عودة حوادث الخطف والاغتيال إلى الواجهة تجبر العوائل البغدادية على ترك مدينتهم

خرائط الهجرة تشغل العراقيين وتحدد مساراتهم نحو المجهول

شرطي مرور في أحد شوارع بغداد («الشرق الأوسط»)
شرطي مرور في أحد شوارع بغداد («الشرق الأوسط»)
TT

عودة حوادث الخطف والاغتيال إلى الواجهة تجبر العوائل البغدادية على ترك مدينتهم

شرطي مرور في أحد شوارع بغداد («الشرق الأوسط»)
شرطي مرور في أحد شوارع بغداد («الشرق الأوسط»)

تطول المشاوير في بغداد بسبب الاختناقات المرورية وازدحام شوارع العاصمة بالسيارات، وقد يستغرق الوقت لتقطع مسافة خمسة كيلومترات 45 دقيقة أو ساعة، وهذا ما يتيح الفرص للحديث مع سائق سيارة الأجرة، وفي أحيان كثيرة يتطوع السائق بفتح موضوع للنقاش قتلا للملل بسبب التوقف طويلا عند نقاط التفتيش أو اختناق مروري معين، مع أنه تم بالفعل اختصار الكثير من نقاط التفتيش ورفع الكثير من الحواجز الكونكريتية، باستثناء تلك الحواجز التي تسور بيوت المسؤولين الحكوميين أو أعضاء البرلمان الواقعة خارج المنطقة الخضراء المحصنة، رغم توجيهات رئيس الوزراء حيدر العبادي برفعها وفتح الطرق أمام الناس.
عند إشارة مرورية في عنق جسر الجادرية بجانب الرصافة من جهة جامعة بغداد وفي الطريق إلى حي المنصور في جانب الكرخ حيا سائق سيارة الأجرة شرطي المرور الذي بدا متعبا تحت أشعة شمس ساخنة للغاية. رد الشرطي التحية وأردف: «متى يفرجها الله علينا ونهاجر من هذا البلد؟».
خيبات الأمل التي يشعر بها المواطن العراقي كثيرة.. وهي خيبات متراكمة ومزمنة.. بدءا بالوضع السياسي أو ما يسميه السياسيون هنا بـ«العملية السياسية» مرورا بالأوضاع الأمنية وليس انتهاء بالحالة الاقتصادية خاصة أن العاملين، سواء في دوائر الحكومة أو القطاع الخاص، مصابون بهلع عدم الحصول على رواتبهم الشهرية بسبب العجز الكبير في الميزانية.
وأكثر الفئات العمرية شعورا بخيبة الأمل هم الشباب الذين صار جل حلمهم الهجرة إلى أوروبا بعدما وصلوا إلى حالة من اليأس من إيجاد فرص عمل مناسبة لهم تشعرهم بالاستقرار والاطمئنان على مستقبلهم. ويقول سائق سيارة الأجرة الشاب ثامر عباس، 32 سنة: «لقد تخرجت من جامعة بغداد، كلية الإدارة والاقتصاد (إدارة أعمال) منذ ما يقرب من سبع سنوات وبحثت عن أي فرصة عمل وفي أي مكان في دوائر الدولة لكن طلباتي كانت تصطدم بجدران تقديم الرشوة أو عدم انتمائي لأي حزب سياسي إسلامي خاصة»، وذكر أسماء وزراء ومسؤولين سياسيين ونواب عينوا أقاربهم في وظائف مرموقة مع أنهم لا يحملون سوى شهادات المتوسطة والإعدادية.
في المقاهي يجتمع الشباب حول خرائط توضح لهم الطرق التي سيتبعونها للهجرة نحو أوروبا، وخاصة إلى ألمانيا، ويتداولون فيما بينهم أبرز المصاعب التي قد تلاقيهم في مغامرتهم التي قد تكون الأخيرة إذا حالفهم سوء الحظ في بحر ايجة. وكي يعززوا بحثهم وإصرارهم فإنهم يتحدثون عبر «فيسبوك» أو «فايبر» مع أقارب أو أصدقاء لهم نجحوا في الوصول إلى أوروبا، ومن الطرف الآخر تصلهم التعليمات والنصائح من شباب مروا بالتجربة، بالمغامرة الصعبة، يدلونهم على الأشخاص (المهربين) المضمونين في تركيا الذين يتمتعون بسمعة جيدة كونهم نجحوا في تهريب أعداد كبيرة من العراقيين والسوريين عبر بحر ايجة إلى اليونان.
موضوع هجرة العراقيين تحول هنا إلى نكات مرة.. كوميديا سوداء يتداولونها عبر (فيسبوك)، ومن المشاهد الساخرة التي صورها بعض الشباب ووضعوها على (يوتيوب) صورة شاب يسبح في نهر ويتوقف ليسأل أحد الواقفين عند ضفة النهر عن الطريق إلى تركيا واليونان، ليكشف له الشخص الآخر بأنه يسبح في نهر الحلة بمحافظة بابل وأن عليه أن يواصل سباحته ليصل إلى اليونان.
وردا على هوس الهجرة الذي أصاب شباب العراق تطوعت مجموعة من النشطاء المدنيين من مدينة الناصرية في محافظة ذي قار (جنوب العراق) وقاموا بمسيرة راجلة قطعوا خلالها أكثر من 400 كيلومتر سيرا على الأقدام إلى بغداد وهم يرفعون لافتة تقول: «كي لا نهاجر». كان يفترض أن تصل المسيرة إلى المنطقة الخضراء وسط بغداد لتسليم رسالة إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي تطالبه بتوفير فرص عمل للشباب كي لا يهاجروا، لكنها اصطدمت بالحواجز الكونكريتية والأسلاك الشائكة والقوات الأمنية التي تحمي بوابات المنطقة الخضراء، فانضمت فيما بعد إلى مظاهرات ساحة التحرير وسط العاصمة.
ويرى الشاب حسن البياتي، 27 عاما، وهو من سكان منطقة الحارثية الراقية أن «الحكومة غير آبهة أو مهتمة بهم، وأن فئة الشباب ليست في حسابات البرلمانيين والوزراء أو رئيس الوزراء الذين يجب أن يحالوا على التقاعد لعدم تقديمهم أي شيء للبلد»، ويتساءل هذا الشاب الذي أكمل دراسة تكنولوجيا الحاسوب وبرمجياته، قائلا: «هل سمعت أن البرلمان أو الحكومة ناقشوا بجدية ظاهرة هجرة الشباب واقترحوا بدائل لإيقاف موجات الهجرة؟ يبدو كأنهم سعداء بالتخلص من شباب وكفاءات العراق ليبقوا هم يسرقون أموال البلد ويحصرون الوظائف في داخل العراق وخارجه في السفارات بأبنائهم وأقاربهم بينما نعاني نحن من الحرمان والبطالة». ويستطرد البياتي قائلا: «اضطر والدي لبيع سيارته الخاصة وسحب ما وضعه في المصرف من مبلغ لتأمين مستقبل العائلة وأعطاه لي ولشقيقي لنهاجر ونجد مستقبلنا في أوروبا، وهذا ما فعلته وتفعله غالبية العوائل، بل إن عوائل بأكملها باعت بيوتها وما تملك من عقارات أخرى وهاجرت.. هذا حرام بالفعل حرام.. ثم يتحدثون عن الكفاءات الوطنية وسبب هجرتها.. هذه نكتة سوداء».
ويتحدث مدرس للغة الإنجليزية عن زميل له هاجر أبناؤه الثلاثة دفعة واحدة، وقال: «عرفت هؤلاء الأبناء عن قرب وهم يتمتعون بمواهب علمية وفنية، كبيرهم مهندس معماري، والابن الأوسط رياضي معروف عربيا، والأصغر ممثل مسرحي موهوب وقدم أعمالا مسرحية في أوروبا.. هذا يعني أن العراق خسر ثلاث كفاءات ثمينة، وهذا نموذج أعرفه عن قرب وهناك لو دققنا في معلومات الشباب المهاجرين أو الذين ينوون الهجرة سنجد أن آلاف الأطباء والمهندسين والفنانين المبدعين تركوا البلد دون التفكير بالعودة».
ويضيف هذا المدرس قائلا: «المشكلة أن أحدا من وزارة التخطيط أو البرلمان العراقي لم يكلف نفسه إجراء مثل هذا البحث أو التفكير بطرق ناجعة لإيقاف موجات الهجرة التي تتصاعد أعدادها يوما بعد يوم».
وإذا كانت الأوضاع الاقتصادية وغياب فرص العمل والشعور باللاجدوى هي التي تدفع الشباب للهجرة، فإن شعور العوائل باللاأمان واللااستقرار هو الذي يجبر العوائل العراقية على الهجرة. فقد عادت حوادث الاختطاف والاغتيال إلى واجهة الأحداث في بغداد خاصة، إضافة إلى سيطرة الميليشيات على المشهد الأمني، واعتراف رئيس الوزراء خلال لقائه بقادة عمليات بغداد بهذه الحوادث التي اعتبرها «أعمالا معادية للبلد وتحديا للحكومة»، أقلقت الآباء والأمهات على مصير أبنائهم، خاصة، ومصيرهم كعوائل، عامة.
لكن هناك أيضا ما يمكن تسميته بالهجرة المعاكسة، أي عودة عوائل عراقية من أوروبا ولبنان والأردن والولايات المتحدة إلى العراق. وتقول زينة، وهي تدريسية في كلية العلوم بجامعة بغداد: «أنا عشت ما يقرب من عشرين عاما في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة وحصلت على شهادة الدكتوراه في علوم الحياة وقررت العودة مع زوجي إلى بغداد بينما اختار أبنائي البقاء هناك». وتدرس زينة تدرس اليوم في كلية العلوم بجامعة بغداد بعد أن حصلت بصعوبة على فرصة عمل هنا، وتوضح: «أساسا أنا كنت معيدة في جامعة بغداد قبل أن أترك العراق مضطرة وعندما عدت كان علي أن أصارع الروتين والوساطات للعودة إلى الجامعة رغم أني أحمل شهادة عليا وبالفعل تمكنت من ذلك». وتصف الحياة في العاصمة العراقية بأنها «ليست نموذجية أو جيدة جدا لكنها مقبولة لا سيما أن بغداد مدينتي التي ولدت وعشت فيها وأنا عراقية وأريد أن أقدم لطلابي خبرات علمية هم بحاجة لها.. نعم هناك الكثير من التحديات والمصاعب الخدمية والأمنية لكننا يجب أن نحاول إعادة الأمور إلى نصابها بقدر ما نتمكن».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.