كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات

البغدادي جند بعض ضباط الجيش السابق في السجن وأصبحوا الآن ضمن دائرته المقربة

جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
TT

كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات

جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)

يتذكر علي عمران جيدا ضابطا برتبة رائد حين كان ملتحقا بمدرسة المدفعية التابعة للجيش العراقي قبل نحو عشرين عاما. ولأن الضابط كان متدينا فإنه وبخ عمران لدخوله الحمام وهو يرتدي مشبكا يحمل العلم العراقي لأنه مكتوب عليه عبارة «الله أكبر».
لم ير عمران الرائد طه العاني مرة أخرى إلا بعد سنوات وتحديدا في عام 2003 وقت الغزو الأميركي للعراق واقتحام القوات الأميركية لبغداد. ففي قاعدة عسكرية متواضعة شمال بغداد، كان العاني يتولى الإشراف على شحن أسلحة وذخيرة في سيارات نقل. وأخذ تلك الأسلحة معه عندما انضم إلى جماعة التوحيد والجهاد، وهي نواة تنظيم القاعدة في العراق.
والعاني حاليا قائد في تنظيم داعش، على حد قول عمران، الذي ارتقى في المناصب إلى أن أصبح لواء في الجيش العراقي ويقود حاليا الفرقة الخامسة التي تقاتل تنظيم داعش. وتتبع عمران رفيقه السابق من خلال شبكة القبائل العراقية واستنادا إلى المعلومات الاستخباراتية التي جمعها جهاز مكافحة الإرهاب الرئيسي بالحكومة والذي يعمل به حاليا.
ويعد هذا مسارا شائعا للأحداث، إذ يهيمن على القيادة العليا لتنظيم داعش، تحت قيادة العراقي أبو بكر البغدادي، ضباط سابقون في الجيش العراقي وأجهزة استخبارات في عهد صدام حسين وذلك بحسب ضباط عراقيين رفيعي المستوى يقاتلون تنظيم داعش على خطوط المواجهة الأمامية، وكذلك مسؤولين استخباراتيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس وحدة رئيسية تابعة لاستخبارات مكافحة الإرهاب.
وتعد الخبرة التي يسهمون بها من الأسباب الرئيسية لنجاح التنظيم في السيطرة على مناطق شاسعة من العراق وسوريا. وقد أسهم الضباط بمهاراتهم في التنظيم والانضباط اللازمين من أجل تماسك ووحدة المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم، والجمع بين الوسائل الإرهابية مثل العمليات الانتحارية وبين العمليات العسكرية. وقد تولوا مسؤولية جمع المعلومات الاستخباراتية، والتجسس على القوات العراقية، وكذلك صيانة وتطوير الأسلحة ومحاولة وضع برنامج لتصنيع الأسلحة الكيماوية.
وقال باتريك سكينر، مسؤول سابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، عمل في العراق، إن «ضباط الجيش والاستخبارات الذين قضوا خدمتهم إبان حكم صدام حسين كانوا (عنصرا ضروريا) في معادلة النجاح المذهل المفاجئ الذي حققه تنظيم داعش على أرض المعركة خلال العام الماضي والذي أسهم في تحول التنظيم من جماعة إرهابية إلى شبه دولة». وأوضح سكينر، الرئيس الحالي للمشروعات الخاصة في شركة «صوفان غروب» الخاصة لخدمات الاستخبارات الاستراتيجية، قائلا: «لم تكن النجاحات التي حققوها خلال العام الماضي نجاحات إرهابية بل نجاحات عسكرية».
وحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» تفسر الأحداث المتشابكة التي شهدها العقدان الماضيان كيف اندمج ضباط سابقون خدموا خلال حقبة نظام صدام حسين، الذي كان علمانيا بالأساس، في واحد من أكثر التنظيمات تطرفا وتشددا في العالم. ومن بين تلك الأحداث ما سمي بـ«الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات، والغضب الذي كان يعتمل في نفوس الضباط السنة نتيجة حل الولايات المتحدة للجيش العراقي عام 2003، وما أعقبه من ظهور حركة التمرد.
كان سعود محسن حسن، نائب البغدادي، رائدا في جيش صدام حسين. ويعرف باسم «أبو معتز»، و«أبو مسلم التركماني» بحسب ما أوضح رئيس الاستخبارات. كذلك من أسماء حسن الأخرى فاضل الحيالي وهو الاسم المستعار الذي كان يستخدمه قبل سقوط صدام حسين، طبقا لما قاله رئيس الاستخبارات لوكالة «أسوشييتد برس». ومثل آخرين رفض ذكر اسمه في المقال لمناقشته قضايا تتعلق بالاستخبارات.
وبعد عام 2000 سجن حسن في سجن «بوكا»، الذي كانت الولايات المتحدة تتولى إدارته، وكان هو مركز الاعتقال الرئيسي لأعضاء حركة التمرد وحيث كان البغدادي أيضا معتقلا. وكان السجن بمثابة حضانة لتفريخ تنظيم داعش، حيث سمحت لمسلحين مثل البغدادي بالاتصال بضباط سابقين في جيش صدام حسين، من بينهم أفراد في القوات الخاصة، والحرس الجمهوري الذي يعد من النخبة، والقوة شبه العسكرية التي تسمى «فدائيو صدام».
في العنبر رقم 6 بسجن بوكا (قرب البصرة) كان البغدادي يلقي خطبه، وبرز حسن كشخص قادر على التنظيم، إذ كان يقود السجناء في إضرابات من أجل إجبار السجانين الأميركيين على تقديم تنازلات، على حد قول رئيس الاستخبارات. وينتشر نزلاء «بوكا» السابقون حاليا ضمن صفوف قيادة تنظيم داعش ومن بينهم «أبو علاء العفري»، أحد العسكريين السابقين في الجيش العراقي، والذي كان يوما في تنظيم القاعدة، ويعمل حاليا مسؤولا عن «بيت المال» في تنظيم داعش، بحسب وثيقة يعتقد أنها توضح ترتيب المناصب داخل التنظيم عرضها رئيس الاستخبارات.
واستقطب البغدادي هؤلاء الرفاق الموثوق فيهم، وقربهم إليه بعد إصابته في إحدى الهجمات الجوية في وقت سابق من العام الحالي، بحسب ما أوضح رئيس الاستخبارات. كذلك عين عددا منهم في المجلس العسكري للتنظيم، ويعتقد أن عددهم يتراوح بين سبعة وتسعة، أربعة منهم على الأقل كانوا ضباطا في جيش صدام حسين. كذلك قرّب إليه رفاقا سابقين في سجن «بوكا» وجعلهم ضمن دائرته المقربة وأمنه الخاص. كذلك ولى البغدادي بعض الضباط القدامى من حقبة صدام على 12 «ولاية» أقامها التنظيم في المنطقة التي يسيطر عليها في العراق، طبقا لما قاله رئيس الاستخبارات.
وأقر مسؤولون عراقيون بأن تحديد قيادة تنظيم داعش مهمة غير مؤكدة النتائج، فإلى جانب البغدادي ذاته، لا يكشف التنظيم عن أي من قياداته أو مناصبهم تقريبا ولا حتى بأسمائهم المستعارة. وعندما يتم قتل القادة، لا يكون معلوما في أكثر الحالات الأشخاص الذين تولوا المنصب محلهم. وقد وردت تقارير عن مقتل عدد من القيادات، ليتبين فيما بعد أنهم لا يزالون أحياء. ويعتقد أن الشخصيات القيادية تغير أسماءها المستعارة مما يجعل من غير الواضح ما إذا كانت شخصية قيادية أخرى قد تولت المنصب أم لا. ويقول عميد في الاستخبارات العسكرية رفض الإفصاح عن اسمه لمناقشته موضوعا حساسا: «فاق أداء تنظيم داعش العسكري كل التوقعات. وكانت قيادة ضباط سابقين في جيش صدام حسين للمعارك أمرا صادما». وأضاف قائلا: «من الناحية الأمنية، لا نستطيع في أكثر الأحوال معرفة الشخصيات التي تحل محل غيرها في صفوف القيادة. نحن لا نستطيع اختراق التنظيم. إن هذا لأمر مرعب».
وبحسب التقديرات المتاحة، يتراوح عدد الضباط السابقين، الذين انضموا إلى تنظيم داعش، بين 100 و160 ضابطا وأكثرهم يشغلون مناصب متوسطة ورفيعة وذلك بحسب مسؤولين، في حين أن أكثر ضباط الاستخبارات من محافظة الأنبار، وأكثر ضباط الجيش من مدينة الموصل. وينتمي أفراد الأجهزة الأمنية إلى عشيرة صدام حسين المحيطة بمدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين، على حد قول العميد عبد الوهاب الساعدي، أحد المحاربين القدامى المشاركين في القتال ضد تنظيم داعش في شمال وغرب بغداد.
وعلى سبيل المثال، قاد عاصم محمد ناصر، العميد السابق في القوات الخاصة إبان حكم صدام حسين، والذي يعرف أيضا باسم ناجي بركات، هجوما جريئا عام 2014 في مدينة حديثة في محافظة الأنبار أسفر عن مقتل نحو 25 ضابط شرطة، والسيطرة مؤقتا على مبنى المجلس المحلي للمدينة.
وهناك علاقات قوية تربط بين الكثير من الضباط السابقين خلال فترة حكم صدام حسين وبين العشائر أو هم أنفسهم من أبناء شيوخ العشائر في مناطقهم، وهو ما يوفر لتنظيم داعش شبكة دعم حيوية مهمة، ويساعده في تجنيد أفراد في صفوفه. ويعتقد أن هذه العلاقات العشائرية من أسباب الانهيار المفاجئ لقوات الأمن العراقية حين استولى تنظيم داعش على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، خلال شهر مايو (أيار).
وقال الكثير من الضباط، الذين أجرت وكالة «أسوشييتد برس» مقابلات معهم، إنهم يعتقدون أن قادة تنظيم داعش قد أقنعوا رجال العشائر المنضمين إلى قوات الأمن بالتخلي عن مواقعهم دون قتال. ولاحظ سكينر، المسؤول السابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، مدى تفوق ضباط الاستخبارات، الذين كانوا يعملون خلال فترة حكم صدام حسين، ممن قابلهم في العراق، ولاحظ القدرات الاستخباراتية التي يتمتع بها تنظيم داعش في الرمادي، والموصل، ومدينة الرقة في سوريا، والتي اتخذها التنظيم عاصمة لدولته المزعومة. وأوضح سكينر قائلا: «إنهم يقومون بعمليات اختراق استخباراتية كلاسيكية. ولديهم خلايا نائمة. كذلك ينفذون عمليات اغتيال كلاسيكية تعتمد على الاستخبارات»، مشيرا إلى موجة من الاغتيالات استهدفت ضباط شرطة وجيش عراقيين، وشيوخ عشائر، وأفرادا في قوات الصحوات السنية المدعومة من الحكومة خلال عام 2013. ويحتاج اختيار الشخص الذي يتم اغتياله، وكيفية الوصول إليه قدرا كبيرا من المعلومات، على حد قول سكينر. ومن الواضح أن تنظيم داعش يعلم جيدا كيفية الحصول على تلك المعلومات.
شهد منتصف تسعينات القرن الماضي واحد من المبادرات، التي أسفرت في النهاية عن اندماج رجال صدام حسين السابقين في صفوف تنظيم داعش. كان ذلك عندما تخلى صدام عن المبادئ العلمانية الصارمة، التي يقوم عليها حزب البعث الحاكم آنذاك، ودشن ما يعرف بـ«الحملة الإيمانية». وبدأت أجهزة أمن صدام حسين المخيفة في التسامح مع مظاهر التدين بل وحتى مع الآراء الدينية المتشددة في صفوف الجيش رغم مراقبتهم لأصحابها لضمان عدم وصولهم إلى مناصب قيادية. في ذلك الوقت، كانت ينظر إلى تلك الخطوة باعتبارها محاولة للحصول على دعم سياسي من المؤسسة الدينية بعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991 وما تبعها من انتفاضات الأكراد والشيعة.
ويقول رئيس الاستخبارات: «أكثر ضباط الجيش وأجهزة الاستخبارات الذين يعملون في صفوف تنظيم داعش من أولئك الذين بدت عليهم إمارات التدين إبان حكم صدام حسين. لقد شجعتهم الحملة الإيمانية».
وقبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 دعا صدام حسين المقاتلين الأجانب علنا إلى القدوم للعراق من أجل مقاومة المحتلين. وأتى الآلاف إلى العراق، وتباهى المسؤولون العراقيون بهم أمام وسائل الإعلام بينما يتلقون تدريبا على أيدي مدربين عراقيين. وبقى الكثيرون وانضموا في النهاية إلى حركة مقاومة القوات الأميركية وحلفائهم من العراقيين. وبعد سقوط نظام صدام حسين، اندفع مئات الضباط في الجيش العراقي، نتيجة الشعور بالغضب من قرار الولايات المتحدة بحل الجيش العراقي، نحو الانضمام إلى صفوف حركة التمرد. وخلال الأيام الأولى، كانت الكثير من جماعات المقاومة علمانية الطابع نسبيا، لكن تنامى نفوذ المسلحين المتطرفين، خاصة مع تأسيس تنظيم القاعدة في العراق وتزايد قوته.
وكان أبو مصعب الزرقاوي، المسلح الأردني، يقود تنظيم القاعدة في العراق في البداية، وكان هناك حضور أجنبي قوي في صفوف قيادات التنظيم، لكن بعد وفاة الزرقاوي في إحدى الهجمات الجوية الأميركية عام 2006، بدأ خليفته العراقي أبو عمر البغدادي في استقطاب المزيد من العراقيين خاصة الضباط السابقين في حقبة صدام حسين. وتنامى هذا التوجه عندما تولى أبو بكر البغدادي القيادة بعد مقتل سلفه عام 2010 في إحدى الهجمات الجوية. وكان أول نائبين لأبو بكر البغدادي، اللذان اضطلعا بدور مهم في الإعداد إلى العمليات التي أسفرت فيما بعد عن اجتياح سوريا والعراق، من ضباط حقبة صدام حسين بحسب من تم إجراء مقابلات معهم. وهذان النائبان هما سامر الخلفاوي، العقيد السابق في القوات الجوية الذي قتل في إحدى المعارك في سوريا عام 2014، وعبد الله البيلاوي، ضابط استخبارات سابق قتل في الموصل على أيدي الجيش العراقي في مايو 2014 قبل شهر من سقوط المدينة في أيدي تنظيم داعش وحل حسن محله.
وقال مايكل رايان، مسؤول تنفيذي سابق رفيع المستوى في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين: «من الواضح أن بعضهم (ضباط صدام حسين) كان في قلب التمرد منذ البداية». وأضاف: «لقد باتت معرفتهم جزء لا يتجزأ من بنية تنظيم داعش. ونتج عن دمج هذه الخبرة العراقية، وما يمكن تسميته بالخبرة العربية الأفغانية، تنظيم داعش، الذي حقق نجاحا أكبر مما حققه تنظيم القاعدة في العراق. وهو حتى هذه اللحظة على الأقل أقوى من تنظيم القاعدة في سوريا».



هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.