خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

الدولة تحاربها كلها من دون النظر إلى «لوائها».. وجميعها خرجت من «تلوّنات» عباءة «الإخوان»

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح
TT

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

تواصل السلطات الأمنية في مصر ملاحقة الجماعات والتنظيمات المتطرفة التي تستهدف القوات المسلحة وقوات الأمن بجانب شخصيات في الدولة، في مناطق مختلفة من البلاد، ولا سيما في شبه جزيرة سيناء. وكانت العملية الأخيرة في الصحراء الغربية التي سقط فيها عن طريق الخطأ عدد من السياح المكسيكيين، قد كشفت جدية الإجراءات الأمنية التي تتخذها السلطات المصرية في غرب البلاد وإعلانها هناك «مناطق محظورة» لدرء خطر تسلل عناصر «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى من ليبيا ودول الصحراء الكبرى.

بعد أكثر من سنتين على نشاط محموم لجماعات الإرهاب المختلفة على الأراضي المصرية، التي أججتها ثورة شعبية ضد حكم جماعة الإخوان التي رفعت، بحسب مراقبين، راية خادعة تدعي الحكم تحت لواء الدين، تنوعت التنظيمات المسلحة التي تعمل ضد الدولة المصرية واختلفت تسمياتها. وظهرت «حركات» قد يصعب تصنيف انتماءاتها، وانشقت بعض عناصرها عن بعض لتعلن الولاء لجهات أخرى، ما أسفر عن تغير كبير في خريطة جماعات الإرهاب المسلح.
ومن جانبها، سعت الدولة المصرية التي تحارب كل عناصر وجماعات الإرهاب والعنف دون تفرقة أو انتظار للتصنيف، لمحاولة حصار تمدد الجماعات والكيانات المسلحة أمنيا وسياسيا، فقامت بفرض حالة الطوارئ في مربع العمليات العسكرية الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة سيناء منذ أكثر من تسعة أشهر، بينما صدر قانون «مكافحة الإرهاب» مؤخرا لوضع تعريفات قاطعة لـ«الإرهاب» و«الإرهابي» و«الجماعات الإرهابية» و«الجريمة الإرهابية»، كما نص على العقوبات المستحقة بحق هذه الجرائم ومرتكبيها، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمل القانوني والأمني في مواجهة تلك الظاهرة.
«الشرق الأوسط» استطلعت خريطة جماعات الإرهاب في مصر، مع إلقاء الضوء على نشأتها وأصولها وآيديولوجياتها السابقة والحالية، من أجل فهم أعمق للشكل الحالي لهذه الجماعات والتنظيمات، والتي شهدت تاريخيا موجات من النشاط والكمون المتوالي في مصر، تصل دوراتها إلى ذروتها العنيفة كل نحو عشرين عاما، حيث سبق أن ظهر أوج النشاط في الثلاثينات، والخمسينات، والسبعينات، والتسعينات من القرن الماضي، ثم مجددا في العقد الحالي.
ويفسر أحمد بان، الباحث والخبير المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ«الشرق الأوسط» سر هذه الدورات بالقول إن «هناك سياقا سياسيا وآخر حركيا.. الأول معلوم ومرتبط بوقائع التاريخ وظروفه الحتمية، أما السياق الحركي فيرتبط بالمراوحة بين مراحل الكمون والهجوم، وهو آلية المجموعات الإرهابية، التي تظهر وتتسلق عندما يسمح الفضاء ببروزها، وعندما تصبح مطارق الأنظمة أعنف وأقوى تدخل في كمون حتى تستكمل لياقتها للهجوم من جديد».
ومنذ تفشي موجة الإرهاب عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وفض اعتصامات مؤيديه على طرفي العاصمة المصرية، انتشرت جماعات العنف المسلح التي تعمل على الأرض المصرية، وبينها من أعلنت ولاءها لتنظيم داعش على غرار أنصار بيت المقدس، أو من أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة على غرار كتيبة المرابطين، بينما احتفظت حركات أخرى بولاء «معنوي» لأي من التنظيمين دون تبعية تنظيمية صريحة، وارتبطت أخرى مباشرة بتنظيم الإخوان، فيما بقيت عدة حركات غير منتظمة تعمل تحت السطح دون أن يعرف لها قائد أو لواء.
وفي محاولة لسبر أغوار ذلك التباين، عادت «الشرق الأوسط» إلى الأصول الأولى لنشأة تلك الجماعات. ووفق أحمد بان فإن «أي تقسيم لا بد أن يمر عبر الحديث عن تيارات اليمين الديني في مصر التي تأسس جذرها منذ عام 1913، بما سبق ثورة عام 1919 في مصر التي فتحت فضاء الدولة المدنية في مصر. وأتصوّر أننا منذ بداية القرن الماضي نعيش صراعا بين مفهوم الدولة الدينية ومفهوم الدولة المدنية، حيث بدأ الأمر مع تشكّل أول كيان منظم للجماعات المتشددة في مصر في عام 1913. وجاءت بعده حركة أنصار السنة المحمدية في عام 1926، وهو التاريخ الذي استبق نشأة حركة الإخوان المسلمين في عام 1928، التي أسست لنمط إسلامي حركي لمشروع ينتظر أتباعه بهدف إقامة الدولة، وهي التي أصبحت مظلة لكل التيارات الدينية منذ هذا العام، ما بين إخوانية وسلفية وجهادية، حيث اتسعت مساحتها لتضم كل هذه المجموعات أو هذا الطيف الثلاثي».
وعن تحولات بوصلة جماعة الإخوان، التي أسفرت لاحقًا عن تنوع إفرازاتها من جماعات، يوضح الباحث بان لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة انتقلت في عام 1938 من حيز «الصوفية الهادئ» الذي اختارته لحركتها لمدة عقد كامل، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» اتساقًا مع سياق وجود الحركات المسلحة في مصر بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية، على غرار «القمصان الزرقاء»، وهي جماعات شبه عسكرية شكلها شباب حزب الوفد (القديم) عام 1937 حتى عام 1941، و«القمصان الخضراء»، التي أسسها بدوره حزب «مصر الفتاة» (حزب قديم اختفى من الساحة حاليًا).. وكانت الحرب العالمية الثانية قد أفرزت لجوءًا عالميًا واسعًا للحركات العسكرية المسلحة لحسم الخلافات.
وكما يصف بعض المراقبين جماعات الإسلام السياسي بالتلوّن، فإن وصف «الحرباء» كثيرًا ما استخدم في الأدبيات السياسية الدولية لوصف جماعة الإخوان، لكثرة تغييرها جلدها الاجتماعي والسياسي تماشيا مع مختلف الظروف. وهنا يقول أحمد بان إن جماعة الإخوان كانت دائمًا «تتماهى» مع المحيط الذي تجد نفسها بداخله، ففي مصر الهادئة التي تقبل التصوف، ارتدت الجماعة «القناع الصوفي»، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» عام 1938، وتظل على ذلك حيث أسست النظام الخاص في عام 1940 كأول ميليشيا مسلحة لممارسة العنف ضد الدولة ومؤسساتها، وطرحت نفسها كـ«دولة في مواجهة الدولة، بجيش وسمع وطاعة». وظلت هذه الصيغة مسيطرة حتى مطلع السبعينات مع وفاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، عندما اختارت الجماعة أن ترتدي «القناع السلفي الهادئ» لتطمئن النظام الحاكم آنذاك، وتنشغل بترتيب وتقوية صفوفها وبنائها التنظيمي، بينما عهدت لمجموعات أخرى قريبة منها بالحركة في المربع الجهادي (العنيف والمسلح). وهو ما ظهر جليًا في تحقيقات حادثة «الفنية العسكرية»، وشهادة صالح سرية وكارم الأناضولي وغيرهما، كما كانت مجموعة «التكفير والهجرة» بزعامة شكري مصطفى، الذي كان بدوره إخوانيًا.
ويتابع بان: «بالتالي، خرجت من تحت عباءة الإخوان جماعات العنف المسلح، سواءً (الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) أو (التكفير والهجرة)، أو كل ما خرج من جماعات فيما بعد، قبل أن ترتدي جماعة الإخوان في عام 2004 القناع الليبرالي، حين قدمت مبادرة للإصلاح السياسي في نقابة الصحافيين المصرية في هذا العام، وتبنت مخرجات العمل السياسي المدني وحاولت أن تتماهى مع المحيط الذي يرفع راية التغيير والذي أطلقته حركة كفاية آنذاك، بينما ظلت باقي الأجنحة التي تسرّبت من الجماعة الأم تعمل في فضاء العنف. ثم شهدنا موجة العنف في آخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي التي تصاعدت بمقتل (الرئيس الأسبق) أنور السادات، ثم موجة العنف التي أنتجت الجماعة الإسلامية التي دخلت في صراع مع الدولة المصرية لعقد من الزمان (في التسعينات)، قبل أن تعلن مبادرة وقف العنف وسياسات المراجعات الفكرية. وأيضا ظهرت مجموعات الجهاد الصغيرة في أكثر من شكل، مثل (جماعة الجهاد المصرية) أو تنظيم (الناجون من النار) أو (طلائع الفتح) أو (الشوقيون)، وغيرهم من المجموعات الصغيرة التي كانت تحت نفس العنوان الجهادي».
ويتابع بان شرحه فيقول: «بعد التغيرات السياسية التي شهدتها مصر خلال الأعوام التي تلت ثورة 25 يناير عام 2011، من نشأة أحزاب بمرجعية دينية، وصعود أجنحة اليمين سياسيا، إضافة إلى انفجار العنف عقب عزل جماعة الإخوان، أصبحنا الآن ربما أمام مشهد يعكس أن كل مجموعات الإسلام السياسي تمحورت بين اتجاهين اثنين، اتجاه (الجهاد المسلح) الذي انضمت له جماعة الإخوان منذ أحداث رابعة العدوية.. والاتجاه (السلفي الهادئ) المهادن للنظام السياسي، والذي لا يخرج على النظام بمنطق أن (من قويت شوكته، وجبت طاعته)».
وحول حقيقة ما يمكن أن يكون موجودًا من صراع بين هذه التنظيمات على الأرض، خصوصا في حال تداخل مناطق ونطاقات عملها، يقول بان إنه لا يرى وجود صراع حقيقي «حاليًا» في مصر، مفصلاً: «إنهم الآن يتحدون على هدف واحد وهو إسقاط النظام المصري وإسقاط الدولة، تمامًا كما توحدت الفصائل الأفغانية على إسقاط الاتحاد السوفياتي، وعندما انتصروا بدأت الخلافات في الظهور، وبدأ الصراع والحروب فيما بينها واستمرت الحرب الأهلية لعشر سنوات قبل أن تسيطر حركة طالبان».
ثم يتابع بالقول: «هذا المشهد في تقديري هو (المشهد التقليدي) لمجموعات الإسلام السياسي.. بمعنى أن الخلافات فيما بينها تتوارى عند ظهور (عدو مشترك). وعندما يختفي هذا العدو، تبرز وتكبر هذه الخلافات إلى الحد الذي يدفعها إلى الاقتتال مع بعضها البعض. ولقد شهدنا في (محك صغير) في سوريا كيف تتقاتل مجموعات (جبهة النصرة) مع (داعش)، على الرغم من أن العدو المشترك - أو المعلن على أقل تقدير - لم يسقط بعد».
من ناحية أخرى، يؤكد خبراء أمنيون مصريون لـ«الشرق الأوسط» أن هناك الكثير من الدعم الذي تقدمه «جهات خارجية» إلى مجموعات الإرهاب في مصر، سواء كانت تلك الجهات تنظيمات على غرار «القاعدة» أو «داعش»، أو حركات ناشطة في قطاع غزة، أو حتى دولا وأجهزة استخبارات إقليمية.. ويشدد أحمد بان على القول إن: «لدينا مشكلة متعلقة بالتصوّر، وقد تكون هذه هي الثغرة الكبرى في مواجهة هذه المجموعات، وهي أن معظم الدول خلال مقاومة هذه المجموعات تنشغل بـ(التنظيمات)، بينما التنظيمات هي التجلي الأخير للأفكار.. دون أن تنشغل هذه الدول بشكل كاف بمقاومة الأفكار وتفنيدها بتقديم أفكار أكثر وجاهة أو نضجًا أو اتصالاً بحقائق الإسلام». ويتابع الخبير في شؤون الجماعات قائلا: «نجد مثلا أن باب الجهاد، وهو أحد فرائض الإسلام، تم تشويهه بالخلط بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، إضافة إلى فكرة الولاء والبراء وما تستتبعه.. كل هذه الأفكار صنعت (بيئة حاضنة) لدعم هذه المجموعات، وتجسدت في أن البعض بمختلف دول العالم الإسلامي وضعوا زكاة أموالهم وصدقاتهم في هذا الباب، وهذا رافد مستمر. فضلا عن رافد متعلق بـ(التمكين) في بعض المناطق، حينما نجحت بعض هذه التنظيمات في السيطرة على حقول نفط أو مناطق أثرية أو خطف للرهائن للحصول على فدى كبيرة.. وكلها روافد تدعم وجود دعم مالي مستمر ومنتظم لهذه المجموعات».
في هذه الأثناء، على المستوى الرسمي، تواجه الدولة المصرية الحركات الإرهابية وتنظيمات العنف «أينما كانت، وأيًا كانت الراية والاسم الذي ترفعه»، بحسب تصريح لمصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط»، الذي أوضح أن «الأجهزة المصرية المختصة تحلل الموقف لحساب تبعاته، رغم أن رد الفعل سيظل واحدًا من حيث العقيدة في كل الأحوال، لكن طريقة التعامل والتفكير المضاد هي المتغير».
وتابع المتحدث أن «إعلان الحرب على الإرهاب بكل أشكاله وصوره يتضمن في جزء هام منه متابعة موارده المادية والفكرية وتطورات عمله بشكل معمق من أجل القضاء عليه»، فيما يعلن الجيش موقفًا حازمًا تمثل في تصريح مقتضب لكنه حاسم للمتحدث العسكري العميد محمد سمير في مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، قال فيه: «لا يمكن لأي قوة على الأرض أيا كانت أن تسمح لها القوات المسلحة أن تسيطر ولو على مليمتر واحد من أرض سيناء»، وإذا كان هذا هو الحال الذي تحدث عنه الناطق باسم الجيش في سيناء التي تشهد ذروة عمل الجماعات الإرهابية، فإنه يتبعه بالتأكيد أن سيطرة هذه العناصر «محظورة» على كافة تراب أرض مصر.
وعن أثر الجهات الخارجية في الصراع المسلح بين فصائل الإرهاب، حسب رأي الباحث أحمد بان «هناك اختراق واسع من بعض أجهزة المخابرات لهذه المجموعات التي يسهل عمليا اختراقها، ولعل الولايات المتحدة عندما اخترقت مجموعات (القاعدة) وتمكنت من خلال أحد عملائها داخل التنظيم من الحصول على تقنية (القنابل البلاستيكية) التي كانت تمرّر عبر البوابات الإلكترونية دون اكتشافها، يكشف أن هذه التنظيمات مخترقة.
من ناحية أخرى، يشير خبراء استراتيجيون مصريون استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حول مستقبل الإرهاب في مصر إلى أن التنمية الحقيقية ومكافحة منابع الفكر هي السبل الوحيدة الحقيقية لوقف سيل الإرهاب والعنف في مصر.
اللواء حسام سويلم، الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري، قال في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، إن أي «عمليات عسكرية لمواجهة الإرهاب ستواجه بالفشل إذا ما جرت دون مواجهة ما تفرزه منابر التطرف يوميا من عشرات المتطرفين الجدد، دون أن يواجه ذلك من قبل مؤسسات الدولة بفكر مقابل». كما أوضح اللواء محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، في رؤيته أيضًا، أن «محاربة الإرهاب الحقة والتعاون الدولي السليم يستوجب أن يكون هناك معايير ومكاييل واضحة.. ويجب الاتفاق على تلك المعايير للتخلص من كل الإرهابيين في ذات الوقت وعلى كل المحاور، فيجري تتبع وتجفيف منابع التمويل مع إصلاح سياسي، في خطوات متوازية ومتوازنة في المنطقة كلها لأن الأمور كلها مترابطة، وهو ما من شأنه ذبول جذور الإرهاب، ثم اللجوء إلى ضربات إذا احتاج الأمر للقضاء على البقية الباقية على السطح».
ويتفق الباحث أحمد بان مع الرؤى التي تهدف إلى ما هو أكثر من العمليات العسكرية والأمنية وحدها لمكافحة الإرهاب، قائلاً إن «مستقبل هذه الجماعات مرتبط بمستقبل الدولة الوطنية، فعندما تجد دولة مثل الدولة الألمانية، التي كان لديها «حزب نازي» يريد أن يغزو ويحكم العالم ولديه عقيدة بأنه (أفضل الأجناس)، ثم انطوت صفحة هذا الحزب عندما نشأت دولة قوية بمشروع تحديثي واضح ومحدد المعالم بحيث إنها لم تجد حتى أن هناك حاجة لحظر الحزب، الذي ما زال باقيًا في ألمانيا لكنه لا يحظى بأي مقاعد داخل البرلمان، وليس له أي تأثير على سياسات الدولة لا الخارجية ولا الداخلية. هذا يؤكد أن خيار التنمية والتحديث هو الطريق الصحيح لكسر شوكة هذه المجموعات واستيعابها داخل إطار دولة مدنية حديثة، وعليه فكلما تراجعت الدولة ارتفعت موجة هذه المجموعات، والعكس صحيح».

أبرز الجماعات المتطرفة في مصر

* تنظيم أنصار بيت المقدس (أو ولاية سيناء): ظهر في عام 2011، وأعلن مبايعة تنظيم داعش وتغيير اسمه في نهاية عام 2014. قام بعدد من العمليات الكبرى أغلبها في داخل شبه جزيرة سيناء، والتي استهدفت عناصر الجيش والشرطة والمنشآت العسكرية، إضافة إلى سكان محليين ورجال قضاء.
* تنظيم أجناد مصر: ظهر اسمه قبل نحو سنة، ورفض مبايعة تنظيم داعش الإرهابي أو العمل تحت راية تنظيم القاعدة. نفذ الكثير من العمليات في عمق مصر بعيدا عن سيناء، أغلبها تفجيرات باستخدام عبوات ناسفة.
* كتيبة المرابطين: أسسها الضابط المفصول من الجيش المصري هشام عشماوي، بعد انشقاقه عن «أنصار بيت المقدس» اعتراضًا على مبايعة «داعش».. وتولى إمارتها وحمل كنية «أبو عمر المهاجر المصري»، معلنا ولاءه لتنظيم القاعدة. وعشماوي و«كتيبته» هما المتهم الرئيسي في عملية اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات.
* «العقاب الثوري» و«كتائب حلوان»: مجموعات غير محددة التنظيم، تتبنى أحداثا عشوائية تتصل أغلبها بالهجوم بالقنابل الحارقة (المولوتوف) على المنشآت والأفراد والاستهداف التخريبي لأبراج الكهرباء في مختلف محافظات مصر، وتنتمي آيديولوجيًا إلى جماعة الإخوان.
* «التوحيد والجهاد»: جماعة تكوّنت في سيناء عقب هروب عناصرها الإرهابية، والتي عملت سابقا تحت تسميات متعددة، من الملاحقات الأمنية في مختلف أرجاء مصر خلال عقود ماضية. مسؤولة عن عدد من عمليات استهداف الجنود وخطفهم في سيناء.
* فلول من جماعات «الناجون من النار» و«جند الإسلام» و«مجلس شورى المجاهدين» و«التكفير والهجرة»: موجودون في غالبيتهم في سيناء، وأغلبهم يوالي «القاعدة» آيديولوجيًا.. نشاطهم غير منتظم.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.