالات والمحال التجارية، لتقتل بذلك ما لا يقل عن مدنيين اثنين وإصابة أكثر من 15 آخرين بينهم نساء وأطفال».
ويؤكد مصدر من المقاومة الشعبية أن «عناصر المقاومة والجيش طهروا مواقع كانت تحت سيطرة الميليشيات ومنها تطهير تبة المصارية، وبها يتم قطع خط إمداد ميليشيات الحوثي وصالح ما بين الجفينة وصرواح، كما أن الميليشيات تستمر بقصفها للأحياء السكنية من أماكن تمركزها في القصر الجمهورية ومفرق الذكرة ومن جبل أومان بالحوبان ومن جامعة بمنطقة الحبيل، مستهدفة بذلك أحياء الدمغة وقلعة القاهرة والكشار وثعبات».
ويضيف: «الجبهة الشرقية للمدينة شهدت اشتباكات عنيفة في ثعبات والجحملية، جوار منزل المخلوع صالح، الذي سيطرت عليه المقاومة والجيش في محاولة مستميتة لاستعادته، وكذا في منطقة الكمب وجوار كلية الطب وبريد كلابة وحي الصفا وشارع الأربعين، ومقتل العشرات من ميليشيات الحوثي وصالح عند محاولتهم اختراق مواقع المقاومة مستخدمين بذلك كل أنواع الأسلحة، كما شهدت جبهة الضباب اشتباكات عنيفة وأنباء عن استعادة الجيش والمقاومة مواقع مهمة».
وفي مدينة الحديدة الساحلية، غرب اليمن، جددت طائرات التحالف العربي غاراتها على مواقع عسكرية وتجمعات لميليشيات الحوثي وصالح، وطالت الغارات، أمس، الأمن المركزي بالحديدة واستهدف مبنى القيادة ومخازن الأسلحة وهنجر البوابة الرئيسية وعددًا من الأطقم العسكرية، وسط نزوح كبير للسكان المجاورين لمعسكر الأمني المركزي.
من جانبه، كشف مصدر في قسم الاستخبارات العسكرية في المقاومة الشعبية بإقليم تهامة بقيام ميليشيات الحوثي وصالح بنصب صواريخ سكود وتوشيكا في مزرعة نجل المخلوع صالح العميد أحمد علي عبد الله صالح، بمنطقة الجر، وقالت المقاومة على صفحتها في التواصل الاجتماعي (فيسبوك) إن «مصدرًا في قسم الاستخبارات العسكرية في المقاومة التهامية كشف عن قيام الميليشيات الإجرامية بنصب منصة صواريخ سكود طويلة المدى وتخزينها لصواريخ سكود وتوشيكا في محافظة الحديدة، وإن قسم الاستخبارات في المقاومة رصد إدخال الميليشيات الإجرامية لمنصة الصواريخ محملة بقاذف الصاروخ إلى معسكر التدريب، التابع لقوات الحرس الجمهوري، الواقع بمنطقة كيلو 16، البوابة الشرقية لمدينة الحديدة عاصمة إقليم تهامة، وكذا في مزرعة نجل المخلوع الواقعة أمام مصنع التغذية الواقع عند المدخل الجنوبي الغربي لمدينة باجل حيث قامت الميليشيات بإدخال مجموعة من صواريخ سكود وتوشيكا على أربع قواطر دخلت المزرعة وقامت الميليشيات بدفنها داخل تلك المزرعة».
وأضافت: «المنصة التي تم إدخالها معسكر التدريب في منطقة كيلو 16 لم تكن تحمل صواريخ، والصواريخ التي أدخلتها الميليشيات مزرعة نجل المخلوع في منطقة الجر بباجل كانت بشكل سري، وعملية نقلها تمت بصورة غير لافتة للأنظار، ودون أي حماية من أفراد الميليشيات».
بدورها، شنت المقاومة التهامية هجومًا مسلحًا بأسلحة الكلاشنيكوف على نقطة تتبع ميليشيات الحوثي وصالح في منطقة المرير القهراء بمديرية جبل رأس بالحديدة، المحاذية لمحافظة إب، وأنباء عن سقوط ما لا يقل عن 3 قتلى في صفوف الميليشيات.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.