المدن الحديثة تجاور الصحارى الذهبية وتجذب الإنتاجات الكبيرة

دولة الإمارات تنجز ما تعد هوليوود به

فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»،  توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»، توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
TT

المدن الحديثة تجاور الصحارى الذهبية وتجذب الإنتاجات الكبيرة

فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»،  توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»، توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»

في منتصف الشهر الماضي قامت شركة يونيفرسال بما لم تقم به من قبل: إيفاد مجموعة من ممثلي وصانعي فيلم «سريع وغاضب 7» إلى مدينة أبوظبي، حيث تم تصوير بعض مشاهد الفيلم قبل أقل من عام، لإقامة مؤتمر صحافي يستمر أربعة أيام.
العادة جرت أن تتم هذه المؤتمرات واللقاءات الصحافية (التي تُـسمّـى Press Junkets) في الدول الغربية وبعض الدول الآسيوية البعيدة. في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا (أحيانًا) وفي طوكيو والصين وتايلاند (أحيانًا أخرى).
لم تقم سابقًا في مصر ولا في لبنان ولا في تونس، وحسب علمنا ربما أقيمت مرّة واحدة في الدار البيضاء. هذه ليس لها علاقة بالمهرجانات المقامة في تلك الدول أو سواها، بل هي جهد منفصل تقرره الشركة المنتجة وتشرف عليه منفصلاً عن أي نشاط آخر سوى الترويج للفيلم.
كذلك لم يقع هذا اللقاء المرتّـب ترتيبًا جيّـدًا في أي دولة خليجية من قبل بما فيها دولة الإمارات إلا من خلال مهرجانات سابقة خصوصًا دبي وأبوظبي. إليه دعيت الصحافة العربية والعالمية وأمّـه ممثلون من محطات تلفزيونية وصحف ومجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية من كندا إلى الهند ومن الولايات المتحدة إلى دولة الإمارات ذاتها.
مؤسسة «توفور 54»، التي أشرفت على الاستضافات وتهيئة الأجواء التي تقودها الناشطة نورا الكعبي كرئيس مجلس إدارة، أدركت منذ البداية ما يعنيه تصوير «سريع وغاضب 7» في الإمارة من حسنات. طبعًا يعني الكثير من التحديات في مجال توفير الخدمات وحسن سير الإدارات المتصلة، لكنه يعني أن أبوظبي من ناحية ودولة الإمارات من ناحية أعم، ستصبح محط ثقة الاستوديوهات الأميركية إذا ما نجحت تجربة التصوير فيها. ليس فقط أن التجربة نجحت ميدانيًا ومن دون مشاكل كان يمكن لها أن تقع في أي بلد غير مستعد إذا ما تم التصوير فيه، بل أثرى ملامح الفيلم على الشاشة. منحته مشاهد لم ير المشاهد الغربي مثلها تمزج ما بين ناطحات سحب عصرية وصحراء عربية تعيش في تعاضد ينسف ما سبق من تلك الصور التي أساءت للصحراء العربية في سالف العصور أيام كانت هوليوود تستوحي من حكايات الخيال بيئات تصوّرها بدائية وغير حضارية.

* فائدة متبادلة
* الأمر ذاته كان فيلم «المهمة: مستحيلة 4» أوحى به. في العام 2011 قامت شركة باراماونت بالموافقة على تصوير جزء كبير من مشاهد الفيلم الجاسوسي المعروف في مدينة دبي واحتفت، هي والمدينة ومهرجان دبي معًا، بتلك المشاهد الخاصّـة التي تدلّـى فيها توم كروز من أحد الطوابق العليا في أعلى مبنى في العالم، وهو برج خليفة، تبعًا لأحداث الفيلم.
هو أيضًا لم يكن الفيلم الأميركي الأول الذي استعان بدولة الإمارات لإنجاز مشاهده. قبله، على سبيل المثال: «سيريانا» (2005) الذي كان من الممكن تصويره في صحراء أريزونا أو في بعض صحارى المغرب لو أرادوا وكما فعلوا في غالبية ما صوّروه من أفلام تتضمن حكايات صحراوية.
لكن السؤال، في هذا النطاق، هو ما هي فوائد تصوير الأفلام الأجنبية في أي دولة عربية؟ ما الذي يجنيه البلد خصوصًا إذا ما كان ذا اقتصاد مزدهر ومستقر كما الحال في دولة الإمارات؟
إنه سؤال سهل الإجابة في بعض جوانبه وصعب في جوانب أخرى.
التصوير في بلد عربي يعني، كبداية، ثقة التمويل بأن صرف جزء من الميزانية (قد يكبر ليشمل معظم الميزانية أو يبقى محدودًا حسب حجم التصوير الخارجي المطلوب) ليس مضيعة للمال أو للوقت (والوقت هو أيضًا مال). لا يوجد منتج على سطح الكرة يريد أن يختار بلدًا يصوّر فيه، ولا حتى موقعًا يقصده في بلده هو، ليكتشف أن هناك معيقات، ولو أن ذلك ما يزال يحدث من حين لآخر كما ورد هنا في الأسبوع الماضي حول فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الجديد «المنبعث».
بتحقيق البلد متطلّـبات الضيافة والتصوير من حيث آلياته والاستعدادات اللوجستيكية والإدارية المختلفة ومن حيث توفير أسباب الراحة والأمن (وهي متوفرة دومًا في دولة الإمارات) يستطيع أن يبرز هويّـته بين هويّـات الدول القادرة على تنفيذ خطط عمل بحجم مئات ملايين الدولارات. هذا مبرهن في مجالات غير سينمائية وفنية، لكن السينما، وباقي الفنون، هي بمثابة الحلوى على المائدة. إذا ما اعتمدتها شركات الإنتاج الأميركية على الأخص (كونها الأكبر حجمًا والأوسع انتشارا) فإن البلد صار موطنًا لحركة متواصلة من الأعمال وتبادل الخبرات يستفيد السينمائي المحلي بسببها في الوقت الذي ينجز الأجنبي ما جاء للبلد من أجله.

* تاريخ طويل
* قبل أقل من عشر سنوات قامت حكومة دبي بتأسيس «استوديوهات دبي» والغاية هي تمامًا ما تم إنجازه ولا يزال: استقبال كل أنواع وأعمال التصوير التلفزيوني والسينمائي في إمارة دبي. وهي سريعًا ما انتبهت ضرورة حصر كل المعاملات في إدارة واحدة، عوض توزّعها على عدة إدارات وقطاعات مما ينتج عنه تأخير العمل وسهولة سقوطه في عراقيل مفاجئة. ما نتج عن تلك التسهيلات أن تدفقت على دبي مشاريع تصوير مختلفة ولو أن قلّـة منها هي التي تشبه «المهمّـة: مستحيلة 4» أو «سريع وغاضب 7» حجمًا وأهمية.
السبب في ذلك هو أنه ليس من السهل على هوليوود ذاتها البحث عن مشاريع سينمائية تفرض على أصحابها التصوير في دولة معيّـنة. قليلة ومتباعدة هي الأفلام الأميركية التي تصور في البرازيل أو في النرويج أو في تشاد أو في مصر أو في سواها مثلاً. إن لم يكن هناك داع مرتبط بالحكاية ذاتها ومواقعها، وإذا لم يكن من الصعب استيحاء الموقع والثقافات والهويات الاجتماعية وفبركتها داخل هوليوود أو - على الأبعد - كندا، فلم القيام بالتصوير الخارجي الذي سيضيف عبئًا على الميزانية؟
السبب الوحيد هو أن يكون البلد المقترح متطوّعًا للإنفاق على الفيلم بدوره. وهذا له شأن آخر يمر بفلترات كثيرة من بينها أن السياسة السينمائية لبعض الدول، وعن صواب، هي جذب الشركات الكبرى للتصوير فيها من دون أن تسهم في تسديد الفاتورة نقدًا. في المقابل، ستتيح لها، عبر مرافقها الحكومية المختلفة، كل المساعدات اللوجستيكية الممكنة وكل المتطلبات الإدارية المتاحة وعلى أفضل وجه وتعفيها من الكثير من النفقات التي كانت ستتكلّـفها وكلها عناصر جذب مهمّـة في حال توفر النص المناسب طبعًا.
تاريخ التصوير في البلاد العربية يذهب بعيدًا ليصل إلى مطلع تاريخ التصوير ذاته. الأخوان لوميير، بينما كانا لا يزالان يرتابان بمستقبل السينما، على حد ما صرّح به أحدهما على الأقل، أوفدا مصوّرين كثيرين إلى كل منطقة في العالم ومن بينها فلسطين ومصر والمغرب والجزائر وسوريا، وذلك منذ السنوات العشر الأولى من القرن الماضي.
عندما باتت الأفلام قصصًا تُـروى، تم تصوير عشرات الأفلام الأميركية والأوروبية في صحارى ومدن عربية من مراكش إلى مصر ومن الجزائر إلى العراق ولبنان.
الإنتاجات العصرية فيما بعد توزّعت بين مصر لحين ثم اعتمدت لبنان في الستينات. من لجأ إلى مصر للإنتاج اكتشف التعقيد الروتيني. جرّب ولم يعد وما لبث أن روّج أن التصوير هناك معقد. لبنان كان هيّـنًا. استقبل أفلامًا كثيرة صوّرت في جباله ومدنه وإن كان من بينها ما صوّرها، في الستينات، كعاصمة جواسيس عالمية. سواء أكان ذلك صحيحًا حينها أم لم يكن، فإن الحرب الأهلية اللبنانية قضت على البلد كمحطة جذب سينمائي ولم تنجح الأفلام القليلة التي صوّرت هناك، على نحو لبناني - غير لبناني مشترك في ترميم هذه الصورة بعد الحرب (واليوم لا إمكانية لترميمها مطلقًا).
الدولة العربية الأكثر استقبالاً للإنتاجات العالمية (أميركية وأوروبية) هي المغرب بالطبع. عدد الأفلام العالمية الكبيرة التي صوّرت جزئيًا أو كليًا في المغرب من العام 2000 إلى اليوم يتجاوز 35 فيلما وهو العدد الموازي تقريبًا لما تم تصويره في المغرب منذ أيام السينما الصامتة وحتى العام المذكور.
آخر الإنتاجات الأميركية التي تم تصويرها هناك «قناص أميركي» لكلينت ايستوود و«الإنجيل يستمر» وهو فيلم تاريخي كشأن الكثير من الأفلام التاريخية التي اعتمدت المغرب كموقع مناسب لمثل هذه الأعمال. أيضًا «المهمّـة: مستحيلة 5» الذي سيفتتح قريبًا حول العالم إذ اختار المغرب بعدما كان اختار الإمارات للجزء الرابع.



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.