مخاوف من استعار «حرب عملات» بعد تخفيض «اليوان» للمرة الثانية

اتهامات لبكين لدعم تنافسية صادراتها في الأسواق العالمية

حدد المصرف المركزي الصيني سعرا يمكن لليوان أو «عملة الشعب» أن يتقلب حوله بهامش 2 في المائة كل يوم
حدد المصرف المركزي الصيني سعرا يمكن لليوان أو «عملة الشعب» أن يتقلب حوله بهامش 2 في المائة كل يوم
TT

مخاوف من استعار «حرب عملات» بعد تخفيض «اليوان» للمرة الثانية

حدد المصرف المركزي الصيني سعرا يمكن لليوان أو «عملة الشعب» أن يتقلب حوله بهامش 2 في المائة كل يوم
حدد المصرف المركزي الصيني سعرا يمكن لليوان أو «عملة الشعب» أن يتقلب حوله بهامش 2 في المائة كل يوم

تلوح في الأفق بوادر حرب بين عملات اقتصادات الوزن الثقيل على مستوى العالم بعد قيام البنك المركزي الصيني للمرة الثانية على التوالي خلال يومين بخفض العملة الوطنية، اليوان، بعد يوم من تسجيل انخفاض بنسبة 1.9 في المائة يوم الثلاثاء الماضي، وذلك في الوقت الذي يستعد فيه الفيدرالي الأميركي لرفع أسعار الفائدة خلال سبتمبر (أيلول) المقبل.
وانخفضت قيمة اليوان بنسبة 1 في المائة أخرى أمس (الأربعاء)، مسجلاً أكبر انخفاض له مقابل الدولار على مدى يومين، منذ أكثر من عقدين لمدة يومين متواليين، لأدنى مستوياته في أربع سنوات، وانخفض سعر صرف اليوان إلى 6.4510 لكل دولار أميركي، وهو أدنى مستوياته منذ أغسطس (آب) عام 2011، بعد تعيين البنك المركزي السعر الرسمي لـ«اليوان» عند مستوى 6.3306 (الأربعاء)، وذلك بانخفاض قدره 1.6 في المائة، أضعف من تخفيض قيمة العملة يوم الثلاثاء.
ويُثير تخفيض قيمة العملة الصينية المخاوف من نشوب حرب عملات عالمية، بعد تسارع وتيرة الاتهامات بأن بكين تقوم بتقييم عملتها بأقل من المعقول، وذلك من أجل دعم تنافسية صادراتها في الأسواق العالمية.
يقول شون بريسلين، خبير في الاقتصاد الصيني وزميل في المعهد الملكي للدراسات الدولية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصين تسعى من خلال هذه القرارات إلى تحرير عملتها نسبيا ورفع مرونتها، حتى تدرج في سلّة العملات المرجعية التي يعتمدها صندوق النقد الدولي». وأضاف أنه فيما لم يقتنع بنظرية «حرب العملات» التي يدافع عنها البعض، فإن خفض قيمة اليوان ضد الدولار سيساهم حتما في تعزيز الصادرات وإنعاش التجارة الخارجية.
ويأتي تخفيض اليوان للمرة الثانية، أمس (الأربعاء)، بعد ظهور علامات أخرى على ضعف الاقتصاد الصيني، بعدما أظهرت الأرقام نمو الناتج الصناعي في يوليو (تموز) الماضي بنحو 6 في المائة عن العام السابق، بأقل من المتوقع، متراجعًا من نمو بنحو 6.8 في المائة في يونيو (حزيران) السابق.
وعلى النحو ذاته، تراجعت استثمارات الأصول الثابتة، وهو مقياس مُهم للإنفاق الحكومي على البنية التحتية، ليرتفع بنحو 11.2 في المائة فقط في النصف الأول من العام، وأيضًا أقل من التقديرات، وعند أدنى مستوى له منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2000.
و«حرب العملات» هي عبارة أطلقها وزير المالية البرازيلي السابق جويدو مانتيجا في عام 2010 لوصف كيفية تنافس الدول، سواء بشكل علني أو ضمنيًا، على إضعاف أسعار صرف عملاتها لزيادة تنافسية الصادرات.
ومن جانبه، يرى جوليان إيفانز - بريتشارد من مكتب «كابيتال إيكونوميكس» أن «البنك المركزي الصيني واجه معضلة. ولو لم يخفض التسعيرة المرجعية لتعكس تراجع اليوان يوم الثلاثاء في التبادلات، لكان اتضح أنه تراجع عن وعوده بالاعتماد على حركة السوق». وتابع: «لكنه من جهة أخرى غامر بإبطال تأكيده أن إجراء الثلاثاء كان (لمرة واحدة) وعزز فكرة بدء عمليات خفض متكررة».
ومن المرجح أن تتزايد التوترات مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تعتقد أن اليوان مقوم بأقل من قيمته، بما يعطي ميزة غير عادلة للمصدرين في الصين لتصدير مزيد من المنتجات المحلية للخارج. ولكن آخرين، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، أشادوا بتحركات الصين لتسمح لقوى السوق بأن تلعب دورًا أكبر.
ويهدد التراجع في قيمة اليوان السياسة التي ينوي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي اتخاذها خلال الاجتماع المقبل من خلال رفع أسعار الفائدة على الرغم من استمرار ضعف مؤشرات أداء الاقتصاد الأميركي.
وفي أول رد فعل للمركزي الأميركي على خفض قيمة اليوان، قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ويليام دادلي: «من الواضح أنه إذا كان الاقتصاد الصيني أضعف مما توقعته السلطات الصينية، فمن غير الملائم للعملة أن يتم إضعافها هي الأخرى نتيجة لهذا الضعف».
وقال دادلي، وهو حليف مقرب من رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي جانيت يلين، بعد أن ألقى كلمته في «روتشستر» بنيويورك: «إنه من المبكر جدًا الحكم على ما يحدث في الصين من حيث التغييرات في سياسة عملتهم. ومن الواضح أن ما يحدث هو إعادة تقييم اليوان الصيني جنبًا إلى جنب مع الدولار الأميركي».
ولم يعلق رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك على موعد رفع معدل الفائدة الأميركية، أو تقييم التوقعات الخاصة بمعدل نمو الاقتصاد.
وفي رد على أسئلة الجمهور، قال دادلي: «ما يحدث في الصين له تأثير كبير على بقية دول العالم وله تأثير كبير على الطلب في بلدان أخرى وانعكاسات كبيرة على أسعار السلع الأساسية».
وعلى نحو مخالف، وصف صندوق النقد الدولي، في بيان مساء الثلاثاء الماضي، تحرك الصين للسماح بلعب دور أكبر في السوق العالمية بـ«الخطوة الطيبة»، ولكن أشار إلى أن بكين لا بد أن تذهب أبعد من ذلك بكثير للسماح بتعويم عملتها بحرية.
ووفقا لبيان الصندوق، كان اليوان يتداول بالقرب من قيمته العادلة في مايو (أيار) الماضي، وإن ما فعلته الصين بتخفيض العملة أول من أمس (الثلاثاء)، يمكن أن يكون الخطوة الأولى لإصلاح أكبر في نظام عملتها.
ومع ذلك، يرى الصندوق أن اليوان لديه مجال أكبر للسقوط لاستعادة القدرة التنافسية للعملة مع نظرائها في المنطقة ولكن على أساس معدل التضخم.
ويقول الدكتور محمد السقا، وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت، لـ«الشرق الأوسط»، إن تخفيض اليوان الصيني سيجعل الاحتياطي الفيدرالي يتأنى في اتخاذ قرار رفع الفائدة لما هو أبعد من سبتمبر المُقبل.
لكن مايكل فيرولي، الاقتصادي في «جيه بي مورغان»، يقول: «من المرجح أن ينظر مسؤولو مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي إلى تخفيض قيمة العملة الصينية بين عشية وضحاها باعتبارها رياحًا عكسية طفيفة، ولكن ليست كبيرة بما يكفي لتغيير وجهة قاعدتنا عن رفع الفائدة في سبتمبر».
وتأمل الصين تخفيض قيمة العملة لتحفيز معدل الصادرات من أجل تحسين النمو الاقتصادي، وذلك لأن تراجع صادرات الصين يعني تزايد خطر فقدان الوظائف على نطاق واسع في الصناعات التحويلية.
وحرب العملات لن تنال الولايات المتحدة الأميركية فقط، بل هي حرب كاملة بين الاقتصادات المتنافسة القوية في العالم لما سينتج عنها من توتر أسواق العملات والأسهم العالمية.
وقال «ASSOCHAM»، وهو اتحاد غرف التجارة في الهند، إن تخفيض العملة الصينية بأعلى مستوى من أكثر من عقدين من الزمن، سوف يكون له تأثير ثلاثي الأضعاف بالنسبة للهند.
ويقول الاتحاد، في تحقيق سريع أمس (الأربعاء) عن انخفاض اليوان، من الناحية الأولى سيكون هناك الكثير من التقلبات حول سعر الروبية خلال الفترة المقبلة، بعدما لامست العملة الهندية خلال تعاملات أمس (الأربعاء) أدنى مستوى لها منذ سبتمبر 2013 مما اضطر إلى تدخل من قبل البنك الاحتياطي الهندي.
ويُضيف تحليل «ASSOCHAM»، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن التأثير الثاني يتمثل في ضعف تنافسية الصادرات الهندية التي هي بالفعل تحت ضغط هائل في الأسواق الرئيسية في العالم، بعدما تعرضت لمزيد من التأكل في قدرتها على المنافسة، كما أن الصين ستصبح أكثر عدوانية في التحركات اليائسة لدعم اقتصادها.
ويتابع التحليل: «ثالثًا، إذا لم تكن الروبية الهندية قادرة على مواكبة اليوان في فقدان القيمة، فسوف تزيد الصين من إغراق السوق الهندية بمزيد من البضائع، مما يدفع العجز التجاري الهندي نحو مزيد من الاتساع».
وجاء تخفيض قيمة العملة، أول من أمس (الثلاثاء)، وهو أكبر انخفاض في يوم واحد منذ عام 1994، بعد سلسلة من البيانات الاقتصادية السيئة التي أثارت الشكوك في أن الصين مقبلة على مزيد من تخفيض قيمة عملتها على المدى الطويل حتى تصبح الصادرات الصينية أرخص في الأسواق العالمية.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، أظهرت بيانات حكومية، صادرة من هيئة الجمارك الصينية، انخفاضا بنسبة 8.3 في المائة في الصادرات في يوليو.
وتقول باميلا نيوينهام، وهي محللة متخصصة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا وريادة الأعمال، إن انخفاض قيمة اليوان يعني أن المنتجات الصينية (الهواتف الذكية أو أجهزة الكومبيوتر المحمولة «لينوفو هواوي») ستكون أكثر قدرة على المنافسة في الخارج، حيث تصبح البضائع الصينية أرخص للمشترين في الخارج. وتُضيف نيوينهام، في مقالتها بـ«التايمز» الآيرلندية، قائلة: «على الجانب الآخر، فإن الواردات تكون أكثر تكلفة. وهذا يؤثر على الشركات العالمية مثل (آبل) وشركة (بروكتر أند غامبل)، والصين (بما في ذلك هونغ كونغ وتايوان) تعتبر واحدة من أكبر أسواقها».
وانسحب تراجع اليوان الصيني على قيمة العملات الآسيوية الأخرى أمس (الأربعاء)، فتراجعت الروبية في إندونيسيا، ولامست الرينجت الماليزية أدنى مستوى لها منذ 17 عامًا، بينما لامس الدولار في نيوزيلندا أدنى مستوياته منذ ستة أشهر.



تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.


لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
TT

لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

بدَّد مصرف لبنان المركزي الهواجس المتداولة في الأسواق بشأن وقف العمل بدفع حصص شهرية بالدولار النقدي لصالح المودعين في البنوك، عبر التحضير لتمديد المهلة الزمنية لتطبيق مفعول التعميمين 158 و166، قبل آخر شهر يونيو (حزيران) المقبل، وريثما يتم اعتماد آليات جديدة بموجب مشروع قانون «الفجوة» المحال من الحكومة إلى مجلس النواب.

وأكد مسؤول كبير في البنك المركزي -في اتصال مع «الشرق الأوسط»- اتخاذ القرار لإصدار تعميم يقضي بتمديد العمل بالتعميمين لمدة 6 أشهر على الأقل، واستطراداً استمرار صرف الحصص وفق الآلية السارية، نقداً وعبر بطاقات الدفع الإلكتروني، بما يؤمِّن سيولة فعلية بقيمة ألف دولار شهرياً للتعميم الأول، وبمبلغ 500 دولار للمستفيدين من التعميم الثاني.

وليس ممكناً -وفق المسؤول المعني- التخلي عن ضخ الحصص الشهرية، ريثما يحدد مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع -بعد إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب- الآليات النهائية لضخ شرائح الودائع المضمونة بحد أقصى يبلغ 100 ألف دولار لكل مودع، مهما تعددت حساباته، خلال 4 سنوات، ولإصدار شهادات مالية بضمانة أصول لدى البنك المركزي للشرائح الأعلى من السقف المضمون، وموزعة حسب المبالغ، على آجال 10 و15 و20 سنة.

ويجري التداول في المجلس المركزي لمصرف لبنان، باحتمال الاضطرار إلى رفع السقوف المجمعة لمبالغ التعميمين، بما يضمن عدم الانقطاع عن صرف الحصص الشهرية في حال استمرار التأخير بتشريع خطة متكاملة لإعادة الاستقرار المالي، والقوانين اللازمة لإصلاح وضع المصارف وتنظيمها، والانتظام المالي واسترداد الودائع.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يُطلع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على آخر التطورات النقدية (الرئاسة اللبنانية)

ويلفت المسؤول المعني إلى إشهار مصرف لبنان تأكيده على متابعة دفع المتوجبات ضمن التعاميم: «لما في ذلك من أهمية لدعم المودعين وقدرتهم المالية بشكل خاص والاقتصاد المحلي بشكل عام، لما في ذلك من مسؤولية قانونية واجتماعية تجاه المودعين؛ خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

وقد تسببت الهواجس من تداعيات تراجع التدفقات النقدية وانكماش واردات الموازنة العامة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، جرَّاء الحرب في لبنان والمنطقة، وتأثيراتها المستمرة على مصادر مهمة لدخول العملات الصعبة وفي مقدمها السياحة والتحويلات من الخارج، في شيوع مخاوف مشروعة من تناقص مخزون الاحتياطيات بالدولار لدى البنك المركزي، واستتباعاً الاضطرار إلى تقنين الصرف النقدي من قبله، والذي يتعدَّى 500 مليون دولار شهرياً، بالمناصفة تقريباً بين سداد مخصصات القطاع العام وصرف الحصص الشهرية للمودعين المستفيدين من التعميمين.

لكن تجربة الحرب السابقة كرَّست -حسب المسؤول الرفيع المستوى- نجاعة السياسة النقدية التي يعتمدها البنك المركزي في إدارة السيولة، وسد منافذ أي مضاربات محتملة تصيب العملة الوطنية من خلال التحكم الصارم بسيولة الليرة؛ بل ساهمت بفاعلية في طمأنة عامة المواطنين والأسواق من خلال ديمومة صرف المستحقات للقطاع العام، ومبادرة الحاكم السابق بالإنابة، وسيم منصوري، مرتين متتاليتين، إلى مضاعفة حصص المودعين، بهدف تعزيز الثقة، ومعاونتهم على مواجهة أعباء الإنفاق المستجدة.

مصرف لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

وفي انتظار الخطة المتكاملة، شكَّلت هذه السياسة المعتمدة من حاكمية البنك المركزي: «استجابة للحاجة الملحَّة والإنسانية لمئات آلاف المودعين الذين لا تزال أموالهم محجوزة في النظام المالي والمصرفي منذ سنوات عدة، وساهمت في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وضمن صلاحياته الحصرية بموجب قانون النقد والتسليف، وباستخدام الأداة القانونية الوحيدة المتاحة»، والمترجمة عملياً بتطبيق التعميم 158 منذ منتصف عام 2021، وإلحاقه بالتعميم 166 بدءاً من فبراير (شباط) من عام 2024.

ووفق رصد إحصائي، يتبيَّن أنَّ صافي الرصيد للحساب المتفرع الأعلى، والمتبقي لدى المستفيدين من التعميم الأساسي، سيبلغ نحو 10 آلاف دولار بنهاية الشهر المقبل، مما يستلزم فترة 10 أشهر لصرفه، طبقاً للحصص المعتمدة بواقع 800 دولار نقداً و200 دولار عبر بطاقات الدفع. في حين أن جميع المستفيدين من التعميم عينه، والذين كانت ودائعهم تساوي أو تقل عن 40.2 ألف دولار قد استردوا كامل مدَّخراتهم حتى نهاية شهر أبريل (نيسان) 2026.

وبموجب الجداول الإحصائية المنجزة لدى البنك المركزي؛ بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للاستفادة من التعميمين 158 و166، نحو 611 ألف طلب، وبلغ العدد الإجمالي للمستفيدين نحو 578 ألف مودع حتى نهاية مارس (آذار) الماضي، من بينهم نحو 266 ألف مودع، أي ما نسبته 46 في المائة من الإجمالي، استعادوا كامل ودائعهم في الحساب الخاص المتفرع، ما أفضى إلى انخفاض بنحو مليوني دولار في مبالغ الدفعات الشهرية للتعميمين، لتصل إلى نحو 240 مليون دولار.

وبلغت الحصيلة المجمعة لعمليات السداد من بدء تطبيقها للتعميمين، نحو 6.1 مليار دولار حتى نهاية الفصل الأول من العام الحالي، موزعة بنحو 4.18 مليار دولار، أي بنسبة 68.4 في المائة، تكفل البنك المركزي بضخها من الاحتياطي الإلزامي، بينما غطت المصارف التجارية نحو 1.92 مليار دولار، أي ما نسبته 31.5 في المائة من مجموع المدفوعات الخاصة بالتعميمين.