السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

تهدد بـ«ثورة جياع» * مواطنون نقلوا القمامة إلى مقار حكومية * عائلات اتخذت هيئة الكهرباء مقر سكن لها

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها
TT

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

ابتكر الخيال الشعبي السوداني حيلاً جديدة لمواجهة الأزمات المتلاحقة التي تعيشها - وعاشتها - البلاد خلال شهر رمضان الماضي والأشهر السابقة له وإبان عيد الفطر، فالعاصمة الخرطوم شهدت أزمات خانقة في مياه الشرب والإمداد الكهربائي والنظافة.
من بين الابتكارات: نقل مواطنين القمامة إلى مقار اللجان الشعبية، وهي لجان تابعة للحزب الحاكم وكدسوها هناك، وسد محتجون على قطوعات مياه الشرب الطرقات بأواني المياه الفارغة، ولجأ مواطنون إلى مكاتب إدارات الكهرباء في الأحياء للتمتع بما هو موفر بها من تكييف هواء، احتجاجًا على البرمجة القاسية التي فرضتها إدارة الكهرباء والناس صيام في صيف قائظ.
بعد أشهر قليلة من تدشين الرئيس عمر البشير لفترة رئاسية جديدة تكمل سنين حكمه إلى أكثر من 30 عامًا، أحاط بالبلاد سيل من الأزمات القديمة والمستجدة، وتفاقمت قضية تزويد المواطنين بالكهرباء ومياه الشرب في أنحاء واسعة من الخرطوم ومدن البلاد الأخرى التي تتمتع بتلك الخدمات، كما شهدت أنحاء واسعة من السودان أزمة جدية في المحروقات خاصة «الجازولين»، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات بصورة خرافية.
المواطنون في الخرطوم وبعض المدن واجهوا تلك الأزمات باحتجاجات متلاحقة ومبتكرة، وزاد الغضب الشعبي، وشهدت أحياء كثيرة من العاصمة مظاهرات واحتجاجات العطش والخدمات مثل خدمة الكهرباء وخدمة نقل النفايات.
وحمل مواطنون في ضاحية «أم بدة» أكياس القمامة إلى دور اللجان الشعبية، بينما أغلق متظاهرون في أحياء «الصحافة وجبرة والسلمة والأزهري والكلاكلات» جنوبي الخرطوم شوارع الأسفلت بأواني المياه الفارغة و«الأزيار» الفخارية احتجاجًا على انقطاع مياه الشرب من بيوتهم.
وعمد شباب للاحتجاج بطريقة ناعمة على قطوعات الكهرباء باللجوء إلى المقار المكيفة لإدارة الكهرباء في الأحياء، والتي تتمتع بخطوط ساخنة، لمواجهة البرمجة القاسية التي فرضتها وزارة الموارد المائية والري والكهرباء لمواجهة نقص التوليد الكهربائي.
وتداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لرب أسرة اصطحب أطفاله وفراشه إلى مكتب الكهرباء في «ود نوباوي» بأم درمان، وافترش الأرض هو وأبناؤه وشرع في تلاوة القرآن الكريم.
وفي ضواحي «أم بدة والفتيحات وأبو سعد» بأم درمان احتج الأهالي هناك على تردي البيئة وغياب شاحنات القمامة بأن جمعوا أكياس القمامة وذهبوا بها إلى مقار اللجان الشعبية في الأحياء حتى تضطر اللجان للتعامل معها، وسيروا المظاهرات احتجاجًا على انعدام مياه الشرب وقطوعات الكهرباء.
كما لجأ الكثير من المواطنين في أحياء الخرطوم إلى مكاتب إدارة الكهرباء هربا من النهار القائظ للتمتع بتكييف الهواء غير المقطوع أو الممنوع، وتدخلت الشرطة لتفريق المتظاهرين مستخدمة الغاز المسيل للدموع والهراوات.
واعترف والي الخرطوم المعين حديثًا عبد الرحيم محمد حسين، بوجود مشكلة في خدمة المياه في أكثر من 20 حيًا بالخرطوم، وتبعًا لذلك أطاح بمدير هيئة مياه الولاية وعيّن بديلاً له، وأعلن عن خطة إسعافية طويلة المدى لمعالجة مشكلة مياه الشرب في المدينة المحاطة بثلاثة أنهر.
كما شهدت أحياء «الجريف شرق، أبو آدم، حلفاية الملوك» اعتصامات في الميادين العامة احتجاجًا على نزع السلطات لقطع أراضي يملكونها دون تعويض، واصطدموا بالشرطة التي كانت تحاول تفريقهم، ما أدى لمقتل شاب في الجريف شرق، وقبله شاب آخر في منطقة «أم دوم»، فضلاً عن سيدة متأثرة بجراحها في «أبو آدم»، وما زالت الاعتصامات في مستمرة في الجريف، وقاربت شهرها الرابع من الاعتصام المستمر.
من جهة أخرى، شهدت الخرطوم وبعض ولايات البلاد الأخرى شحًا في المحروقات خاصة «الجازولين» الذي تعتمد عليه الزراعة والمواصلات العامة ومحطات توليد الكهرباء الحرارية، الأمر الذي استدعى من وزير النفط والغاز محمد زايد عوض لإصدار عدد من الموجهات لتسهيل انسياب المواد البترولية لمناطق الاستهلاك بولايات البلاد المختلفة لا سيما الجازولين.
وقال زايد إن المحروقات النفطية تشكل أهمية كبيرة لارتباطها بمتطلبات الحياة اليومية لذلك يترتب الالتزام بتوفيرها وتوزيعها لمواقع الاستهلاك بصورة سلسة ودقيقة.
ورغم نفي السلطات وجود شح في الوقود، لكن وزير النفط اعترف أمام البرلمان، بأن الحصار المصرفي يعطِّل أحيانًا إجراءات تفريغ ودخول البواخر الرابضة في عرض البحر إلى بورتسودان.
وتتهم وزارة النفط شركات الخدمة بالتلاعب في حصص الوقود، ما أدى لإصدارها لموجهات توقف بموجبها تعبئة الوقود في أوان غير مصرح بها، وهو الأمر الذي تعتبره نوعًا من «التهريب».
وهدد الوزير بسحب تراخيص الشركات التي تخالف ضوابط توزيع المحروقات باعتبارها أولوية قصوى لنجاح الموسم الزراعي عبر توفير الكمية المطلوبة من الجازولين لكل مواطن.
بمواجهة أزمة الكهرباء، قال وزير الموارد المائية معتز موسى للبرلمان الأسبوع الماضي، إن هناك نقصًا في التوليد الكهربائي، ما يوجب برمجة القطوعات التي لا يمكن تجنبها إلا بما سماه «الترشيد الطوعي للاستهلاك عند الذروة».
وطالب الوزير البرلمان بإعادة النظر في تعرفه الكهرباء، مؤكدًا أن التعرفة الحالية لا تغطي أكثر من ثلث الكلفة التشغيلية، لكن النواب رفضوا بشدة أي زيادات في تعرفة الكهرباء.
ومضت مهلة 20 يومًا حددها مدير الشركة السودانية لنقل الكهرباء جعفر علي الرشيد لتحسين الإمداد الكهربائي دون تحسن يذكر في خدمة الكهرباء، والذي أرجع الأزمة إلى تناقص التوليد المائي المتزامن مع فصل الخريف، متوقعًا انخفاض التوليد المائي من 1100 إلى 950 ميغاواط في سد مروي، ومن 280 إلى 120 ميغاواط من خزان الرصيرص.
سياسيا، تتلاحق الأزمات على حكم الرئيس البشير في دورته الجديدة، فالاحتجاجات الشعبية وارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الخدمات تهدده بما يمكن أن يطلق عليه «ثورة جياع»، في وقت ترفض فيه المعارضة دعوته للحوار الوطني وتعتبرها مجرد محاولة لكسب الوقت.
ولم تفلح الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في أبريل (نيسان) الماضي في كسب شعبية جديدة للرئيس البشير ولا لحزبه، إذ شهدت مقاطعة كبيرة من قبل قطاعات واسعة من الشعب، والقوى السياسية المعارضة، بل يقول مراقبون إنها زادت أزمة نظام الحكم، وأشعلت الصراعات الداخلية فيه، بين تيار ذهب - أو ذُهب به – وتيارات جديدة أتت للسلطة توًا.
وكرست تجربة الانتخابات والتعديلات الدستورية التي سبقتها، السلطة كلها في يد الرئيس، بل وانتزعتها من حزبه، وأحالت تجربة الحكم الاتحادي لهباء منثور، إذ أصبح الرئيس يعين حكام الولايات، وأتيح له فرصة زيادة صلاحيات وحصانات الأجهزة الأمنية، ما جعل من التجربة وبالاً على كثيرين حتى داخل الحزب نفسه.
من جهته، قال تحالف قوى الإجماع الوطني المعارض، إن على القوى الوطنية تصعيد ودعم الاحتجاجات المطلبية السلمية للمواطنين، الناتجة عن تردي الخدمات، وتطويرها إلى انتفاضة شعبية وعصيان مدني وإضراب سياسي.
وأكد التجمع المعارض في بيان أن «رفض السودانيين لسياسات النظام، التي توجوها وعبروا عنها بمقاطعة اﻻنتخابات، وبتصاعد قاعدة الاحتجاجات المطلبية السلمية، تؤكد عزلة النظام».
ورأى التحالف أن ذلك يتطلب دعم هذه الاحتجاجات السلمية المطلبية باعتبارها تمثل الإطار المرجعي لمفردات خطاب الاحتجاج السياسي في المرحلة المقبلة.
وتابع: «إن المطلوب من كافة القوى الوطنية الحية دعم هذه الاحتجاجات المطلبية المشروعة وتصعيدها وتنوع فعالياتها، لتشمل كافة القطاعات بمختلف مكوناتها الفئوية والاجتماعية، وصولاً لإنجاز العصيان المدني والإضراب السياسي والانتفاضة الشعبية».
وقال بيان التحالف إن بقاء النظام الحالي على سدة الحكم من شأنه أن يقود البلاد ويعمق أزماتها نحو استمرار الحرب بتداعياتها الإنسانية التي تهدد وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها، كما يمثل أكبر عقبة أمام إيجاد مخرج ديمقراطي أزمات البلاد: «رغم دعواته الملغومة والذرائعية للحوار، هذه الدعوة التي لم تعد تنطلي لعبتها وأهدافها على أحد».
وذكر أن «أي مخرج لأزمات البلاد ﻻ بد أن يترتب عليه ذهاب النظام غير مأسوف عليه»، مطالبًا بحشد طاقات السودانيين من أجل إسقاط النظام «كمدخل للتغيير الجذري الذي يلبي تطلعات الشعب السوداني».
وأشار البيان إلى أن الأزمة الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد السوداني نتيجة انفصال جنوب السودان، وقال إن استمرار الحرب وزيادة الإنفاق الحكومي على أجهزة الأمن والدفاع والقطاع السيادي ومؤسسات الحزب الحاكم ورموزه ومحسوبيه، واستشراء الفساد، كل ذلك يفاقم الفقر والبؤس في ظل ضائقة معيشية غير مسبوقة.
وزاد: «يتزامن كل هذا الشقاء مع معاناة انقطاع التيار الكهربائي والمياه في الكثير من المدن والأحياء رغم أن المواطن يدفع فاتورة الماء والكهرباء مقدمًا».
وأفاد التحالف «لم تمر بلادنا في تاريخها المعاصر، بمرحلة تواجه فيها بتحديات كبرى، كالتي تعيشها الآن نتيجة سياسات النظام الديكتاتوري القمعي التي يتم تنفيذها تحت حراسة القوانين المقيدة للحريات».
وأشار إلى الانتهاكات الجسيمة والتجاوزات الممنهجة عبر «الاعتقالات والتعذيب والتعدي على الطلاب والشباب والنساء، بل إن التجاوز وصل حد الحكم بجلد المعارضين السياسيين عبر قانون النظام العام».
ورغم أن نظام حكم الرئيس البشير ظل يدعو الأطراف كافة للدخول في الحوار، فإن المعارضة لا تعتبر هذه الدعوة جدية، وترى فيها محاولة من النظام لكسب المزيد من الوقت لتجاوز أزماته، ليعود إلى سيرته القديمة.
أمنيًا، لم تستطع حكومة الخرطوم حسم التمرد عسكريًا رغم إعلانها مرارًا وتكرارًا عن عمليات «الصيف الحاسم» التي تتحدث عن حسم التمرد خلال عام، فالعمليات العسكرية التي تدور منذ أكثر من 4 سنوات في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأكثر من 11 سنة في ولايات دارفور، لم تفلح العمليات العسكرية في كسر شوكة التمرد وتحقيق السلام وبسط هيبة الدولة.
وبسبب من آثار الحرب وانتشار السلاح بين الأهالي، فإن مناطق كثيرة في البلاد شهدت حروبات قبلية راح ضحيتها المئات، واستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، ووجهت الاتهامات في بعضها إلى «يد حكومية» تسند قبيلة ضد أخرى رغم النفي المتكرر الذي دأبت الخرطوم على إطلاقه.
من جهتها أعلنت الحركة الشعبية - شمال - الأسبوع الماضي عن إفشال عمليات ما يسمى بـ«الصيف الحاسم»، وأنها دمرت 12 متحركًا للجيش السوداني الحكومي في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان التي تدور فيها معارك عنيفة بين الطرفين.
وأعلنت الحركة رسميًا حسب تقييم ميداني أجرته عن وضع نهاية للهجوم الصيفي الحكومي والقضاء على 12 متحركا في جبال النوبة والنيل الأزرق وإفشال الهجوم الصيفي الحكومي، ومنعه من احتلال الحدود الدولية بين السودان وجنوب السودان أو الوصول إلى منطقتي «كاودا» و«يابوس» التي تسيطر عليها.
وكان الجيش السوداني أعلن مرارًا عزمه إنهاء التمرد بحلول الصيف الحالي، وأرسل مئات الجنود من الجيش وقوات الدعم السريع إلى مناطق العمليات في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث دارت معارك عنيفة زعم فيها الطرفان تحقيق انتصارات متوالية على الجانب الآخر.
دوليًا، فإن الخناق يضيق بنظام الحكم، خاصة موضوع المحكمة الجنائية الدولية، الذي بلغ ذروته فيما عرف بـ«أحداث جنوب أفريقيا»، ذهب الرئيس البشير للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت في جوهانسبرغ الشهر الماضي، فأصدرت محكمة قرارًا قضى بمنعه الخروج من البلاد لحين البت في أمر تسليمه للاهاي، لكن حكومة جاكوب زوما رفضت الانصياع لأمر المحكمة وسمحت له بالعودة المموهة إلى بلاده.
من جهتها، جددت الولايات المتحدة الأميركية في يونيو (حزيران) الماضي وضع السودان في قائمتها للدول الراعية للإرهاب لعام آخر، رغم التحسن النسبي في العلاقات بين البلدين، فيما مدد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام المشتركة (يوناميد) لعام آخر، في الوقت الذي تطالب فيه الخرطوم بوضع استراتيجية لإخراج تلك القوات من البلاد.
اقتصاديا، تعيش البلاد أزمة نقد أجنبي طاحنة، فقد قارب الدولار الواحد من حاجز العشرة جنيهات سودانية حسب السوق الموازي، يبلغ سعر الدولار الرسمي زهاء 6 جنيهات، فيما يبلغ سعره الموازي 9.5 جنيه تقريبًا.
وبسبب من العزلة الدولية وسوء السياسات الاقتصادية فإن الخرطوم تكاد تكون عاصمة «مفلسة» تعجز عن سداد قيمة واردات المحروقات ما أدى لأزمة في خدمة الكهرباء والمياه.
وتصاعدت بشكل قياسي أسعار السلع الأساسية في السوق السوداني، ويتناقل الناس بسخرية مريرة أن سعر «كيلو الطماطم» بلغ 50 جنيها (زهاء 11 دولارا)، فيما بلغ سعر «كيلو البامية» 40 جنيها، قالت ربة منزل لأسرتها: «هذه آخر حبات طماطم نشتريها، فالسعر بلغ خمسين جنيها»، وهكذا يمكن القياس لبقية السلع.
وللوصول لحل تفاوضي سلمي لمشكلات السودان، يسعى الاتحاد الأفريقي وآلية الوساطة الأفريقية رفيعة المستوى لجمع الفرقاء السودانيين في طاولة التفاوض، وكاد يفعلها في مارس (آذار) الماضي، بيد أن الخرطوم تنصلت في اللحظة الأخيرة عن المشاركة في لقاء تحضيري يعقد في أديس أبابا لتحديد أجندة الحوار الوطني، تحت مبرر أن بعض حلفائها لم توجه لهم الدعوة، ما اضطر الاتحاد الأفريقي لرفع التفاوض.
أزمات متلاحقة، اقتصادية سياسية أمنية اجتماعية وعزلة خارجية وأفق سياسي مسدود، يواجهها نظام الحكم في السودان، فهل تفلح الخرطوم ونظام الحكم في الخروج من «حافة الهاوية» الواقفين عليها، كما ظلتا تفعلان منذ ما ينيف على 26 سنة هي عمر حكم الرئيس عمر البشير للسودان..؟!
وهل يفلح انتقال تحالفات الحكم الخارجية من حليف استراتيجي لـ«إيران» إلى حليف لبلدان الخليج النفطية، وهل تمنحه تلك الدول «قبلة الحياة»، أم أنها لا تزال «لا تثق فيه» كثيرًا..؟! وهل يصمد الحلف الخليجي السوداني الجديد أمام المتغيرات الدولية، خاصة الاتفاق النووي الإيراني مع القوى العظمى أم تعود حليمة السودانية لقديمها وحليفها السابق إيران..؟! هذا ما لا يستطيع أحد التكهن به، لكن تكمن في رحم الغضب الشعبي «ريح ثورة جوعى»، قد تفلح القوى المعارضة في توظيفها وقد لا، فتنجح السيناريوهات التفتيتية التي ظل النظام يحذر منها، رغم أن المعارضين لا يرون في تحذيراته هذه مجرد دعاية الهدف منها استمراره حاكمًا..!



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.