وزير الخارجية التونسي: الإرهاب لن ينتصر رغم هجومي باردو وسوسة

الطيب البكوش قال لـ «الشرق الأوسط» إن مستقبل الأمن في كامل المنطقة رهين بمستقبل ليبيا.. ولا فتور في علاقتنا مع الجزائر

الطيب البكوش
الطيب البكوش
TT

وزير الخارجية التونسي: الإرهاب لن ينتصر رغم هجومي باردو وسوسة

الطيب البكوش
الطيب البكوش

اعتبر الطيب البكوش وزير خارجية تونس في حديث شامل مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل الأمن والاستقرار في تونس وكامل منطقة شمال أفريقيا وجنوب أوروبا رهين المستجدات الأمنية والسياسية في ليبيا ونجاح جهود تشكيل حكومة وحدة وطنية قوية.
وأكد البكوش أن الإرهاب لن ينتصر في تونس، رغم هجومي باردو وسوسة، وفسر إعلان حالة الطوارئ بالحرب على الإرهاب. كما نوه بالشراكة بين حكومة تونس ولندن وبروكسل وبقية العواصم الأوروبية والدولية لرفع التحديات الخطيرة التي تواجه بلاده في المجالين الأمني والاقتصادي، خاصة بعد الهجمات الإرهابية، على المنتجعين السياحيين أخيرًا. وتوقع البكوش تطورًا إيجابيًا في علاقات تونس بالجزائر، نافيًا وجود فتور، كما أكد وجود خطة لتطوير العلاقات مع الدول الخليجية والأفريقية.

* بصفتكم عضوًا في الحكومة ونائبًا أول لرئيس حزب نداء تونس وأحد أبرز مؤسسيه مع الرئيس الباجي قائد السبسي، كيف تقيمون الوضع العام في البلاد؟ وهل تعتبرون أنّ إعلان حالة الطوارئ سيؤدّي إلى تحقيق شعار رفعتموه في حملتكم الانتخابية الرئاسية والبرلمانية (إرجاع هيبة الدولة) أم أنّ الاضطرابات والاعتصامات ستتواصل؟
- تونس اليوم ما زالت في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وقد توفّقت إلى صياغة دستور جديد ذي مرجعية مدنية تقدّمية وتنظيم انتخابات حرّة نزيهة أفرزت رئيسا منتخبا من طرف الشعب، وبرلمانا تعدّديا لمدة نيابية، وأكسبت البلاد هيئات ومؤسسات من أولى أولوياتها إعادة الاستقرار للبلاد وضمان الأمن للمواطنين وإرجاع مصداقية الدولة وتحسين الخدمات وتوفير شروط الاستثمار وتعزيز الاقتصاد وتقليص البطالة والفوارق الاجتماعية ودعم صورة تونس في الخارج وتدعيم حضورها في المؤسسات الدولية.
بهذه المقاييس يمكن اعتبار تونس في الظرف الراهن استثناء فيما سمي بالربيع العربي. وبحسب تقييمات الأطراف الأجنبية والملاحظين فإنها نجحت فيما فشل فيه الآخرون. واليوم التحدي الأكبر هو كيفية دعم النجاحات السياسية على نسبيتها بنجاحات تنموية تعطي البعد الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي للبعد السياسي للانتقال الديمقراطي حتّى ندخل منطقة اللاّعودة ونحصّن المسار من مخاطر الانتكاسات. والحلّ يبقى في المراهنة دوما على تعزيز دور المؤسسات ودولة القانون وتجنب مظاهر الفوضى والتوتر، وفي هذا المجال وبالرجوع إلى سؤالكم يمكن القول إن البلاد أنجزت مكاسب لا بأس بها ولكن ما بقي لا يزال كثيرا.
واليوم تونس اعتمدت نظاما سياسيا ديمقراطيا يعترف بتعدّد وتنوّع الأدوار داخله في ما بين المؤسسات التي تكون المشهد السياسي. فلنا مؤسسة رئاسة الجمهورية باعتبارها رمزًا لوحدة وسيادة البلاد وضمانا لحرمة الفرد والمجموعة الوطنية ولقيم الجمهورية والحداثة، ولنا حكومة قائمة على ائتلاف حكومي متعدد المكونات وهي تجربة فريدة ورائدة. كما أن لنا برلمانا متعددا ومتنوعا يتعايش فيه الرأي والرأي الآخر ويقوم بدور الرقابة. كما لنا مجتمع مدني يقظ تحتل فيه المرأة الدور الريادي وننتظر من الشباب أن ينخرط أكثر في الشأن العام وأن يتحمل بدوره مسؤوليته في بناء المشروع المجتمعي الجديد وردّ الاعتبار لقيمة العمل والمشاركة في الحياة العامة. كما لنا إعلام متنوع ومتعدد سواء تعلّق الأمر بالصحافة المكتوبة أو بالسمعي - البصري أو بصفحات التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من بعض التجاوزات فإن خيار الحرية يبقى هو الأفضل. وفي الأخير فإنّ الوضع العام بالبلاد بقدر ما يتوفّر على عناصر هامّة من الاستقرار والبناء لا تزال بعض العناصر المرتبطة ببعض المشاريع الهدامة ومنها مخاطر الإرهاب والتطرف تهدّد هذه المكاسب.
* ولكن ماذا عن إعلان حالة الطوارئ؟
- إعلان الطوارئ جاء بهدف تحصين البلاد ومؤسساتها والتضييق على محاولات الإرهابيين والمتربصين بأمنها واستقرارها. ويندرج قرار رئيس الجمهورية بعد التشاور مع الجهات المعنية بإعلان حالة الطوارئ حتى لا تستفيد الجماعات المتطرفة وتستغل مناخ الحرية لزعزعة كيان الدولة والمجتمع. فالمستهدف من هذا القرار هو الجماعات المتطرفة وليس المجموعة الوطنية ولا الفرد التونسي. كما أن المبادرة التشريعية الرئاسية بخصوص المصالحة الوطنية يمكن أن تشكّل دفعا للعدالة الانتقالية في الاتجاه الصحيح وفقا لتطلّعات الشعب وروح الدستور ودون الإخلال بمبدأ المحاسبة.
نعم.. إن إرجاع هيبة الدولة كما ذكرتم في سؤالكم لم يعد شعارا انتخابيا فحسب بل هو هدف أساسي في تعزيز أركان الدولة وفي بناء المشروع الديمقراطي. أما عما وصفته بالاضطرابات والاعتصامات العشوائية وعن مدى تواصلها في أنه من المرجو الفصل بين المطالب المشروعة السلمية القائمة على أسلوب الحوار والتفاوض واعتماد الواقعية والمرحلية وبين ما ينزع له البعض من محاولات تعطيل النسق العادي للدولة ومؤسساتها والإساءة لمصالح أفراد الشعب الحيوية التّي كثيرا ما لا تلقى صدى إيجابيا لدى عموم المواطنين أنفسهم.
* كيف تفسّرون تعاقب العمليات الإرهابية في تونس خلال الأشهر الستّة الماضية رغم تشكيل حكومة أفرزها البرلمان التعدّدي المنتخب وصادق عليها أكثر من ثلثي أعضائه؟ هل يستهدف الإرهاب ومن يقف وراءه «النموذج التونسي» السلمي؟
- إنّ تشكيل حكومة بمشاركة أربعة أحزاب هامّة وكثير من الشخصيات الوطنية وتزكيتها من قبل أكثر من ثلثي البرلمان كانت رسالة قوية تكرّس السّير السليم للانتقال الديمقراطي وتجسّد التوجّه الوطني التوافقي وهو ما لا يتماشى مع النيات والمخطّطات التخريبية للإرهاب والإرهابيين.
وقد أرادوا بعملياتهم هذه استهداف العملية الديمقراطية التونسية التّي أثبتت اليوم أنّ العالم العربي قادر على تجاوز ما يروّجه البعض من أنّ العرب غير قادرين وغير مؤهّلين للانتقال الديمقراطي. كما أن التجربة التونسية تشكّل الدليل القاطع على بداية نجاح ما سمّي بالربيع العربي.
ويجب أن ننوّه بالنجاحات الأمنية التّي ما انفكّت تحقّقها وحدات الأمن والحرس والجيش الوطني التّي مكّنت من القضاء على الكثير من العناصر الإرهابية الخطيرة وتحقيق تقدّم ملموس في استتباب الأمن وبثّ الطمأنينة في نفوس المواطنين. ولكن الدرب ما زال طويلا في هذا الشأن.
* إلى جانب التنسيق الأمني هل هناك تنسيق دبلوماسي سياسي مع بريطانيا والدول التّي سقط بين مواطنيها ضحايا في سوسة وباردو؟
- التنسيق الدبلوماسي بخصوص ملفّ الإرهاب متواصل منذ مدّة مع أهمّ الدول الشقيقة والصديقة. وقد شهد هذا التنسيق دفعا هاما إثر عمليتي باردو وسوسة، حيث تمّ تكثيف الاتصالات والتنسيق مع حكومات الدول التّي كان لها ضحايا في هاتين العمليتين ومنها بريطانيا على سبيل الذكر لا الحصر. وقد كانت مسألة مقاومة الإرهاب من بين أهمّ محاور اللقاءات والاتصالات الكثيرة التّي أجراها السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس الحكومة وأنا شخصيا مع قادة ومسؤولي البلدان المعنية وغيرها من الدول ومن الأطراف الفاعلة إقليميا ودوليا.
وأذكّر في هذا السياق بالزيارة التّي قام بها السيد الحبيب الصّيد، رئيس الحكومة، والتّي رافقته فيها إلى بروكسل، حيث عقدنا لقاءات هامّة مع السيد جان كلود يونكر، رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي، والسيدة فريديريكا موغيريني، الممثّلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ومع وزراء خارجية الدول الأعضاء بالاتحاد، ركّزنا خلالها على حاجات تونس العاجلة على المستويين الاقتصادي والأمني.
وقد تحصّلنا على وعد صريح من الاتحاد الأوروبي بتعزيز دعمه للاقتصاد التونسي، خصوصا في القطاع السياحي، وبزيادة مساعدته في المجال الأمني وهو ما يعكس الرغبة الحقيقية في الوقوف إلى جانب تونس خلال هذه الفترة الحسّاسة وفي الإسهام في إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية. كما أشير إلى الزيارة التّي أدّاها مؤخّرا السيد محمّد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب، إلى بريطانيا على رأس وفد هام في مسعى لتجاوز الآثار السلبية التّي خلّفها الهجوم الإرهابي بسوسة، وهي زيارة تؤكّد أنّ كلّ مؤسسات الدولة، سواء كانت حكومية أو برلمانية، قد تجندّت من أجل الحدّ من النتائج السلبية التّي ترتّبت عن هذا الهجوم الجبان وتجاوزها في أقرب وقت ممكن.
وقد عملت وزارة الشؤون الخارجية خلال الفترة الأخيرة على تحسيس الدول الشقيقة والصديقة بضرورة دعم التعاون الأمني والاستخباراتي على الصعيدين الثنائي ومتعدّد الأطراف قصد القضاء على آفة الإرهاب التّي تمثّل تهديدا مباشرا وخطيرا ليس على منطقتنا فحسب وإنما كذلك على السلم والأمن الدوليين. إنّ الإرهاب لا موطن ولا دين له وقد أصبح ظاهرة عابرة للحدود تستهدف أمن واستقرار كلّ البلدان. ويخطئ من يعتقد أنّه في مأمن من هذه الآفة. ويمكن أن أؤكّد أنّنا لمسنا من خلال اتصالاتنا تعاطفا وتضامنا قويا مع تونس في هذا الظرف الصعب والتزاما صريحا من شركائنا بمساندة بلادنا اقتصاديا وأمنيا حتّى تتمكّن من استكمال كامل مراحل مسارها الديمقراطي.
* هل تتوقعون انتصار تونس في معركتها ضدّ الإرهاب قبل تحقيق تهدئة في ليبيا؟
- لا شكّ أنّ الوضع الأمني في تونس يبقى شديد الارتباط بالوضع الأمني في الشقيقة ليبيا. وفي اعتقادنا أنّ الوضع لن يهدأ ويستقرّ في كافة دول الجوار إلاّ إذا استعادت ليبيا هدوءها واستقرارها. ولن يتمّ ذلك إلاّ من خلال تشكيل حكومة توافق وطني لديها القدرة على فرض الأمن والنظام والسيطرة على كامل التراب اللّيبي وتكون مؤهّلة كجهة رسمية للتعاون والتنسيق مع الجانب التونسي في كل المسائل الأمنية وأوّلها مراقبة الحدود المشتركة بين البلدين ومكافحة الإرهاب. وفي كلّ الحالات فإنّ تونس كثّفت مجهوداتها لمقاومة ظاهرة الإرهاب معتمدة في ذلك على إمكانياتها الذاتية وكذلك على الدعم الذّي هي بصدد الحصول عليه في إطار التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة. وأنا على يقين بأنّنا سنوفّق في القضاء على هذه الآفة التّي تبقى دخيلة على المجتمع التونسي الذّي يعرف بتفتّحه وتسامحه ولن يقبل بالسلوكيات الهجينة التّي تسعى التنظيمات الإرهابية إلى فرضها.
* ما هي آفاق العلاقات التونسية - الليبية بعد غلق القنصلية والسفارة وتأكد وجود علاقة بين الإرهابيين التونسيين وتنظيمات مسلّحة ليبية؟
- علاقاتنا مع الشقيقة ليبيا تاريخية وعريقة. وهي تستند إلى مرتكزات تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة. ولقد برهنت هذه العلاقات في أوقات المحن والأزمات على صلابتها وصمودها. ونحن نأمل بعد أن رحبنا بتوقيع غالبية الأطراف الليبية على الاتفاق السياسي بالصخيرات في أن تتجاوز ليبيا أزمتها الراهنة في أقرب وقت للتفرغ إلى بناء أسس الدولة والتنمية والازدهار. وهو ما يعود بالنفع بطبيعة الحال على المنطقة ككلّ وعلى العلاقات التونسية الليبية بصفة خاصة.
* ما حقيقة العلاقة بين تونس والجزائر بعد ما تردّد في بعض وسائل الإعلام الجزائرية والتونسية من حصول توتّر وسوء تفاهم؟ وما آفاق الشراكة الاقتصادية بين البلدين؟
- العلاقة بين تونس والجزائر مُتجذّرة واستراتيجية، وهي تقُوم على التنسيق والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين. واسمح لي بأن أذكّر أنّ الجزائر الشقيقة قيادة وشعبا، قد باركت جميع مراحل الانتقال الديمقراطي التونسي وآزرت بلادنا في المحن والظروف الصعبة التي مرّت بها مثلما آزرت تونس الشعب الجزائري الشقيق زمن الكفاح من أجل التحرّر الوطني وفي جميع المحن التي عرفها. فعلاقاتنا مع الجزائر متميزّة ولا وجود لأي سوء تفاهم كما ذهبت إليه بعض وسائل الإعلام. وكما تعلمون، توجد رغبة صادقة من البلدين لمزيد دعم التنسيق والتشاور الثنائي على جميع المستويات، خصوصا في الفترة الرّاهنة، لمواجهة ظاهرة الإرهاب التي تستهدف المنطقة برمّتها، ولبحث سبل وآفاق استتباب الأمن والاستقرار في الشقيقة ليبيا في إطار تسوية سياسية شاملة بمشاركة كل الأطراف دون استثناء.
وعلى المستوى الاقتصادي، ما فتئ البلدان يبذلان الجهود الضرورية للرفع في حجم التعاون ولتحقيق نسب أعلى في التبادل التجاري ولتنويع قاعدته، ولا سيما من خلال الاستفادة من الاتفاق التجاري التفاضلي الثنائي والعمل على تطويره. كما يتواصل العمل لتفعيل القرارات التّي تمّ اتخاذها بخصوص تنمية المناطق الحدودية وتأهيل المنافذ الجمركية لتحسين أدائها وخدماتها، علما بأن تونس تمثل وجهة سياحية تقليدية للأشقاء الجزائريين الذين ناهز عددهم المليون ومائتين وثمانين ألف سائح سنة 2014.
* هل تتوقعون أن تتطوّر علاقات تونس بالدول الخليجية اقتصاديا وماليا في ظلّ امتناع الدول الغربية عن تقديم مساعدات مالية حقيقية لتونس؟
- في البداية لا بد من رفع الالتباس حول العلاقات الاقتصادية مع الدول الغربية، إذ خلافا لما هو رائج في بعض الأوساط السياسية والإعلامية فإنّ التعاون الاقتصادي والمالي قائم ويتدعّم بشكل مطّرد مع كل الشركاء الغربيين سواء الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة الأميركية وغيرها. أمّا بالنسبة للتعاون الاقتصادي والمالي مع الدول الخليجية الشقيقة، فمن الضروري التأكيد على متانة الروابط التاريخية والأخوية التي تجمع تونس بهذه الدول وعلى أهمية العلاقات الاقتصادية القائمة معها سواء كان ذلك في شكل استثمارات في القطاع المصرفي التونسي أو في القطاع العقاري أو في شكل تمويل لمشاريع تنموية كالطرق والجسور وتهيئة المناطق السقوية وبناء المنشآت العمومية كالمستشفيات. ويبقى هذا التعاون مرشّحا لمزيد التدعيم خاصة في أفق إصدار مجلة الاستثمارات الجديدة واعتبارًا لما يربط تونس من علاقات ثقة واحترام متبادل مع كل الدول الخليجية.

* خطة شراكة مع أفريقيا والدول العربية
* ما آفاق تطوير العلاقات بين تونس ومحيطها العربي وعمقها الأفريقي؟
- يظل اتحاد المغرب العربي فضاء انتمائنا الطبيعي. وسنواصل العمل مع أشقائنا قادة دول الاتحاد لتجاوز حالة الجمود التّي يشهدها، غايتنا في ذلك التسريع في استكمال بناء مؤسساته لتحقيق التكامل والاندماج الاقتصادي المنشود. ولئن بقي الاندماج المغاربي معطّلا منذ سنوات، فإنّ تونس ما فتئت تعمل من أجل دعم تعاونها الثنائي مع مختلف أعضاء الاتحاد ساعية في نفس الوقت إلى تحريك الاتحاد المغاربي من جموده الذّي يتسبّب سنويا في فقدان ما يقارب النقطتين من نسبة النموّ بالنسبة لكلّ دولة مغاربية. ومن جهة أخرى، نسعى لتطوير علاقاتنا مع البلدان العربية الشقيقة في كل المجالات بما يخدم مصالحنا المشتركة وتطلعات شعوبنا في الرقي والرفاه. ونحن واثقون أنّ تونس ستستعيد مكانتها ودورها في دفع العمل العربي المشترك وفي تنقية الأجواء بين الأشقاء العرب وذلك بالحثّ على تغليب لغة الحوار والوفاق إزاء مختلف الأزمات التي تشهدها المنطقة. كما وضعنا ضمن أولوياتنا خطّة عمل لتكثيف التعاون مع بلدان القارة الأفريقية باعتبارها تمثّل عمقا استراتيجيا لتونس. وتعمل الدبلوماسية التونسية على استكشاف فرص الشراكة التجارية والاقتصادية والفنية مع هذه الدول التّي ما فتئت اقتصاداتها تحقّق نسب نموّ هامّة وبصفة متواترة، حيث توفّر فرصا واعدة وحقيقية في مجالات الاستثمار والمبادلات التجارية، بالإضافة إلى استعدادها للاستفادة من الخبرات التونسية في كثير من المجالات ولا سيما التعليم والصحة والتكوين المهني والبنية الأساسية.
* هل تجاوزت حكومة تونس ووزارة الخارجية تحديدا سوء التفاهم الذّي وقع سابقا مع تركيا؟
- في البداية أودّ التأكيد على أنّ العلاقات التونسية - التركية عريقة متينة وقوامها المشاورات الدورية بخصوص كلّ المسائل ذات الاهتمام المشترك. ونحن حريصون على مزيد من دعم هذه العلاقات حتّى ترقى إلى أعلى المستويات المرجوة من الطرفين. ولم يحدث سوء تفاهم كما ذهب إليه البعض بل كلّ ما في الأمر أنّه تمّ تأويل بعض ما صرّحت به بخصوص شبكات تسفير الجهاديين التونسيين إلى سوريا. وقد وضّحنا هذه المسألة وقتها إلى أصدقائنا الأتراك وتمّ تجاوزها نهائيا من خلال اللقاءات التّي جمعتني بكثير من المسؤولين من هذا البلد الشقيق. وقد اتّفقنا على تكثيف التعاون الثنائي خلال الفترة المقبلة وعلى دعم التعاون الأمني والاستخباراتي قصد المساهمة سويا في الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب.
* بعد قمّة الدول الصناعية السبع الكبرى في ألمانيا بمشاركة الرئيس الباجي قايد السبسي هل تتوقعون مساعدات اقتصادية ملموسة لتونس؟
- أودّ أن أذكّر أنّ دعوة السيد رئيس الجمهورية لحضور هذا الاجتماع هي في حدّ ذاتها اعتراف بالنجاح الذي حقّقته تونس في مجال الانتقال الديمقراطي على الرغم من الوضع الإقليمي والدولي الصعب. وقد مكّنت هذه المشاركة من إطلاع قادة الدول السبع الكبار على الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات العميقة التّي ستقدم عليها تونس وما سيرافقها من تحدّيات تنموية واقتصادية واجتماعية وأمنية.
وقد تمّ الاتفاق على مواصلة التشاور مع حكومات هذه الدول قصد تحديد أولوياتنا واحتياجاتنا على الصعيدين الاقتصادي والأمني والتّي ستتمّ دراستها بصفة معمّقة خلال الفترة المقبلة، حيث أكد الطرف التونسي على ضرورة أن يكون حجم الدعم المرتقب في مستوى التحدّيات الرّاهنة. ولقد تلقينا تطمينات من هذه الدول بتوفير الدعم الكافي.
وفي كلّ الحالات ومهما كان حجم الدعم الدولي لبلادنا، فإنّ نجاح التجربة الديمقراطية التونسية لن يتحقّق من دون انصراف التونسيين للعمل والتعويل على طاقاتهم الإنتاجية وقدراتهم الذاتية وثروتهم البشرية للنهوض باقتصادنا الوطني وتحقيق التنمية الشاملة لتونس.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended