كيري يشيد بالتقدم في مفاوضات النووي الإيراني قبل يومين من انتهاء المهلة الجديدة

موغيريني تتوقع اتفاقًا «وشيكًا جدًا» وفابيوس يطالب الإيرانيين بـ«التزامات واضحة»

كيري يشيد بالتقدم في مفاوضات النووي الإيراني قبل يومين من انتهاء المهلة الجديدة
TT

كيري يشيد بالتقدم في مفاوضات النووي الإيراني قبل يومين من انتهاء المهلة الجديدة

كيري يشيد بالتقدم في مفاوضات النووي الإيراني قبل يومين من انتهاء المهلة الجديدة

عقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أمس الأحد، لقاءات ثنائية مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في إطار المحادثات الماراثونية حول الملف النووي الإيراني في فيينا قبل يومين من انتهاء مهلة التوصل إلى اتفاق. واستمر اللقاء الأول بين الوزيرين لساعة ونصف ساعة في قصر الكوبورغ مقر المفاوضات النووية بفيينا، واستأنفا المحادثات بعد الظهر.
وأعلن كيري أمس أن «الوقت حان» لإنهاء المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، لكنه أوضح في تصريح للصحافيين أن العملية التفاوضية تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات. كما أشاد كيري بالتقدم الذي أحرزته مختلف الأطراف، وقال: «لكن دعوني أكن واضحا مع الجميع.. لم نصل بعد إلى المستوى المطلوب (من التوافق) حول أكثر القضايا صعوبة».
جاء ذلك في مؤتمر صحافي عقده كيري عصر أمس أمام حشد من الصحافيين خارج قصر الكوبورغ. وكان كيري الذي ظهر متكئا على عكازتيه بسبب الحادث الذي تعرض له في جولة سابقة، قد شدد على إمكانية التوصل إلى اتفاق هذا الأسبوع إذا تحقق حل بعض القضايا التي لا تزال عالقة، مكررا القول إن العالم بأجمعه ينتظرهم (أطراف التفاوض) وإنهم يفاوضون بشدة للتوصل إلى اتفاق جيد. كما أشار إلى أنه لن يناقش ما يدور في المفاوضات مع وسائل الإعلام.
ومن جانبها أعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، عند وصولها إلى فيينا بعد ظهر الأحد، أن اتفاقا حول الملف النووي الإيراني «وشيك جدا»، فيما دعا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الإيرانيين إلى تقديم «التزامات واضحة».
واعتبرت مصادر «الشرق الأوسط» رسالة كيري، الذي لم يحدث مطلقا أن عقد مؤتمرا صحافيا يختص بالمفاوضات قبل نهاية الجولة، أنها تدخل في إطار معركة إعلامية لكسب الرأي العام ردا على الرسالة المصورة التي وجهها نظيره الإيراني محمد جواد ظريف قبل يومين باللغة الإنجليزية عبر شريط «فيديو» أحسن إعداده وتم تصويره بمهارة من شرفة بالكوبورغ، مسبوقا بموسيقى فالس نمساوية.
وكان ظريف قد ذكر في رسالته التي قصد بها في المقام الأول الرأي العام الأميركي، دون أن يسميه، أهمية فرصة التوصل لاتفاق «واتخاذ قرار تاريخي وحساس» لإنهاء الخلاف، مشددا على أن التوصل لاتفاق يحتاج إلى الشجاعة من أجل تحقيق المصالحة والقناعة بأن الضغط الاقتصادي والعسكري لم يدفع إيران للاستسلام، وداعيا إلى «تغليب المنطق على الأوهام»، خاصة أن الأطراف المتفاوضة أدركت أخيرا أن الضغط والتهديد لن يؤديا إلى حلول دائمة، بل يصعدان التوترات والعداءات.
ومن المفترض أن تنتهي فترة تمديد المفاوضات التي اتفقت عليها إيران ومجموعة «1+5» (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وروسيا، والصين وألمانيا) غدا الثلاثاء، بعدما فشلوا في توقيع اتفاق الإطار الذي توصلوا إليه في 2 أبريل (نيسان) الماضي وحددوا لتوقيعه مهلة انتهت 30 يونيو (حزيران) الماضي.
وبدأ وزراء خارجية الدول الكبرى يتوافدون على فيينا مساء أمس واليوم للالتحاق بكيري وظريف قبل يوم من انتهاء مهلة المفاوضات الممددة. كما أفادت مصادر إيرانية بأن مساعدين للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو توجهوا إلى طهران مساء أمس لبحث سبل معالجة القضايا العالقة.
وكانت أجواء المفاوضات قد شهدت اليومين الماضيين «لحظات انفراج» عقب تصريح للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو الذي أكد من خلاله أن الوكالة يمكن أن ترفع، بتعاون إيراني، قبل نهاية العام تقريرا عن أنشطة نووية إيرانية سابقة تلاحقها اتهامات بأبعاد عسكرية، مضيفا أن الوكالة وإيران قد توصلتا إلى اتفاق بشأن وضع جدول زمني لإنهاء قضايا ظلت عالقة بينهما.
والتقى أمانو في قصر الكوبورغ صباح السبت الماضي كلا من وزيري الخارجية الأميركي والإيراني على حدة، عقب زيارة يوم واحد قام بها إلى طهران واجتمع فيها بكل من الرئيس حسن روحاني وعلي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
بالإضافة إلى تصريح أمانو، كانت تسريبات دبلوماسية أكدت أن مجموعة الخبراء المؤلفة من دبلوماسيين وتقنيين ومتخصصين في العقوبات والقانون والتقنية النووية واللغات وصياغة الاتفاقات قد توصلت إلى مسودة اتفاق مبدئي يقضي بتقليص الأنشطة النووية مقابل رفع العقوبات، كما تضمنت حلولا لبعض القضايا العالقة.
ورفعت اللجنة المسودة لمساعدي الوزراء لتنقيحها ومن ثم ترفع لوزراء الخارجية متضمنة حلولا لكيفية رفع العقوبات. وحسب ما علمته «الشرق الأوسط» فإن الاتفاق سوف يتضمن إعلانا عن كيفية رفع العقوبات بالتزامن مع توقيعه، وأنه سيتم تنفيذه «خطوة مقابل خطوة»، خاصة أن رفع العقوبات الأميركية يحتاج لقرار من الكونغرس فيما تحتاج العقوبات الأممية لقرار من مجلس الأمن والأوروبية لقرار من البرلمان الأوروبي. هذا فيما أشارت تسريبات إيرانية إلى أن إيران بدورها تحتاج على الأقل لفترة 4 أشهر حتى تكون قادرة على تنفيذ الاتفاق. إلى ذلك، تضمنت المسودة قبولا إيرانيا لتوريد مخزونها من اليورانيوم الذي نجحت في تخصيبه بنسبة 5 في المائة لخارج حدودها، وهو ما كانت ترفضه سابقا.
وحسب مصادر «الشرق الأوسط» فإن طلب إيران الاستمرار في إجراء بحوث تتعلق بأجهزة الطرد من أهم القضايا العالقة، بالإضافة إلى استمرار الخلاف حول آلية متابعة الالتزام الإيراني بتنفيذ الاتفاق واتخاذ قرار بعودة العقوبات في حال أي إخلال.
ومن جانبه، قال مصدر إيراني لـ«الشرق الأوسط» إن الطرفين ناقشا فكرة تكوين لجنة تمثل الأطراف كافة وتقوم بالتصويت في حال حدث تجاوز إيراني، وبالتالي اتخاذ القرار بدلا من عودة أوتوماتيكية للعقوبات كما ترغب دول غربية.
وكثف ظريف وكيري مفاوضاتهما الثنائية في الأيام الأخيرة، كما تكررت اجتماعاتهما بعلي أكبر صالحي، مدير وكالة الطاقة النووية الإيرانية، وإرنست مونيز، وزير الطاقة الأميركي، بالإضافة لانخراطهما في جلسات مطولة بمشاركة كامل طاقم فريقيهما. ويعكس انشغال كل من ظريف وكيري وتكثيف جهودهما للتوصل لاتفاق حاجة كل من إدارتيهما لإنهاء المفاوضات والتوصل إلى نتيجة.
وتحتاج مؤسسة الرئاسة الإيرانية للتوصل لاتفاق يرفع عنها الحظر ويزيح العقوبات التي تحرم إيران من أكثر من 100 مليار دولار من الأرصدة المجمدة، ويفتح أبوابها لاستثمارات ومعاملات تجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا، ناهيك بتعامل تجاري علني مع الصين وروسيا.
في المقابل، لا يخفى أن أوباما ووزير خارجيته وكبيرة المفاوضين ويندي شيرمان وإدارتهم التي تقترب من انتهاء فترتها، يرغبون بدورهم في التوصل إلى اتفاق نووي يضاف لجعبة إنجازاتهم.
ورغم ذلك، فإن طهران لا تزال متمسكة بـ«خطوطها الحمر» التي تشمل بالدرجة الأولى عدم السماح بفتح منشآت عسكرية تلاحقها اتهامات بأنشطة نووية للتفتيش الدولي، وعدم السماح بإجراء أي لقاءات مع عسكريين أو علماء، فضلا عن رفع العقوبات دفعة واحدة بالتزامن مع توقيع اتفاق وليس بالتدريج كما تصر المجموعة الدولية.
في سياق مواز وفيما تتحكم عناصر إيرانية متشددة في الكلمة الإيرانية النهائية في ما يتعلق بالنووي الإيراني، كذلك هو حال الكونغرس الأميركي وأغلبيته الجمهورية التي تعارض بشدة تقديم أي تنازلات أمام إيران. وينطبق ذلك كذلك على فرنسا وبعض حلفاء الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط ممن يعارضون فكرة إيران النووية ويزعجهم انتصارها في المفاوضات النووية. وبالتالي، فإنهم يضغطون من وراء الستار لتقليص وتضييق البرنامج النووي الإيراني لأطول فترة ممكنة خشية أن تبرز إيران كقوة إقليمية تعمل لفرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط لا سيما مع رفع الحظر وعودة ملياراتها.
هذه العناصر مجتمعة - بالإضافة إلى قلق دولي من تملص إيران وعدم ثقة في سلوكياتها - تدفع بالمتفاوضين إلى البحث عن آلية مراقبة أي اتفاق يتم التوصل إليه وإعادة العقوبات بصورة تلقائية إن تم الإخلال به.
واستبعد نائب وزير الخارجية الروسي كبير المفاوضين سيرغي ريابكوف مزيدا من التمديد في فترة المفاوضات، موضحا أن «الأطراف جميعا يعملون على إتمام المفاوضات والتوصل إلى نتائج بشأن المشكلات العالقة». فيما قال وزير الخارجية الصيني إن «الوقت قد حان للتوصل لاتفاق نووي خاصة أن عناصره الأساسية موجودة».
من جانبه، قال وزير الخارجية البريطاني إن 12 سنة كافية جدا للتفاوض، وذلك في إشارة إلى مسيرة التفاوض التي بدأت مع إيران لكشف أنشطتها النووية السرية السابقة منذ عام 2003 مع كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم توسعت عام 2006 لتضم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، دون أن تفضي جميعها إلى أي نتائج.
في خطوة لاحقة، ومع ازدياد شقة عدم الثقة في النشاط النووي الإيراني، ومع انفراجة تمثلت في تغييرات سياسية جاءت مع انتخاب الرئيس حسن روحاني ودعم الرئيس الأميركي، أثمرت المفاوضات للمرة الأولى ووقع الطرفان اتفاقا تاريخيا في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 اتفقا بموجبه على تجميد أهم أنشطة البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع محدود للعقوبات لفترة 6 أشهر يتم تمديدها لستة أشهر أخرى، إلا أن الأطراف فشلت في توقيع الاتفاق بصورة نهائية فتم تمديده كذلك.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.