ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أكد أن زيارة الملك سلمان إلى واشنطن تؤكد رسوخ العلاقة الاستراتيجية

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي
TT

ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي

قبل أن يتسلم ستيفن هادلي مسؤولية الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جورج دبليو بوش، كان مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستراتيجية العالمية، وحاليًا هو في مؤسسة تجمعه بوزير الدفاع السابق روبرت غيتس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، وصف هادلي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن بـ«الناجحة جدًا»؛ كونها أكدت أن العلاقات القوية، ومنذ عقود بين السعودية والولايات المتحدة، تستطيع أن تقاوم كل الخلافات وتستمر. وأشار إلى أن هذه الزيارة أكدت استمرار الحوار بين البلدين، حول كيفية التعاطي مع كل الاضطراب الذي يعصف بالشرق الأوسط، انطلاقًا من قوة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. ونفى هادلي أن يكون قانون «التفوق العسكري الكمي» مع إسرائيل يمنع واشنطن من توقيع اتفاقية دفاع مشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ورأى أنه يجب دعم مصر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى وضع استراتيجية سياسية أكثر شمولاً. وأكد أنه على روسيا إدراك أن الرئيس السوري بشار الأسد انتهى فعلاً في سوريا، وأن دعمها وإيران لنظامه أطال أمد الحرب الدموية، ورأى أن عليهما المشاركة في تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد للانشقاق عن الأسد، تسمح له بمغادرة المسرح السياسي. وقال هادلي: «إن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها بالتدخل في سوريا». كما أشار إلى أن تجربة الروس في الشيشان لن تتكرر في سوريا والعراق.
وقال إن منتقدي الاتفاق النووي يرون أنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس أن أميركا ستقوم بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما حاولت خلال فترة الاتفاق أو بعده تصنيع أسلحة نووية. ووعد بأنه إذا جاء الجمهوريون إلى السلطة عام 2017 فإن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ستكون مختلفة جدًا «وسنرى ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة».
* ما تقييمك لزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن، وما الرسالة التي أراد الرئيس باراك أوباما توجيهها باستقباله العاهل السعودي على مدخل البيت الأبيض؟
- أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدًا، وأعتقد أن الملك سلمان والرئيس أوباما أرادا توجيه الرسالة نفسها؛ بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تبقى قوية، وأننا نتقدم في هذه العلاقة على الرغم من بعض الخلافات التي شغلتنا في الماضي.
* هل نعتبر أن هذه الزيارة أعادت تجديد العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؟
- نعم، نجحت الزيارة في تحقيق ذلك. كان لدى السعودية قلق بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وحسب قراءتي: أولاً - كان الرئيس ناجحًا في التأكيد للملك سلمان أن الاتفاق سيؤدي فعلاً إلى التقليص وبصورة كبيرة من قدرة إيران على الحصول على السلاح النووي، وأن الخلاف بهذا الخصوص صار وراءنا فعلاً. ثانيًا - أن التعاون العسكري والمساعدة العسكرية اللتين توفرهما الولايات المتحدة إلى السعودية، مثل الأسلحة، أكدا أن العلاقة الدفاعية بين البلدين قوية جدًا. ثالثًا - هناك حوار مستمر حول كيفية التعاطي بكل هذا الاضطراب وهذه الفوضى في الشرق الأوسط، وحسب اعتقادي، فإن هناك ربما بعض القضايا التي لا يتفق البلدان تمامًا حولها، وهذا أمر طبيعي حتى بين أقرب الحلفاء، وأظن أن الرسالة التي أراد الملك والرئيس توجيهها، كلّ إلى جمهوره الخاص، هي أنه مهما كانت هذه الخلافات، فإنها لن تقف في وجه الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين.
* هل تعتقد أنه بعد هذه الزيارة وبعد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، فإن السعودية لن تخفف من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، وأنها لن تلتفت إلى روسيا كمورد بديل؟
- اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة بالنسبة إلى المعدات الدفاعية، لكنها، كانت، بين وقت وآخر، تشتري أسلحة أيضًا من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا. وقد تشمل السعودية في قرارها، كدولة ذات سيادة، روسيا لتشتري منها أسلحة. لكن، إذا نظرت إلى المشتريات التي وقّعت عليها السعودية، فمن الواضح أن العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تبقى قوية جدًا.
* هل ما يُعرف بالـ«QME»، (التفوق العسكري الكمي - القانون الأميركي 2008) المتعلق بإسرائيل، يمنع الولايات المتحدة من توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الخليج؟
- لا أعتقد ذلك. كما تعرفين، فإن الولايات المتحدة ولعقود كانت الرائدة في تقوية العلاقات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا لجهة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعاون الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وأعتقد أن التقدم والتطور سيستمران.
* يعني ذلك أن قانون التفوق العسكري الكمي لإسرائيل لا يمنع التوقيع على اتفاقية دفاع مشتركة؟
- ربما، وآمل أن يكون هناك نوع من المباحثات في هذا الشأن. إنما السؤال هو عما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تريد تحقيق ذلك. إن هذا قرار يعود إليها؛ فهي دول ذات سيادة.
وأظن أن نوع التطور الذي نراه، إن كان بالنسبة إلى التعاون الدفاعي الوثيق بين دول الخليج مع بعضها بعضًا، وبين الولايات المتحدة وهذه الدول، فأظن أن إسرائيل تدعمه. أما، هل إسرائيل مهتمة بمستوى وتقدم الأسلحة التي تصل إلى الخليج، فإن هذه المسألة تعمل عليها أميركا مع إسرائيل، وهي بالفعل منذ سنوات تقوم بهذا العمل، وأنا متأكد من أن هذا الأمر سيبقى قضية في نظر إسرائيل، لكن، من حيث المبدأ لا أظن أن إسرائيل يقلقها التعاون العسكري الوثيق القائم بين دول الخليج في ما بينها، أو بين هذه الدول والولايات المتحدة، ولن يقلقها ذلك.
* لماذا حتى الآن تعامل إدارة الرئيس أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببرود، ولا تزال تبكي على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي (إخوان مسلمين)؟
- لا أعتقد أن هذا وصف دقيق لموقف الإدارة الأميركية الآن. كان هناك وقت صعب بين مصر والإدارة، حيث رفضت الأخيرة إرسال معدات عسكرية طلبتها مصر، ودفعت ثمن بعضها، لكن هذه السياسة خفت كثيرًا إذا لم تكن تراجعت تمامًا. أعتقد أنه جرت استعادة للعلاقات بين واشنطن والقاهرة. علينا الاعتراف بأن مصر تعاني من مشكلة الإرهاب التي يجب مواجهتها، يجب أيضًا دعم مصر في جهودها لمكافحة الإرهاب، أما هذه الحملة على الإرهاب، فيجب أن ترافقها استراتيجية سياسية بحيث تؤدي تدريجيًا إلى تشكيل حكومة أكثر شمولاً، لأن لا أحد يصدق، وحتى الرئيس السيسي نفسه لا يعتقد أن باستطاعته تحقيق سلام حقيقي واستقرار على المدى الطويل فقط عبر حملات عسكرية.
* هل تشعر بقلق من أن روسيا تحاول تحقيق نجاحات في مصر؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة أن تخسر مصر لصالح روسيا والصين؟
- حسب هذا الطرح، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد تخسر مصر. لكن هل سيكون لمصر علاقات قوية مع روسيا والصين، ربما. فهما لاعبان أساسيان في العالم، وفي الشرق الأوسط. لكن إذا راجعت البيان الذي أعلنه الرئيس السيسي وآخرون، خصوصًا عندما كان الرئيس السيسي قبل عام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتبين أن مصر تريد علاقات قوية مع الولايات المتحدة. هذا كان عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية لعدة عقود، وحسب رأيه، يريد أن يستمر ذلك.
* آخر الأخبار تشير إلى أن وفدًا أمنيًا سوريًا زار مصر. ماذا تقرأ في هذا؟
- لا أعرف، لأنني لا أعرف المواضيع التي نوقشت هناك. أتمنى أن تعمد مصر على تشجيع عملية تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد أن تنشق عن الرئيس بشار الأسد، وتنضم إلى عناصر معتدلة وديمقراطية في حكومة وحدة تستطيع مع مرور الوقت إعادة الاستقرار إلى سوريا وتوحد الشعب السوري لمواجهة خطر تنظيم داعش، الذي هو خطر كبير على شعوب المنطقة كلها.
* يقول بعض المحللين إن هناك دافعًا سياسيًا وراء زيادة الدعم الروسي للنظام السوري. فروسيا تريد التفاوض حول الملف السوري مع منافسيها السياسيين، وتقوية النظام السوري يعطيها التفوق في المفاوضات.
- لستُ متأكدًا مما يقوم به الروس. للأسف الشديد هم داعمون أقوياء للأسد منذ سنوات، يوفرون السلاح والدعم الدبلوماسي، وهذا من سوء الحظ، لأنه أطال فترة العنف، وزاد من عدد الضحايا، وتسبب بتهجير داخلي وإلى الخارج لنصف سوريا، وأعاد الاقتصاد إلى الوراء، وسبّب هذا مأساة للشعب السوري وللاستقرار في المنطقة. آمل أن التقدم الذي تحقق على الأرض، وضعف النظام السوري عسكريًا، سوف يقنعان الروس بأن دعم الأسد ليس الطريق إلى السلام والاستقرار، بل يديم الصراع وينفّر الشعب السوري من روسيا. آمل أن يدرك الروس فعلاً أن الأسد انتهى في سوريا، وحان الوقت كي تضع روسيا ثقلها وراء الحكومة التي وصفتها، والتي تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وتسمح لكل القوى التي تعمل من أجل سوريا جديدة أن تبدأ بتخفيف العنف المتبادل ومواجهة «داعش». هذا ما هو لمصلحة روسيا على المدى الطويل وعندها يمكن لروسيا أن تكسب مجددًا الشعب السوري.
* هل ينسحب هذا على إيران أيضًا؟
- نعم. وأرجو أن تدرك إيران الوضع بالطريقة نفسها وتبدي استعدادًا للتوجه نحو حكومة وحدة. لكن، حسب اعتقادي، فإن ما يقلق روسيا وإيران، وهذا شرعي من هذه الناحية، انهيار كامل للسلطة مما يزيد من الفوضى ويفتح الباب واسعًا أمام «داعش». لا أحد يريد ذلك، ولهذا يهم الولايات المتحدة أن تعمل روسيا وإيران والدول الأخرى معًا في اتجاه تشكيل حكومة وحدة - كما قلت - تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وللشعب السوري أن يبدأ التفكير بمستقبله.
* لكن للروس خبرة في قتال الجماعات المتطرفة، كما حدث في الشيشان. لماذا اعتبر وزير الخارجية جون كيري هذا الأمر عامل زعزعة؟
- لستُ متأكدًا من أن أحدًا يريد أن يعتمد الأسلوب الذي قاتل فيه الروس المتطرفين في الشيشان مثلا، لسببين: الدمار والضحايا الذين تسبب بهما، ثم لأن ذلك الأسلوب لم يحل القضايا الخفية وترك الشيشان مع حكومة ليست «جذابة»، ولا يرغب أغلب الناس العيش في ظلها.
نعم، حقق الروس بعض الاستقرار هناك، لكن بسعر مرتفع جدًا، ولا أعتقد أن الناس يريدون تكرار ذلك في العراق أو في سوريا.
* لكن سوريا مدمرة تقريبًا بالكامل.
- نعم، للأسف، وهذا بسبب الدعم الذي تستمر روسيا وإيران بتقديمه للأسد، مع العلم أن أغلبية الشعب السوري لا تريد الأسد في السلطة. لقد حافظ على حكمه بأبشع الطرق؛ بقتل شعبه. ثم ما الأمثولة التي نريد توجيهها إلى العالم؛ أنه إذا قتلتَ بما فيه الكفاية من شعبك، يمكنك البقاء في السلطة، والعالم على استعداد لمساعدتك؟! هذه الأمثولة التي تبعثها إيران وروسيا إلى العالم، وهذه أمثولة رهيبة ومعيبة.
* هل كان يمكن لتنظيم داعش أن يبرز أو ينشأ لو أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًا في سوريا عند بداية الأحداث؟
- أعتقد لو أننا تحركنا عام 2012، كما اقترح البعض، كان هذا الاحتمال أقل بكثير، ولما استطاع «داعش» تحقيق التقدم الذي أحرزه. أظن أن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا، بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها مع حلفائها والدول الأخرى بالتدخل في سوريا.
* هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تُعِد خطة لإرسال قوات عربية إلى سوريا. هل هذا وارد؟ وهل سنرى القوات الجوية لدول الخليج تنشط في الأجواء السورية؟
- لقد رأينا السلاح الجوي لبعض الدول الخليجية ينشط في اليمن مثلاً، وفي سوريا أيضًا. لا أعتقد أن الحكومة الأميركية تقوم بتشجيع الدول العربية للتدخل برًا في سوريا، باستثناء تدريب السوريين على مقاتلة «داعش» ومجموعات إرهابية أخرى.
* ما ردة فعلك حول أنه، وفي وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من اليونان وبلغاريا وأوكرانيا أن تغلق أجواءها في وجه الطائرات الروسية التي تنقل المساعدات إلى سوريا، نسمع أن روسيا اشترت من إسرائيل 10 طائرات تعمل من دون طيار؟
- لست على علم بهذه الأمور، وبالتالي لا أستطيع أن أعلق.
* هل تتفق مع طرح وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بأن إيران قبل الاتفاقية كانت على «الطريق السريع» للحصول على السلاح النووي، لكنه لم يشر بشيء إلى ما يمكن أن تقوم به إيران بعد 15 سنة (مدة انتهاء الاتفاق)، حيث يقول بعض المراقبين إنه إذا قررت إيران عندها الحصول على قنبلة نووية فإن الوقت التحذيري قد يتقلص إلى أسابيع؟
- هناك قلق فعلي حول ذلك، وحسب اعتقادي فإن داعمي الاتفاق يقولون بضرورة إيجاد وسيلة لإدارة برنامج إيران النووي بعد 15 عامًا للتأكد من أن إيران لن تحاول الحصول على سلاح نووي، ولهذا فإن عددًا من منتقدي الاتفاق قالوا إنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس، إذا ما حاولت إيران إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي، أو أن تبدأ بفصل البلوتونيوم الذي يمكن استعماله لتصنيع السلاح النووي، فإن هذه المحاولات ستؤدي إلى عملية عسكرية أميركية لتدمير برنامج إيران النووي.
منتقدو الاتفاق يصرون على ضرورة أن يتضح هذا الأمر بشكل ظاهر، خلال فترة الاتفاق وما بعدها، لجهة منع إيران من التحرك لإنتاج سلاح نووي.
* هل تعتقد أن هذا النظام سيدوم طوال السنوات الـ15، إذا انفتحت إيران على العالم؟ وهل تعتقد أن الشعب الإيراني سيقبل الاستمرار في العيش في ظل مثل هذا النظام؟
- لا أعرف. هذا القرار يعود إلى الشعب الإيراني، لكن من الواضح أن هناك الكثير من السخط عند الشعب الإيراني، واستياء من النظام، ثم أن المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) هو الآن في السبعينات من العمر، وهناك سؤال عما سيحدث بعد رحيله.
ما أعتقده أن تطورًا سيتعرض له النظام خلال 15 عامًا من الاتفاق. معارضو الاتفاق يعتقدون أن الانفتاح الذي سيلي رفع العقوبات سيشجع الميل إلى نظام أكثر اعتدالاً. لكن لا أعتقد أننا نعرف، كما يجب ألا نعتمد على ذلك.
* بالنسبة إلى الاتفاق، قالت إيران إنها تريد أن تدقق بهويات وخلفيات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تسمح لهم بدخول منشآتها النووية، وإن موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية سيرافقونهم. هل هذا جزء من الاتفاق؟
- هناك الكثير من عدم اليقين عما وافقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هناك، كما هو معروف، اتفاق ما بين الوكالة الدولية وإيران حول بعد عسكري محتمل في برنامج إيران النووي، الذي لم يتم الإعلان عنه. لهذا هناك عدم يقين يتعلق بكيفية عمل هذا. الامتحان، حسب اعتقادي، هو عما إذا كان لدى المنظمة الدولية القدرة غير المقيدة للتحقق من هذا الاتفاق، مع مراقبين من اختيارها هي، يكونون قادرين على زيارة المنشآت، ومقابلة العلماء، وأخذ عينات، ومراجعة ونسخ الوثائق، وأن يعملوا كل ما يحتاجون عمله، من دون أي قيد، من أجل التأكد من التزام إيران بالاتفاق. هذا حسب اعتقادي ما يجب أن يكون اختبارًا أساسيًا.
* من الذي ضيّع العراق؟
- العراق لم يضع. الشعب العراقي يكافح مشكلة الإرهاب. وهذا أمر مؤسف، لأن الشعب العراقي خلال السنوات من 2008 إلى 2010 هزم خطر «القاعدة»، وتضاءلت نسبة العنف، ولم تعد تهدد النظام. كان للعراقيين حكومة وحدة، وكانوا يتقدمون نحو المستقبل، وكان إنتاج النفط يتصاعد. لكن للأسف، تآمرت عدة أمور لزعزعة عملية واعدة. من هذه الأمور سياسة إدارة نوري المالكي التي ضاعفت من الصراع المذهبي وقوضت الجيش وقوى الأمن، لكن الأكثر تسببًا في ضرر العراق كان الفشل في مواجهة الأزمة في سوريا، وهذا فتح الباب أمام بروز «داعش»، الأمر الذي زعزع استقرار العراق، ولم يكن ممكنًا تجنبه. ومع فشل الولايات المتحدة في التفاعل مع ما يحدث في سوريا، والاستمرار على موقفها رغم تعرض العراق للانعكاسات، نرى الشعب العراقي يصارع لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ويصارع لتوفير حكم ذاتي أوسع لمختلف المجموعات: الأكراد، السنة، الشيعة، وكل الآخرين بمن فيهم المسيحيون.
إن الوصفة الصحيحة لإعادة الاستقرار إلى العراق أن تتحكم كل مجموعة وتسيطر على مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هذا من شأنه أن يبقي العراق دولة موحدة.
* وهل تقبل إيران مع معرفتنا بنفوذها على العراق؟
- أظن أنها تقبل، إذا أوضح الشعب العراقي أن هذا ما يريده. لن يكون هناك خيار آخر عندها أمام الإيرانيين.
* الولايات المتحدة معنية باليمن، لكن كما يبدو فإنها لا تستطيع السيطرة على مياهه الإقليمية، ثم كأن كل الجهود في عمان غير ناجحة.
- هناك جهود قائمة الآن، تشارك بها دول المنطقة مع الولايات المتحدة للتحكم أكثر بالمياه الإقليمية اليمنية. إن الوضع اليمني مقلق، وهو يشكل مشكلة للسعودية والدول المجاورة، ويجب أن تركز الجهود على الإتيان بكل الأطراف إلى طاولة الحوار للخروج بمعادلة تبدأ بتقليص العنف، وتأتي مع الوقت ببعض الاستقرار من دون تحويل البلاد إما إلى «القاعدة» والمجموعات المتحالفة معها أو إلى القبائل الحوثية والمجموعات المتحالفة مع إيران، وذلك من أجل توفير الفرصة أمام الشعب اليمني لتقرير مستقبله.
* خلال زيارة العاهل السعودي إلى واشنطن، لمسنا أن هناك اعترافًا فعليًا، إن كان من البيت الأبيض، أو من وزارتي الخارجية والدفاع، بأن إيران تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. كيف يمكن إقناع إيران بالتعاون بدل المواجهة؟
- هذا يجب أن يحصل عبر طريقتين؛ أولاً: مواجهة إيران على الأرض، للتوضيح لها أن سياستها الرامية إلى فرض نفوذها لتقويض الدول الأخرى مثل العراق واليمن، وسوريا.. إلخ، لها ثمن، ولن تنجح، لا، بل تثير الشعوب ضدها. ثانيًا: وفي وقت تتم مواجهة إيران على الأرض، يستمر الحوار الذي بدأ حول الاتفاق النووي لإقناع الإيرانيين بأن عليهم اعتماد مسار عمل مختلف، كالذي تحدثنا عنه بالنسبة إلى سوريا.
* هل تستطيع الولايات المتحدة إيقاف روسيا عن بيع إيران أنظمة دفاع جوية؟
- هناك سلسلة من قرارات مجلس الأمن لها أحكام تتعلق بالاتفاق الأخير تم التوصل إليها، وتؤثر على مسألة أنظمة الدفاع الجوية. والواحد يأمل بتصرف مسؤول من قبل روسيا تحترم خلاله كل هذه القرارات وأيضًا أن تقوم بدور مسؤول كمشارك أساسي في التوصل إلى الاتفاق النووي من خلال مشاركتها عبر مجموعة «1+5».
* هل للولايات المتحدة خطط استراتيجية واضحة لقتال «داعش» ولإيجاد حل لسوريا والعراق وحتى ليبيا، أم أننا نطلب الكثير منها؟
- لا أعتقد أنكِ تطلبين الكثير من الولايات المتحدة. وأظن أن هذه المشكلات تستدعي كل دول المنطقة لتشارك وتتقاسم المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة كل واحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا. والذي تستطيعه الولايات المتحدة، عبر الحوار مع دول المنطقة، أن تتقدم بخطوط عريضة لاستراتيجية أو خطة لتوجيه المنطقة باتجاه أكثر إيجابية. هذا ما يجب أن تقوم به أميركا من أجل مصلحتها الخاصة، ومن حق دول المنطقة أن تتوقعه منها.
* هل ستسمح الولايات المتحدة للحكومة التركية بأن تهاجم الأكراد كثمن لتركيا لقاء استعمال قواعدها العسكرية؟
- لقد أوضحت الحكومة الأميركية أن هذا لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه مع تركيا، وكما نشرت كل الصحف، طالبت الحكومة الأميركية، تركيا، بأن توقف عملياتها ضد الشعب الكردي. وفي الوقت نفسه، من المؤسف أن «حزب العمال الكردستاني» كان يستفز الأتراك بهجومه على القوات التركية الأمنية. وكان من الصواب أن تدعو الحكومة الأميركية كل الأطراف لضبط النفس، وأظن أن الكل يرغب في استئناف الحوار بين الحكومة التركية والعناصر الكردية.
* إذا وصل الجمهوريون إلى السلطة عام 2017، فهل ستكون سياستهم تجاه الإرهاب وإيران ودول أخرى في المنطقة ستكون أكثر قوة وحزمًا؟
- إذا سيطر الجمهوريون على الحكومة عام 2017، أعتقد أنك سترين عندها سياسة خارجية مختلفة تمامًا، وآمل أنك سترين ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة للمساعدة على وضع خطط تسمح لدول المنطقة باتخاذ مسارها المستقبلي متحررة من الاثنين: السيطرة الإيرانية أو إرهاب «داعش». هذا ما آمل أن تريه.



جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، إن السلطات العسكرية أبلغت أن الناقلة صعد على متنها «أفراد غير مصرّح لهم» جنوب مدينة المكلا في اليمن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري، إنه يُعتقد أن قراصنة صوماليين صعدوا على متن الناقلة التي لم يكن على متنها فريق أمني مسلّح.


العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
TT

العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)

وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي رسائل متزامنة إلى الداخل اليمني والمجتمع الدولي، أكد فيها أنَّ الدولة في بلاده ماضية في حماية سيادتها ومصالح مواطنيها، مع التمسُّك بخيار السلام وعدم الانجرار إلى توسيع دائرة المواجهة، متهماً الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، باستغلال معاناة اليمنيين وافتعال الأزمات للهروب من استحقاقات التسوية السياسية وتقويض التهدئة القائمة منذ عام 2022.

وجاءت تصريحات العليمي في أعقاب التصعيد الأخير المرتبط بمحاولة إدخال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء خارج موافقة الحكومة الشرعية، وهي الأزمة التي أعادت التوتر إلى واجهة المشهد اليمني، وسط مخاوف من سعي الحوثيين إلى فرض وقائع جديدة بدعم إيراني، ونقل الصراع إلى مستويات أوسع، بما يهدِّد مسار التهدئة الذي رعته الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني، في تغريدات على منصة «إكس»، أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين «يمثلون روح الجمهورية»، مشدداً على أن الدولة لن تتخلى عنهم، وستواصل العمل لتخفيف معاناتهم واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام العادل، رغم ما وصفه بـ«إصرار الجماعة على تحويل معاناة المواطنين إلى ورقة سياسية تخدم أجندتها الخاصة».

وأشار إلى أن الحكومة قدمت خلال السنوات الماضية مبادرات متكررة لتخفيف معاناة اليمنيين وفتح مسارات السلام، إلا أن الحوثيين اختاروا في كل مرة التصعيد بدلاً من الانخراط في الحلول، عادّاً أن هذا السلوك يعكس نمطاً ثابتاً في إدارة الجماعة للأزمة اليمنية.

اتهامات بتقويض التهدئة

تأتي تصريحات العليمي في وقت تشهد فيه الأزمة اليمنية تصعيداً متدرجاً، يرى مراقبون أنه يستهدف تقويض حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ إعلان الهدنة الأممية في أبريل (نيسان) 2022، والتي، رغم انتهاء مدتها الرسمية، فإنَّ آثارها استمرَّت عبر تراجع العمليات العسكرية الواسعة، واستمرار الجهود الدولية للدفع نحو تسوية سياسية.

ويرى رئيس مجلس الحكم اليمني أن الجماعة الحوثية لم تتعامل مع التهدئة بوصفها فرصة لإنهاء الحرب، وإنما استغلتها لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، ثم عادت إلى سياسة خلق الأزمات كلما اقتربت من استحقاقات السلام، أو واجهت ضغوطاً داخلية وخارجية.

العليمي أكد تمسُّك الدولة بالسلام مع حماية السيادة اليمنية (سبأ)

وفي هذا السياق، شدَّد العليمي على أنَّ الحكومة لم تكن يوماً سبباً في تعطيل الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء، نافياً الاتهامات الحوثية بهذا الشأن، ومؤكداً أن السلطات الشرعية قدمت بدائل قانونية لتشغيل المطار عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، بما يكفل حقَّ جميع اليمنيين في السفر دون تمييز.

واتهم الحوثيين باحتجاز طائرات الشركة الوطنية، والاستيلاء على أموالها، والإضرار بمقدراتها، عادّاً أن الجماعة تسعى إلى استخدام المطار أداةً لفرض أمر واقع سياسي، وليس بوصفه مرفقاً عاماً يخدم المواطنين.

كما أعلن بوضوح أن الحكومة لن تسمح مستقبلاً بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية في أي مطار يمني خارج موافقة الدولة الشرعية، في تأكيد على تمسكها بممارسة صلاحياتها السيادية وفق القانون الدولي.

رسائل للداخل... وتحذير من إيران

في موازاة رسائله السياسية، وجَّه العليمي نداءً مباشراً إلى القبائل اليمنية وإلى الأسر في مختلف المحافظات، دعاهم فيه إلى عدم السماح للحوثيين باستقطاب أبنائهم والزج بهم فيما وصفها بـ«الحروب العبثية» التي لا تخدم مستقبل اليمن، مؤكداً أن الجمهورية قامت لحماية كرامة جميع اليمنيين، وأن الانحياز لمشروع الدولة هو الطريق إلى الأمن والاستقرار وسيادة القانون.

وأكد أن الدولة ستواصل، عبر مؤسساتها وقواتها المسلحة، أداء واجبها الدستوري في حماية السيادة الوطنية وصون مصالح المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نهج مسؤول يجنِّب البلاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع تخدم أهداف الأطراف الداعمة للحوثيين.

لقاء العليمي مع القائم بأعمال السفير الأميركي تناول التصعيد الحوثي (سبأ)

وخلال استقباله القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن، جوناثان بيتشا، أشاد العليمي بالشراكة مع الولايات المتحدة ودورها في دعم أمن اليمن ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية، كما ثمن موقف المجتمع الدولي خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، التي أدانت الانتهاكات الإيرانية لسيادة اليمن، وحملت طهران مسؤولية دعم الحوثيين، في مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216.

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تعامل الحكومة مع التطورات الأخيرة انطلق من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بصفتها عضواً في الأمم المتحدة، مؤكداً أن قرار ضبط النفس وعدم توسيع المواجهة لم يكن تراجعاً عن السيادة، بل إنه تعبير عن مسؤولية الدولة وحرصها على حماية المدنيين، ومنع انزلاق البلاد إلى صراع يخدم الأجندة الإيرانية.

وقال إن الفارق واضح بين دولة تلتزم بالقانون الدولي وتحاول تجنب تعريض المدنيين للخطر، وبين جماعة مسلحة لا تتردد في استخدام السكان دروعاً بشرية، وتوظيف المؤسسات المدنية لخدمة أهدافها العسكرية والسياسية.

وفي تقييمه لمسار الأزمة، عدَّ العليمي أن قراءة سلوك الحوثيين خلال السنوات الماضية تكشف اعتمادهم سياسةً ثابتةً تقوم على الهروب من استحقاقات السلام عبر افتعال أزمات خارجية، وتحويل الأنظار عن جوهر القضية اليمنية، بما يسمح لهم بابتزاز المجتمعَين الإقليمي والدولي، وفرض وقائع جديدة بالقوة.

وأكد أنَّ هذا النهج لن يغيِّر حقيقة الصراع، ولن يحجب أي سلام مستدام يبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والالتزام بالمرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، مجدداً تأكيده أنَّ يد الدولة ستظل ممدودة لكل مسعى صادق يفضي إلى سلام عادل ينهي الحرب ويصون كرامة اليمنيين، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنَّ حماية السيادة الوطنية ستظل مسؤوليةً لا يمكن التهاون فيها.


تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
TT

تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)

حملت زيارة عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي إلى العاصمة البريطانية لندن أبعاداً تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين؛ إذ جاءت في لحظة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية، وتزايد التدخلات الإيرانية في اليمن، مع مساعي الحكومة الشرعية لإعادة وضع قضيتها ضمن أولويات العواصم الغربية بوصفها قضية تتصل بأمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية، وليس مجرد نزاع داخلي مع الجماعة الحوثية.

وخلال الزيارة التي اختتمها الخميس، شارك عبد الله العليمي في أعمال مؤتمر لندن 2026 الذي ينظمه المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، وأجرى سلسلة واسعة من اللقاءات مع مسؤولين في الحكومة البريطانية والبرلمان ووزارتَي الدفاع والخارجية، إلى جانب السفراء العرب، وعدد من الخبراء والإعلاميين وصنّاع القرار، في تحرك هدفه توسيع قاعدة الدعم الدولي للحكومة اليمنية، وتعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة في الملفات السياسية والأمنية والدفاعية.

وجاءت الزيارة بالتزامن مع الأزمة التي أثارتها محاولة تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء، وهي القضية التي حضرت بقوة في معظم لقاءات عبد الله العليمي، باعتبارها - وفق رؤية الحكومة - اختباراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع جديد يسمح لطهران بتوسيع نفوذها داخل اليمن، في وقت تؤكد فيه الحكومة تمسكها بالحل السياسي، مع رفض أي خطوات تتجاوز مؤسسات الدولة أو تنتقص من سيادتها.

عبد الله العليمي مع وزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز (سبأ)

ويقول مسؤولون يمنيون إن زيارة العليمي تأتي في إطار تحرك أوسع لإعادة تعريف الأزمة اليمنية أمام المجتمع الدولي، باعتبارها أزمة تمس الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية، بعد أن تحول سلوك الحوثيين المدعومين من إيران إلى أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للقوى الإقليمية والغربية.

رسائل إلى لندن وشركاء اليمن

شهد برنامج زيارة عبد الله العليمي إلى لندن لقاءات مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونر، ووزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز، ومدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية روب ديكسون، وزعيم مجلس العموم السير آلان كامبل، إلى جانب عدد من البرلمانيين والمسؤولين.

وركزت المباحثات على مستقبل العلاقات مع اليمن، وآفاق تطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى دعم برامج بناء قدرات مؤسسات الدولة اليمنية، ومساندة جهود الحكومة في استعادة الاستقرار، وإنعاش الاقتصاد، واستمرار الدعم الإنساني والتنموي.

عبد الله العليمي خلال اجتماع مع زعيم مجلس العموم البريطاني (سبأ)

وأكد عبد الله العليمي خلال اللقاءات أن الحكومة في بلاده لا تزال منخرطة في جميع المبادرات السياسية الهادفة إلى إنهاء الحرب، لكنها ترى أن أي عملية سلام لا يمكن أن تنجح ما لم تقترن بضمانات تمنع الجماعة الحوثية من استغلال الهدن لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز ترسانتها العسكرية، كما حدث - وفق قوله - خلال السنوات الماضية.

كما شدد على أن السلام المستدام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واحتكارها للسلاح، وبسط سلطتها على المنافذ البرية والبحرية والجوية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة لمنع تجدد الصراع.

من جانبهم، أكد المسؤولون البريطانيون استمرار دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومواصلة التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يسهم في دعم جهود التعافي والاستقرار، وتحسين الأوضاع الإنسانية.

أمن البحر الأحمر

حظي الملف الأمني بالحصة الكبرى من مباحثات العليمي، في ظل استمرار المخاوف الدولية من تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري.

وأكد عضو مجلس القيادة اليمني أن الجماعة الحوثية لم تعد تمثل تهديداً داخلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية ودولية، بعد أن وسعت دائرة عملياتها لتشمل استهداف الممرات البحرية، وهو ما جعل استعادة مؤسسات الدولة اليمنية مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، دعا عبد الله العليمي إلى توسيع برامج التعاون الدفاعي مع بريطانيا، خصوصاً في مجالات التدريب وبناء القدرات ورفع كفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وخفر السواحل، بما يعزز قدرة الدولة على حماية سواحلها الطويلة، وتأمين الموانئ والمنافذ، والمشاركة في حماية الملاحة الدولية.

عبد الله العليمي مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

ورأى أن دعم مؤسسات الدولة يمثل استثماراً طويل الأمد في أمن المنطقة، مؤكداً أن الحكومة لا تطلب تدخلاً عسكرياً نيابة عنها، وإنما شراكات تساعدها على استعادة وظائف الدولة، وتمكين مؤسساتها الأمنية والعسكرية من أداء مهامها الدستورية.

كما أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالدور البريطاني في برامج الدعم الفني والمؤسسي، وبالمساهمة في تعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية، باعتبارها جزءاً من الجهود الدولية الرامية إلى حماية الممرات البحرية.

أزمة الطائرة الإيرانية

احتلت أزمة الرحلات الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مساحة بارزة في محادثات العليمي، الذي اعتبر أن هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، ومحاولة تشغيل رحلات أخرى، يمثلان انتهاكاً واضحاً للسيادة اليمنية، ويفتحان الباب أمام إنشاء مسار جوي خارج سلطة الدولة.

وأوضح أن الحكومة قدمت بدائل تتيح تشغيل الرحلات عبر «الخطوط الجوية اليمنية» وفق الترتيبات القانونية المعترف بها دولياً، بما يكفل خدمة المواطنين دون تمييز، إلا أن الحوثيين رفضوا تلك المقترحات وأصروا على إدارة المطار بصورة منفردة، وهو ما اعتبرته الحكومة خروجاً على القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المنظمة للطيران المدني.

عبد الله العليمي في لندن مع مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية البريطانية (سبأ)

وربط العليمي بين هذه التطورات واستمرار الدعم الإيراني للجماعة الحوثية، معتبراً أن طهران تستخدم الجماعة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وأن أي تساهل مع هذه الممارسات سيؤدي إلى تقويض فرص السلام، ويزيد من تعقيد المشهد اليمني.

كما رحب بالخطوات البريطانية الأخيرة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، معتبراً أن تشديد القيود على أنشطة طهران من شأنه الحد من قدرتها على دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها الحوثيون.

وفي تصريحاته للإعلام البريطاني قال العليمي إن الحوثيين تحولوا من تهديد محلي إلى تهديد إقليمي ودولي، مؤكداً أن الحكومة ستواصل السعي إلى السلام، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية سيادة البلاد واستعادة مؤسساتها.

تنسيق عربي وبريطاني

على هامش الزيارة عقد العليمي اجتماعاً مع السفراء العرب المعتمدين لدى المملكة المتحدة، دعا خلاله إلى تعزيز التنسيق الدبلوماسي العربي في مواجهة التحديات المشتركة، مؤكداً أن استعادة الدولة اليمنية تمثل مصلحة عربية قبل أن تكون مطلباً يمنياً، وأن أمن البحر الأحمر يبدأ من وجود دولة يمنية قوية وقادرة على حماية حدودها وممراتها البحرية.

عبد الله العليمي مع كوادر السفارة اليمنية في لندن (سبأ)

كما شدد على أهمية استمرار الدعم العربي، مشيداً بالدور السعودي في مساندة الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، ورعاية المبادرات الهادفة إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام، ومؤكداً أن هذا الدعم كان عاملاً أساسياً في استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية؛ إذ التقى العليمي عدداً من الإعلاميين والباحثين بمراكز الفكر البريطانية، في محاولة لإبقاء الملف اليمني حاضراً في دوائر صنع القرار. كما عقد اجتماعاً مع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمنية في لندن، مثمّناً دورهم في خدمة المواطنين والدفاع عن مصالح البلاد رغم الصعوبات المالية وتأخر المستحقات.