المقاومة السلميّة في «صمت البحر»

يعتبره كثيرون أهم وأفضل نص أدبي مقاوم للاحتلال النازي الألماني لفرنسا

المقاومة السلميّة في «صمت البحر»
TT

المقاومة السلميّة في «صمت البحر»

المقاومة السلميّة في «صمت البحر»

صدرت عن دار «أزمنة» بعمّان طبعة جديدة لرواية «صمت البحر» للكاتب الفرنسي فيركور «جان مارسيل برولر»، الذي أنجزها في صيف 1941 ونشرها أول مرة في «مطبوعات منتصف الليل» بباريس في 20 فبراير (شباط) 1942. وقد عدّها النقاد والقرّاء في أوروبا وأميركا بأنها أهمّ وأفضل نص أدبي مقاوم للاحتلال النازي الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.
تناوب على ترجمة هذه النوفيلا وحيد النقاش، ورشيد التركي، ومازن محمد علي المغربي، وظهرت في أربع طبعات، وأخيرًا جاءت الطبعة الخامسة عن «دار أزمنة» بعمّان لعام 2015 «ليس لأنها أهمّ وأشهر كتابات المقاومة في تاريخ الأدب الحديث وحسب (كما يذهب إلياس فركوح) بل لأنها أرتنا كيف للمقاومة السلبية غير المسلحة أن تكون ذات فعالية هائلة متمثلة في الصمت. صمت بمقدوره أن يكون (مُخترِقًا) في وقتٍ ما، ومكانٍ ما، وظرفٍ ما، وحيال شخص ما» (ص 7 - 8).
لا شك في أن نفاد هذه الطبعات الأربع من الأسواق والتي لم تجتز الألف نسخة لكل طبعة في أفضل الأحوال هو سبب منطقي لإعادة نشرها من جديد آخذين بنظر الاعتبار أن هذه «النوفيلا» قد تُرجمت إلى 17 لغة عالمية وبيع منها أكثر من مليون نسخة في أوروبا وأميركا الشمالية باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
تقوم بنية «صمت البحر» على ثلاث شخصيات رئيسية وهي الرجل الكهل وابنة أخيه، اللذان لم نعرف لهما اسمًا، والضابط الألماني فرنر فون إيبرناك الذي ينطوي على شخصية إشكالية فهو مؤلف موسيقي، ومثقف واسع الاطلاع على الثقافة الأوروبية، وينتمي إلى الجيش الألماني النازي لكن سلوكه اليومي ليس نازيًا البتة، فهو شخص مهذب يحترم الكهل الفرنسي وابنة أخيه على الرغم من مقاطعتهما التامة له. فهما يعتبرانه مُحتلا للبيت أو الوطن بالمفهوم الأوسع لذلك قررا مقاومته بالصمت وكأنه غير موجود فهو الوحيد الذي يتحدث وكأنه يؤدي دورًا مونودراميًا في مسرحٍ خالٍ من النظارة.
لم يشأ جان برولر أن يزجّ قارئه في أجواء الحرب وبشاعاتها المعهودة، وإنما اكتفى بهذه الشخصيات الثلاث التي تجسد فكرة الاحتلال ومقاومته بطريقة سلمية عبر الصمت لا غير ومقاطعة المحتل المتمثل بالضابط الألماني الذي يوحي اسمه بأنه ليس ألمانيًا «فهل تراه ابن مُهاجر بروتستانتي؟»، كما تساءل الكهل وكأن لسان حاله يقول بأن هذا الضابط الدمث الأخلاق الذي لا يلج البيت إلاّ بعد أن يقرع الباب، وإذا دخل فإنه يستجير بعبارة «إذا سمحتم» أو «إنني شديد الأسف»، الأمر الذي دفع صاحب المنزل إلى عدم جرح مشاعر هذا الضيف الثقيل المفروض بالقوة حتى وإن كان عدوًا له. لقد أربكَ هذا الضابط توقعات الكهل وابنة أخيه حين قال: «إنني لأشعر بتقدير كبير للأشخاص الذين يحبون وطنهم» (ص27). فالغازي لا يروّج عادة لفكرة حُب الوطن المُحتَّل، وإنما يسعى إلى تدميره، وتحطيم إرادة أبنائه.
يتكثّف الصمت كل يوم على الرغم من اعتذارات الضابط المتواصلة بأن غرفته باردة جدًا وأن ذريعته في النزول إلى غرفة الاستقبال هي التماس الدفء وقوفًا، فهو لم يجلس على مدى ستة أشهر أو يزيد على الرغم من وجود مقعدٍ خالٍ شديد القرب منه لأنهما لم يطلبا منه الجلوس كي لا يتحطّم الصمت الذي يكثفانه يومًا إثر آخر.
على الرغم من أن الكهل هو الراوي في «صمت البحر» فإن الضابط الألماني يؤازره في العملية السردية أو في البوح، إن شئتم، أو حتى إثارة بعض الأسئلة التي لا يتوقع لها ردودًا محددة. فمن خلال عملية البوح نكتشف أنه كان طفلا أثناء الحرب العالمية الأولى، وأنه كان يحب فرنسا منذ ذلك الحين. وأن والده كان يحب أريستيد برايان ويؤمن بجمهورية فيمار.
يؤكد لهما الضابط أنه موسيقي ومن المُضحك أن يرى نفسه «رجل حرب» ولا غرابة في أن يعتذر لهما إذا كان قد جرح شعورهما، وأنه يحب فرنسا جدًا ويعتقد بأن هناك أشياء عظيمة سوف تحدث لاحقًا لألمانيا وفرنسا. الأمر الذي يدفع العم الكهل للقول: «ربما كان من غير الإنساني أن نرفض التحدث إليه ولو بكلمة واحدة».(ص 34 - 35).
لم يظهر لهما الضابط في بزته العسكرية مذ عاد مبتلاً ربما لأنه يريد أن يجنبهما الزي المعادي لهما وأن يطل عليهما دائمًا بملابسه المدنية. تلعب كلمة الروح دورًا مهمًا في هذه الرواية. فغرفة الاستقبال المُضاءة بنار الموقد لها روح، والمنزل له روح أيضًا مثلما لفرنسا برمتها روح توحِّد أبناءها الخلّص المناهضين لأي احتلال.
لم يقدّم برولر الضابط الألماني كرجل حرب، وإنما كشخص مثقف يعرف عشرات الكُتّاب والمفكرين والموسيقيين الأوروبيين، وأكثر من ذلك فقد قدّمه كمبشِّر بالمحبة والسلام: «ستكون هذه هي الحرب الأخيرة! لن نشتبك بعد الآن، وإنما سنتزوج» (ص39).
يسرد لهما إيبرناك قصة «الحسناء» التي روضت «الوحش» ويأمل في أن تروّض باريس وحشها الألماني وتنزع مخالبه وأنيابه. حدثهما عن القرية التي عاش فيها، والحواضر التي زارها، والمدن التي أحبها جدًا لأن لديها روحا مثل مدينتي براغ ونورنبرغ، ولأن كل حجر فيها يحمل ذكرى أولئك الناس الذين صنعوا مجد ألمانيا الغابرة، وهو الإحساس نفسه الذي يراود الفرنسيين حينما يقفون أمام كاتدرائية شارتر.
يعتقد إيبرناك أن الحُب المتبادل هو العلاج لوحشية النازيين، وأن فرنسا المتحضرة «ستعملهم كيف يكونون رجالا أطهارًا وعظماء حقا» (ص 50).
تنعطف تيمة الرواية في قسمها الثاني حينما يذهب إيبرناك في إجازة إلى باريس لمدة أسبوعين فيترك فراغًا لدى العم وابنة أخيه، ويلتقي بالعديد من أصدقائه الذين يتفاوضون مع رجال السياسة الفرنسيين فيُصاب بالإحباط ويعترف في قرارة نفسه بأنه كان ضحية للدعاية النازية وأكاذيبها الكبيرة.
لا يقتصر التبدل على إيبرناك، وإنما يمتدّ إلى الرجل الكهل الذي أجاب على الطارق بعبارة: «تفضل سيدي»! تُرى لماذا أضاف كلمة «سيدي»؟ هل كان يدعو الإنسان لا الضابط العدو، أم أنه كان يجهل هُوية الطارق؟ قال الضابط: «علي أن أُدلي لكما بكلام خطير»، مفاده أن القوم المنتصرين سخروا منه. «ألم تفهم أننا نهزأ بهم؟ أفلا تفترض أننا ببلاهة سنترك فرنسا تنهض على حدودنا؟ كلا، نحن لسنا بموسيقيين» (ص 56 - 66). ثم أضافوا: «إن الفرصة أمامنا للقضاء على فرنسا، وسنقضي عليها. لا على قوتها فقط، ولكن على روحها أيضا، ففي روحها يكمن الخطر، كل الخطر» (ص 66). لقد أيقن إيبرناك بأنه ليس هناك أمل خصوصًا حينما سمع صديقه الشاعر يقول: «سوف نجعلهم يبيعوننا أرواحهم في مقابل طبق من العدس» (ص 69). كم كان مخدوعًا ومغفلا بترويض الوحش النازي الذي كان يشيّد لألف سنة مقبلة لكنه بدأ بالهدم الآن وتشويه وجه باريس الجميل. عند ذاك استعمل حقوقه وطلب الالتحاق بالجبهة الشرقية وغدًا سوف يسمحون له بالرحيل.. إلى الجحيم». تصل التيمة إلى ذروتها القصوى حينما تكسر البنت حاجز الصمت الكثيف وترد على إيبرناك بكلمة وداعًا بينما هو يغلق الباب مبتسمًا ويتلاشى وقع خطواته في نهاية الدار.
لم يكن جان برولر (1902 - 1991) كاتبًا معروفًا حينما أصدر روايته الأولى «صمت البحر» وإنما كان رسامًا وفنانًا غرافيكيًا، لكن أعماله الأدبية تواترت حتى جاوزت العشرين كتابًا، نذكر منها «الغضب»، و«حيوانات ممسوخة»، و«سيلفا» و«آن بولين».



لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.