سلمى مرشاق تعيد المكتبات الخاصة للواجهة

بعد سنة من إستعانة وديع فلسطين بها لنقل كتبه من مصر لبيروت

وديع فلسطين، وصول المكتبة إلى بيروت
وديع فلسطين، وصول المكتبة إلى بيروت
TT

سلمى مرشاق تعيد المكتبات الخاصة للواجهة

وديع فلسطين، وصول المكتبة إلى بيروت
وديع فلسطين، وصول المكتبة إلى بيروت

كانت الصدمة كبيرة للكاتب والصحافي المصري وديع فلسطين، الذي يبلغ من العمر اليوم 92 عامًا، عندما رأى بأم عينيه، بعد وفاة جارته الوحيدة التي تقاسمه المبنى وهي من عائلة العجمي، أن صاحب الملك، عمد إلى كسر باب بيتها بعد وفاتها وأفرغه من محتوياته، ليستعيده ويتمكن من استثماره. بعد ما يقارب الشهر، وخوفًا على مصير مكتبته الخاصة، التي جمعها على مدار سنوات عمره، وتحتل كتبها كنباته وطاولاته وجزءًا من الأرض، وتتناثر مؤلفاتها في كل زاوية، كان أول ما فكر به أن ثروته هذه ستلقى مصيرًا أسود. لم يتردد وديع فلسطين بعد هذه الحادثة المؤلمة، وقد تملكه الخوف، بالاتصال بصديقته المقربة الكاتبة سلمى مرشاق سليم المقيمة في بيروت، ليقول لها بشكل مفاجئ: «إذا كنت تريدين المكتبة تعالي وخذيها بسرعة». وتأكيدًا على نيته، خط الكاتب المعروف رسالة جاء في نصها أنه يمنح سلمى مرشاق كتبه وأوراقه ورسائله التي تبلغ المئات، وكان قد تبادلها مع كتاب مغمورين وآخرين أكثر شهرة على مدار عقود، وعرف كيف يحفظها ويؤرشفها في زمن صارت فيه الرسائل الورقية ندرة.
خروج كتب وديع فلسطين من بيته أمام عينيه وحرمانه منها في سنواته الأخيرة لم يكن بالأمر السهل، اختياره أن تنقل إلى بيروت بدل أن تبقى في القاهرة، هو خيار صعب أيضًا. أما لماذا سلمى مرشاق، فقد أجاب صاحب المكتبة الإعلامية المعروفة ليلى رستم حين سألته بالقول: «هي الوحيدة التي بقيت تسأل عني». لكن ربما ما لم يقله الرجل لكنه يعرفه جيدًا، أنه وضع أغلى ما يملك في أياد أمينة، وأودعه امرأة لها عشق استثنائي بالكتب، وشغف لا ينضب بالبحث والأرشفة.
تحكي سلمى مرشاق التي ما تزال تغوص في هذه الثروة المربكة التي هبطت عليها: «تولّت ابنتي رشا الأمير الناشرة والروائيّة وصديقة لها في القاهرة هي أميرة عبد الخالق، أمر شحنها من منزله في مصر الجديدة إلى بيروت، ووصلت قبل عام بالتمام أي في شهر أغسطس (آب) عام 2014».
وتضيف سلمى صاحبة كتابي «نقولا الحداد» و«إبراهيم المصري»: من حسن الحظّ أنّ جوار حديقة دارنا مبنى الهنغار الذي يستخدمه ابني لقمان سليم لنشاط جمعيّته «أمم للأبحاث والتوثيق» وكانت فترة الصيف وتلك النشاطات متوقّفة فأودعنا الصناديق في هذا المبنى. الصناديق تضمّ إضافة إلى الكتب باللغات العربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، أعدادًا من مجلات صدرت واندثرت ومنها ما زال يصدر كـ«الهلال» في مصر و«الضاد» في حلب.
وتروي سلمى التي انتهت من عملية فرز الكتب ولا زالت تغوص في عدد هائل من الرسائل التي تشغلها: «كنت أحاول تنظيم ما لا يقلّ عن صندوقين يوميا. المرحلة الأولى فرز الكتب وفق اللغة ومحاولة جمع إعداد كل مجلّة بترتيب سنويّ... وكان هذا العمل يتطلّب جهدًا لأنّ الصناديق مختلطة بمعنى أنّ محتوياتها غير منظّمة: كتب ومجلات ورسائل..».
ولكن كيف تم تنظيم هذا الكم الهائل من المؤلفات، ترد سلمى مرشاق: «تلت عمليّة الفرز الأولى تسجيل اسم كلّ كتاب ومؤلّفه ودار النشر وتاريخ إصداره وإذا كان عليه إهداء، وهذا ما يضيف قيمة معنويّة لأنّ الكثير من الكتّاب دوّنوا إهداءاتهم إلى الأديب، الناقد، الصحافيّ، الصديق... مع عبارات المودّة والتقدير؛ ثمّ وضعت الكتب المسجّلة في صناديق متوسّطة الحجم ونقلت تباعًا إلى مصيفي في سوق الغرب حيث لي ملاذٌ ألجأ إليه للقراءة والتأمّل، إذ لا متّسع فعلي لإضافة جميع هذه الكتب إلى مكتبتي الشخصيّة ولم أكن راغبة في خلط المكتبتين».
تمت رعاية المكتبة عائليًا تروي مرشاق: «قام كلٌّ منّا بدوره، رشا ابنتي اهتمت أوّلاً بالشحن وبتصوير بعض كلمات الإهداء ووضعها على برنامج خاصّ بمكتبة وديع فلسطين، كما أنّها أعدت لنا ما يُعرف بـ(إكس ليبريس) أي جزء من مكتبة تمّ وشم كلّ كتاب بها. أمّا أنا ومعاونتان لي فقمنا بعمليّة التسجيل بداية على الورق ثمّ طباعة تلا ذلك حفظ المعلومات على أقراص مدمجة». أما عن عدد الكتب فلا تزال أصعب من أن تحصى بشكل دقيق لكن سلمى مرشاق تقول: «إنها وُضعت في صناديق خاصّة متوسّطة الحجم، عددها ثلاثمائة صندوق. فإذا قدّرنا أنّ الصندوق يتسّع لما بين 20 و30 كتابًا تمكّنا من معرفة العدد التقريبي أي نحو 7500 كتاب».
مكتبة وديع فلسطين التي وجدت صدرًا رحبًا لها في لبنان، تحوي كتبا، ومجلات ورسائل متبادلة بينه وبين أصدقائه في مختلف أنحاء العالم العربي وأميركا وأوروبا.
الكتب تعكس اهتمامات الرجل، فالأدب نثرًا وشعرًا والصحافة وضعًا والاقتصاد البترولي والمعاجم المتنوّعة. فقد اهتمّ باقتناء كلّ قاموس يصدر ليتمكّن من العمل في مرحلة الترجمة.
أمّا المجلات فقد رتبت مؤخرًا وصار لها قائمة تحمل عناوين مائة وخمسين مجلّة ظهرت في العالم العربي وفي أميركا اللاتينيّة، بعضها كامل وبعضها الآخر أعدادٌ متفرّقة كان يحصل عليها ويحتفظ بها.
أمّا الرسائل التي تبادلها مع أقرانه وأصدقائه من مختلف أرجاء المعمورة فما زالت طور التنظيم، فهناك مثلاً رسائل من المؤرّخ فيليب حتى ومن الشاعر أحمد زكي أبو شادي ومن زميلته الجامعيّة الكاتبة أندريه شديد ومن الشاعر جورج صيدح ومن الكاتب نقولا يوسف ومن الكاتبتين سلمى الحفار الكزبري ووداد سكاكيني وزوجها العالم زكي المحاسني والشاعر نزار قبّاني وكلّها أسماء معروفة لمتتبّع الحركة الأدبيّة في مصر والعالم العربيّ.
ما يميّز هذه المكتبة أنّها تضمّ مواضيع متعدّدة شغلت بال وديع فلسطين المثقّف المصري العربي المتطلّع، كما أنّها ترسم لنا خريطة واسعة لعلاقاته برصفائه وما كانوا يفكّرون ويكتبون عن التراث الذي أنتجه العقل العربي في نصف قرن أو يزيد.
من أبرز المؤلّفات في هذه المكتبة، المؤلفات «التيمورية»، أي ما وضعه الأبّ أحمد باشا تيمور والابن محمود تيمور - كذلك إصدارات «المقتطف» كهدايا لقرّائها من وضع فؤاد صرّوف وجمال طوقان وحنّا خبّاز إلخ... التي كانت ترسل سنويًّا إلى مشتركي المجلّة عوض أشهر الصيف التي تتوقّف خلالها المجلّة عن الصدور وبعض الكتّاب الشوام مثل حبيب جاماتي وإبراهيم المصري ونجيب عقيقي. هناك أيضًا منشورات «رابطة الأدب الحديث» وهنري كاتن الذي كرّس جهده للقضيّة الفلسطينيّة، وقيمتها أنّها لن يعاد طبعها لأنّ اهتماماتنا قد تبدّلت كلّيًّا.
وحين نسأل إن تمت الاستعانة بجمعية أو مؤسسة لتنظيم المكتبة أو إيداعها في مكان ما تجيب سلمى مرشاق: «حتّى الآن لم أستعن بأحد سوى الآنستين اللتين عاونتاني على التسجيل الخطّي والطباعة. وربّما أن عدم توجهي بالنداء لأحد لطلب المعونة، يرجع إلى أنانيّتي ورغبتي في الاستفادة منها شخصيًّا قبل إشراك غيري في هذا الكثير». وتضيف: «السبب الثاني هو أنّني أحلم بإنشاء مؤسّسة تضمّ مكتبات فرديّة هامّة مثل مكتبة وديع فلسطين، ومكتبة زوجي الراحل المحامي والنائب محسن سليم وابنتي الروائيّة والناشرة رشا الأمير وابني المصاب مثلي بحبّ الكتب النادرة لقمان سليم ومكتبتي المتواضعة. كما تضمّ هذه المؤسّسة قسمًا خاصًّا للرسائل مماثلاً لمتحف المراسلة الذي زرته في باريس، حيث يحتفظون برسائل شخصيّات هامّة مع صور ومعلومات عن كلّ شخصيّة».
وتقول سلمى مرشاق «حتى الآن، لم أُطلع إلا مكتبة الجامعة الأميركيّة التي أتردّد إليها دومًا حيث لي صديقات كما التقيت بالمسؤول عنها الدكتور لقمان محيو». وتضيف: «حتمًا لم ولن أفكّر ببيعها أو التفريط فيها، فقط يمكنني إطلاق نداء لمن يشاركني حلم المؤسّسة بشقّيها: المكتبات وأدب المراسلة كي نسعى إلى تحقيق هذا الحلم وكما يقال فالحلم إلى الحقيقة سلّم..».
وحين نسألها عن طبيعة علاقتها بوديع فلسطين تقول: «أعود بذكرياتي إلى سنة 1948 التي أعتبرها سنة مفصليّة في حياتي. قبل ذلك العام كنّا نصلُ إلى لبنان برًّا. ينطلق القطار من محطّة مصر مساءً ويصل صباح اليوم التالي إلى حيفا، حيث نقضي أيًّامًا قلائل في فندق نصّار (أصحابه أصدقاء والديّ) فنتجوّل ونتعرّف على أهمّ المعالم».. وتكمل «ولكن سنة 1948. تبدّل الوضع، فهو عام النكبة وعام ركوب الطائرة لأوّل مرّة من مطار ألماظة القديم إلى مطار بئر حسن الصغير. في الفندق في بيت مري، تعرّفت والدتي على سيّدة فلسطينيّة بدا الحزن على ملامحها، أخبرتنا ما حلّ بها وأهلها ووطنها. دعتها والدتي لقضاء فترة الشتاء في مصر في ضيافتها... طرحت سؤالاً هل تعرفون الأستاذ وديع فلسطين وعرّفتنا به... هكذا بدأت الصلة به التي استمرّت طوال هذه السنوات، صديقًا للعائلة ثمّ موجّهًا في مطالعتي. وإن أنسَ لا أنسَ أنّه في ذلك العام نصحني بمطالعة نجيب محفوظ، ثمّ كان أستاذي في مادة الصحافة في الجامعة الأميركيّة في القاهرة».
ترى مرشاق أن تراجيديا المكتبات الخاصة في العالم العربي آن لها أن تحل مشكلتها، فقد رأى وديع فلسطين مكتبة صديقه الكاتب المصري محمد عبد الغني حسن، تباع لجامعة قطر، لأن عائلته أرادت التخلص منها، كذلك اختفت زوجة أخيه النحات لويس فلسطين ومعها أعماله بعد وفاته في إسبانيا وليس هناك من يسأل. والقصص من هذا النوع كثيرة، والحمل ثقيل، ولا توجد هيئات أو مؤسسات أو وزارات مؤهلة لتقوم بهذه المهمة.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.