الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبات.. وثقافة الحرب تطغى على السكان

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)

ما أقسى ما حدث لمدينة عدن القديمة (كريتر) جنوب اليمن، فالميليشيات الحوثية وقوات المخلوع، لم تغادر وتنسحب، إلا بعد أن عاثت بالمدينة عبثا وخرابا.
ودأبت على ابتكار طريقة مختلفة؛ لتنتقم من كل ما هو جميل وبديع وإنجاز ومقدس وتاريخي ونفيس.. اختارت أهدافها بعناية، كي تختفي وتحمي نفسها وجندها من غارات الطيران، فيما الحقيقة والغاية، كانت أهدافها حاقدة مرادها الخراب والدمار لكل منجز ومعلم وإرث. فالميليشيات فعلت كل ذلك، وفي كل مدن الجنوب؛ في فنادق وقصور وجامعات ومستشفيات ومؤسسات ومدارس وجوامع صلاة ومعالم تاريخية ومنشآت وجسور.. وغيرها من المكاسب الوطنية المكلفة جدا، والنادرة والمهمة؛ لكنها وحين تكون في عدن القديمة، فذاك يعني أن التكلفة تزيد، والفعل يكون هنا همجيا بربريا.
وقالت مؤسسة «عدن أجين» الثقافية، إن مدينة عدن عرفت بالحب والسلام، والثقافة والتحضر، وأضافت المؤسسة في تقرير لها تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن سكان المدينة لم يكونوا يوما من دعاة الحروب، وإنما دائما وعلى مدى التاريخ كانت المدينة عرضة للأطماع وللغزو والعدوان.
وتطرقت المؤسسة إلى أن أقسى ما لاقته مدينة عدن من خراب ودمار كان في الحرب القائمة، التي لم تفرق بين مدني وعسكري.. بين معلم تاريخي وصرح ثقافي، وبين مسكن ومشفى.
وأبرزت حجم الدمار الذي لم يبق أو يذر شيئا إلا وطاله في جبروت وحقد أعمى ضاعف من المأساة، التي كانت شاملة وماحقة.
وقد شمل الدمار كثيرا من المراكز الحيوية، والمنشآت المهمة؛ كالكهرباء والاتصالات وميناء الزيت والمطار والطرقات وغيرها، فضلا عن الدمار الذي لحق بأهم معالم المدينة الثقافية والتاريخية، خاصة في مدينة عدن القديمة «كريتر» التي ما من شارع فيها أو حي، إلا وفيه معلم وشاهد على تاريخ وحقبة وحضارة.
وذكرت المؤسسة، في تقريرها، أن أهم المعالم الثقافية التي تضررت بفعل الحرب الهمجية البربرية، المتحف الحربي في مدينة كريتر، فهذا المبنى البديع في بنائه، وموقعه في قلب المدينة، وعلى ضفتي شارع أخذ اسمه من اسم «المتحف»، معلم تاريخي مكون من طابقين عريضين، بواجهته البديعة ذي الأقواس، والحجر الشمساني، نسبة لجبل شمسان السامق، فيما أعواد الخشب الأحمر تضفي عليه لمحة عدنية مميزة. وأردف «مبنى المتحف الحربي يعد من أجمل المباني القديمة في مدينة عدن القديمة؛ إذ كان من أقدم المدارس في عدن، بل وفي شبه الجزيرة العربية، وسميت هذه المدرسة وقتها بمدرسة السيلة، ومع قيمته وأهميته، تم استهدافه في الحرب وبلا مبالاة، وعلى ثلاث مراحل؛ الأولى مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي، وتحديدا حين طاله قصف ميليشيات الحوثي وصالح، الذي تسبب بشق فتحة في أحد أقواس الدور الأرضي، وتاليا بعد اشتباكات انتهت باقتحام الميليشيات وقوات الرئيس المخلوع للمدينة في مستهل شهر مايو (أيار) الماضي، وتضرر على أثرها المتحف وبشكل أكبر؛ إذ أحدثت القذائف فتحات في جدرانه، وحطمت بوابته الكبيرة تماما، لتتخذه الميليشيات وقوات صالح، ثكنة عسكرية لها، مرتكبة بذلك انتهاكها الثاني.
وفي منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، تعرض المتحف لقصف طيران، جراء اتخاذه من الميليشيات وقوات المخلوع ثكنة لجنودهما وعملياتهما وعتادهما ومؤنهما، وهو ما تسبب في الانتهاك الثالث لمبنى المتحف الحربي، فبسبب ضربة طيران هدمت جهته الغربية، ليصبح معرضا لسرقة محتوياته الثمينة.
وعن هذه المحتويات، قال التقرير إنها في المعظم ثمينة وهامة، وتم نهب بعضها على مرحلتين؛ الأولى، حين أقدمت ميليشيات الحوثي وصالح على سرقة بعض القطع الأثرية المهمة والنفيسة، وتحديدا عقب دخولهم المدينة واتخاذهم المتحف ثكنة عسكرية.
أما المرحلة التالية، فبعد إخراج الميليشيات؛ إذ قام بعض المهمشين بسرقة بعض السيوف والأسلحة القديمة، وتمت إعادة جزء كبير منها، والجزء المتبقي ما زال بحوزة من سرقوا.
وأكد أن المتحف بحاجة لإعادة ترميم، على يد خبراء؛ ترميم يحفظ للمبنى هويته وقيمته التاريخية، داعيا مسؤولي المتحف لسرعة جرد القطع الأثرية وحفظها في مكان آمن.
ومن معالم المدينة «مكتبة الفقيد باذيب الوطنية»، نسبة إلى المفكر والسياسي والإعلامي الفقيد عبد الله باذيب، فهذه المكتبة الوطنية، بنيت في مطلع الثمانينات في مدينة كريتر التاريخية، وتقع في شارع المتحف، وتحوي أرشيف عدن الثقافي، وعدة وثائق مهمة، وأرشيفا لنسخ قديمة من صحافة عدن في أوج عهد عدن الثقافي مطلع القرن الماضي.
وعرض التقرير كيف طالها العبث والتدمير، على أيدي ميليشيات الحوثي وصالح، عند اقتحامها للمدينة؛ إذ كانت المكتبة أول المعالم المتضررة مطلع أبريل الماضي، فقد تهشمت واجهتها الزجاجية بالكامل، وتسببت قذيفتين بإحداث فجوتين كبيرتين في مبنى المكتبة؛ واحدة في الدور الأرضي جهة قاعة الشاعر الراحل لطفي جعفر أمان، ابن المدينة، وأحد شعرائها العظام، والأخرى في غرفة مدير المكتبة.
وأضاف أن شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبة، إلى أن تمكنت الميليشيات من دخول المدينة في شهر مايو الماضي، ومن وقتها والمكتبة عرضة لسرقات متعددة، فمنها ما طال معظم أجهزة الكومبيوتر، ومنها مكيفات التبريد، وأخرى للكتب الجديدة العهد.
بعد إخراج الميليشيات من كريتر، قامت مجموعة من الشباب المخلصين بدور تطوعي لحماية أرشيف عدن، وسهروا ليلا ونهارا وما زالوا يسهرون ويتعبون لحماية المكتبة التي أضحت مفتحة الأبواب والنوافذ والجدران، ومعرضة للسرقة من كل حدب وصوب، وللأسف لم تلتفت أي جهة لدور الشباب الشهم ولم تتم تغطية ولو مصاريفهم اليومية، كما لم تتحرك أي جهة لسد الثغرات والفتحات المحدثة في جدران مبنى المكتبة.
وانتقل التقرير إلى مسجد الحسيني المعروف بمسجد «خوجة»، الذي يعد من المساجد الأثرية ذات الطراز المميز في مدينة عدن، وكان قد بني بداية القرن العشرين، أي أن عمره يتجاوز المائة عام، ويتبع الطائفة الشيعية العدنية التي تعيش في عدن بسلام وانسجام منذ قرون. ثم اقتحمت ميليشيات الحوثي وصالح مدينة كريتر القديمة، واتخذت المسجد ثكنة وسكنا لها ومقر مواجهات، مما أدى إلى دماره، وسيحتاج المسجد لفريق هندسي آثري متخصص لإعادة بنائه بصورته القديمة.
وتطرق لكنيسة سانت جوزيف وباقي الكنائس، فما يميز عدن عن باقي المدن الجنوبية ومدن المنطقة، أنها المدينة الوحيدة التي تعايش فيها كثير من الأديان السماوية وغير السماوية، فما زال المسيحيون يقيمون شعائرهم في كنائس عدن، وكذلك الهندوس يتعبدون كل جمعة في معبد الخساف.
وتعرضت كنيسة سانت جوزيف في منطقة البادري بكريتر للعبث وتدمير محتوياتها من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكتبوا شعاراتهم على جدرانها.
وأشار إلى أن فريق «عدن أجين» زار كنيسة البادري وحفظ ما تبقى بمكان آمن، لكن ذلك لا يكفي، فلا بد من دعم حكومي وتضافر لحماية معالم عدن الدينية وإبقائها بعيدا عن أيادي العابثين.
وعرج التقرير على رصيف ويلز، بمدينة التواهي، الشهير لدى العامة بـ«رصيف السياح»، الذي بني بالطراز نفسه لبوابة ميناء بومباي في الهند، سنة 1905م، ويعد أحد معالم ميناء المدينة، فطوال حقبة نافت على القرن والبوابة تقف بطرازها الفريد والجميل وسقفها القرميدي النادر، مما جعلها من أهم ما تتميز به مدينة التواهي.
هذا البنيان الأثري، سيطرت عليه الميليشيات، وتمركزت بداخله، معرضة إياه لضربة طيران دمرته بنسبة 90 في المائة، فلم يتبق منه غير الواجهة التي بقيت سليمة، فيما سقفه ومعظم أحجاره تحول إلى ركام.
كما كشف التقرير عما تعرض له معبد الهندوس، في أطراف منطقة الخساف الجبلية؛ فالمعبد بني في ثنايا الجبل قبل أكثر من مائة عام، معبد يؤدي فيه الهندوس طقوسهم وشعائرهم بكل هدوء وحرية. فمنذ عاود المعبد فتح بابه، عاد أتباع الطائفة الهندوسية يؤدون شعائرهم وصلواتهم فيه دونما اعتراض أو خوف من أحد. لكنه وبعيد إخراج الميليشيات وأتباع صالح من مدينة كريتر منتصف يوليو الماضي، جاء بعض الشبان المتشددين الذين يدعون التدين، وهدموا المعبد ومحتوياته وبشكل همجي لا يمت للدين الإسلامي بصلة، مستغلين الفراغ الأمني، وقلة الوعي الذي يهدد المعالم الدينية لعدن.
وذهب التقرير لسرد ما تعرضت له المدارس من خراب ودمار، فالمدارس كانت أكثر الأماكن استهدافا وتعرضا للخطر خلال فترة الحرب.. كثير من المدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكثير منها استخدم من قبل المقاومة الجنوبية ثكنات أيضا. وبعض المدارس، ونتيجة لاستخدامها ثكنة للميليشيات، تعرضت للقصف الجوي والدمار.
ففي مدينة كريتر على سبيل المثال، أكثر من خمس مدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل الحوثيين وصالح، ومدرسة واحدة استخدمت من قبل المقاومة، ومدرستين تعرضتا لقصف جوي.
وبينما حافظت المقاومة على المدارس التي استخدمتها لخدماتها خلال فترة الحرب، لم تكترث ميليشيات الحوثي وصالح بالمدارس، فلم تكتف الميليشيات بتحويل المدارس ثكنات عسكرية وسجونا بل وعيادات لجرحاها، بل قاموا بالعبث بكثير من المدارس وتكسير أبوابها وكتابة شعاراتهم على جدران المدارس.
وتتميز مدينة كريتر العتيقة العريقة العبقة برائحة التاريخ والقدم، بطراز قديم يميزها عن باقي مدن الجنوب والمنطقة، فالمبنى العدني القديم يتكون من عدة ملامح أهمها: الحجر الشمساني المنحوت باليد، والنوافذ الخشبية المصنوعة بحنكة وإتقان، والقمريات الخشبية المميزة بزجاجها الملون التي تختلف كليا عن القمريات الجصية، والشبك الخشبي الذي يغطي النوافذ والأبواب والمشربيات.
ولكن ومنذ سنوات والصناعات الحرفية لهذه النوافذ انقرضت، وهو ما أضحى يهدد الطراز المعماري القديم للمدينة القديمة ويشوه هويتها. معظم نوافذ المدينة القديمة ظلت بحالة جيدة وحافظ عليها قاطنوها، مع الحرب تكسرت عشرات بل ومئات النوافذ القديمة، وتهدمت بعض المنازل الشمسانية. ونظرا لقلة الاهتمام المسبق بهوية المدينة وطرازها القديم، فإن الخطر أصبح يحدق بمدينة كريتر القديمة وأيضا بمدينة التواهي.
وقالت المؤسسة إن إعادة إحياء حرفة صناعة النوافذ العدنية أضحت ضرورة ملحة، وإن على الجهات المسؤولة في المحافظة والمجالس المحلية الانتباه لذلك.
ولفتت إلى أنه وككل جوانب الحياة في عدن، تأثرت ثقافة المجتمع أيضا بفعل هذه الحرب، ومن أهم المظاهر التي أثرت على ثقافة المدينة تعطيل المسيرة التعليمية لمدة تقارب الخمسة أشهر منذ اندلاع الحرب، علاوة على انتشار ظاهرة حمل السلاح بين أفراد ليسوا من المقاومة، وهي الظاهرة التي كانت تحاربها ثقافة سكان عدن، وانتشار أناشيد وزوامل لم تعهدها ثقافة المدينة مسبقا، لكن وبفعل الحرب لقيت قبولا واسعا في صفوف الشباب وأصبحت كالموضة مع أنها أناشيد تتبع ثقافة متطرفة بعيدة عن ثقافة أهالي عدن. وكذلك انتشار أنواع من الملابس تتماشى مع فترة الحرب ولا تمت للزي الشعبي للسكان بصلة.
ودعت كل سكان عدن لرفع الوعي بضرورة الحفاظ على معالم عدن الثقافية والتاريخية والدينية، وضرورة الحفاظ على هوية المدينة، ونمطها المعماري القديم والفريد، والحفاظ على روح المدينة العتيقة، التي هي ميزتها وسر سحرها، والحفاظ على الثقافة المدنية الحضارية لسكان عدن، التي لطالما عُرف سكان المدينة بها.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.