تونس تعلن حالة الطوارئ.. خوفًا من تكرار سيناريو سوسة

وزير شؤون ديوان الرئاسة التونسي لـ {الشرق الأوسط}: صلاحيات واسعة منحت للمحافظين واستبعاد حل الحكومة والبرلمان

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه حالة الطوارئ أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه حالة الطوارئ أمس (أ.ف.ب)
TT

تونس تعلن حالة الطوارئ.. خوفًا من تكرار سيناريو سوسة

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه حالة الطوارئ أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه حالة الطوارئ أمس (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حالة الطوارئ في البلاد بعد مرور نحو أسبوع على هجوم سوسة الإرهابي في ظل تحذيرات دولية بتواصل التهديدات الموجهة إلى تونس ووجود مجموعة أهداف ومقرات حساسة يحتمل مهاجمتها خلال الفترة المقبلة. وأكد وزير شؤون الرئاسة مدير مكتب الرئيس التونسي رضا بالحاج لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطوة تجئ وسط تزايد للمهددات الأمنية، والحصول على معلومات استخباراتية باحتمال وقوع هجمات إرهابية جديدة، مشيرا إلى أن منح صلاحيات واسعة للمحافظين تطلق يدهم في تعقب الجماعات المتطرفة، لكنه استبعد في المقابل حل الحكومة والبرلمان.
وذكرت مصادر رئاسة الجمهورية أن قرار الطوارئ اتخذ نتيجة ظروف قاهرة وإثر توفر معطيات تشير إلى وجود تهديدات إرهابية جدية وكبيرة. وأضافت قولها «أمام جدية التحذيرات تقرر إعلان حالة الطوارئ التي ستمكن قوات الجيش من معاضدة قوات الأمن والنزول إلى الشارع لتأمين مجموعة من المنشآت الأساسية الحيوية».
ووفق الفصل 79 من الدستور التونسي الجديد، فإن صلاحية إعلان حالة الطوارئ ترجع إلى رئيس الجمهورية الذي يقرر هذا الوضع الاستثنائي بالتنسيق مع رئيس الحكومة إذا كانت البلاد، في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن واستقلاله. وفي 6 مارس (آذار) 2014، أنهى المنصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ اندلاع ثورة 2011. وكانت عمليات تجديد حالة الطوارئ تجري بشكل دوري لمدة ثلاثة أو ستة أشهر. ويجيز الدستور التونسي إعلان حالة الطوارئ بكامل تراب الجمهورية أو ببعضها، أما في حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام وأما في (حال) حصول أحداث تكتسي بخطورتها صبغة كارثة عامة. ويمكن قانون الطوارئ وزير الداخلية التونسية، من صلاحيات استثنائية من بينها فرض الإقامة الجبرية على الأشخاص، وحظر التجماعات، والتجول، وتفتيش المحلات ليلا ونهارا ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والتلفزني والعروض السينمائية والمسرحية وذلك دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء.
من جهته كشف رضا بالحاج الوزير برئاسة الجمهورية مدير ديوان الرئيس لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار الرئيس الباجي قائد السبسي إعلان حالة الطوارئ في كل المحافظات التونسية جاء ردا على تعاقب التهديدات الإرهابية وبينها تهديدات بشن هجمات جديدة على مؤسسات سياحية مختلفة بعضها في جزيرة جربة السياحية في الجنوب التونسي والتي تعتبر من أكثر المناطق جاذبية للسياح إلى حد اليوم رغم تعاقب أعمال العنف والعمليات الإرهابية وبينها الهجومان على منتجع سوسة القنطاوي وعلى المتحف الوطني في باردو بالعاصمة».
ونفى الوزير مدير الديوان الرئاسي التونسي في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون تقرر إعلان «حظر التجول» لكنه أوضح أن قرار إعلان حالة الطوارئ جاء لتوجيه رسالة من رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان تشير إلى أن الدولة لن تتاسمح مع أي انتهاكات جديدة للخطوط الحمراء وأنها ماضية في الحرب الشاملة على الإرهاب لحماية مصالح الشعب التونسي ومؤسساتها ومنع حصول جرائم وأعمال عنف جديدة ضد مؤسسات سياحية أو غيرها من المؤسسات الوطنية الحيوية وفق ما يسمح به قانون 1978 الذي يمكن رئيس الدولة من إعلان حالة الطوارئ بعد التشاور مع رئيسي الحكومة ومجلس النواب عندما يشعر بوجود تهديدات خطيرة للأمن القومي ومصالح البلاد العليا.
وقال الوزير رضا إن «قانون حالة الطوارئ والدستور الجديد يمنحان رئيس الدولة أن يقوم بهذه الخطوة التي تمنح صلاحيات أمنية وسياسية أكبر للمحافظين (الولاة) إلى جانب تعزيز دور مؤسسات الأمن المدنية ووزارة الداخلية خلال الحرب على الإرهاب». وأشار في السياق نفسه إلى أن الفصل 80 من الدستور التونسي الجديد نص على أن من بين نتائج الإعلان عن حالة الطوارئ منع توجيه مساءلات للحكومة أو تغييرها أو حل البرلمان على غرار المطالب التي صدرت عن بعض المثقفين والسياسيين التونسيين. وتعني هذه الخطوة سياسيا إيقاف الجدل الذي برز في بعض وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية التونسية عن ضرورة إقالة بعض الوزراء أو رئيس الحكومة أو كبار المسؤولين في الدولة أو حل البرلمان احتجاجا على فشل سياسات الدولة الأمنية في إجهاض الهجمات الإرهابية المتعاقبة على المؤسسات العسكرية والسياحية من قبل مسلحين قيل إن لديهم علاقات بتنظيمات مسلحة موالية سياسيا لـ«القاعدة في المغرب الإسلامي» و«داعش».
كما يعتبر البرلمان خلال مرحلة الطوارئ في حالة انعقاد دائم ويستبعد سيناريو حله خلافا لبعض الدعوات التي حاولت إعادة إنتاج سيناريو عام 2013 عندما تسببت عمليتا اغتيال ناشطين سياسيين في تحركات قوية للإطاحة بالحكومة والبرلمان الانتقالي - المجلس الوطني التأسيسي.
حول هذا القرار المفاجئ، قال عبد الستار بن موسى رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، إنه «يهدف بالأساس إلى محاصرة ظاهرة الإرهاب وإنه لا يستهدف البتة العمل السياسي المنظم المحترم للقانون». وأشار إلى أن الرابطة التونسية لا تدعم مثل هذه الإجراءات التي تحد من الحريات والحقوق الفردية والجماعية ولكنها ستنتظر على حد تعبيره نسبة تطبيق هذا القانون من قبل الأجهزة المختصة ومدى احترامها للحقوق والحريات التي جاء بها الدستور التونسي الجديد.
يذكر أن التعزيزات الأمنية تكثفت حول غالبية المؤسسات السياسية والسياحية التونسية منذ 1 يوليو (تموز) الحالي وقد وقع تسخير أكثر من 1300 رجل أمن من الفرق المختصة في الشواطئ والفنادق السياحية. لكن مصادر أمنية مختلفة أكدت أن تهديدات أمنية خطيرة جديدة وصلت الأمنيين حول احتمال مهاجمة أهداف سياحية واقتصادية وطنية كثيرة بعضها في الجنوب التونسي وتحديدا في جزيرة جربة التي تستقبل لوحدها سنويا نحو ثلث العدد الإجمالي للسياح الأوروبيين والمغاربيين الذين يزرون تونس غالبيتهم من الألمان والإنجليز والليبيين الذين يتميزون بنفقاتهم المرتفعة مقارنة بالمجموعات السياحية الشبابية القادمة من أوروبا الشرقية وفرنسا إيطاليا.
وإذا كان قطاع السياحة والصناعات التقليدية التونسي يوفر نحو مليون موطن شغل في تونس فإن مصير هؤلاء والـ700 ألف عاطل عن العمل حاليا رهين نجاح خطة الطوارئ الحكومية في القضاء على الإرهاب والغالبية الساحقة من بقايا الخلايا الإرهابية النائمة.
وكان الباجي قد أشرف قبل أيام بقصر الرئاسة بقرطاج على اجتماع المجلس الوطني للأمن بحضور رئيس الحكومة الحبيب الصّيد وعدد من أعضائها وأبرز القادة الأمنيين والعسكريين للنظر في إجراءات إضافية بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف أحد النزل بالمنطقة السياحية بسوسة، وراوغ انتظارات الكثير من المتابعين للوضع في تونس من خلال تراجعه في آخر لحظة عن إعلان حالة الطوارئ ومطالبة رئيس الحكومة بضرورة التأني وتشخيص الوضع الأمني بدقة.
وأكد في المقابل على ضرورة الرفع من درجة الحذر والحيطة والتأهب لاستباق كل المخاطر التي تتهدد أمن تونس كما طلب من رئيس الحكومة تدارس إمكانية اتخاذ إجراءات استثنائية وفق ما تقتضيه حاجة البلاد وتحديد الحاجات العاجلة لقوات الأمن والجيش والعمل على توفيرها من خلال ما عبرت عنه عدة دول من استعداد لتقديم المعونة الآنية.
وكانت مصادر سياسية تونسية قد أشارت إلى إمكانية إعلان حالة الطوارئ إلى حين تحسن الوضع الأمني بعد اللقاء الذي جمع الحبيب الصيد رئيس الحكومة مع ممثلي 21 حزبا سياسيا ممثلا في البرلمان واطلاعهم على الظرف الاستثنائي الذي تمر به تونس. وفيما يتعلق بتأثير هذا إقرار على الوضع في تونس، قال بلقاسم حسن (ناشط سياسي) إن «مثل هذه الإجراءات الاستثنائية قد تكون لها تأثيرات سلبية للغاية على صورة تونس في الخارج، وأنها قد تنفر منها الاستثمارات الخارجية كما أنها قد توتر الأوضاع الداخلية في حال مهاجمة الشباب المطالب بالتنمية والتشغيل بصفة سلمية». واعتبر حسن أن تبعات القرار ستكون وخيمة على الجميع وتمنى أن يكون هذا الإجراء وقتيا وألا تطول مدته كثيرا حتى لا يغمر الإحساس بالفشل كل التونسيين على حد تعبيره.
وإثر هجوم سوسة الإرهابي الذي خلف مقتل 38 سائحا أجنبيا و40 جريحا، اتخذت الحكومة التونسية مجموعة من الإجراءات الاستثنائية من بينها نشر نحو ألف شرطي تونسي مسلح بنحو 690 فندقا سياحيا وكذلك وحدات مسلحة داخل الفنادق السياحية.
كما قررت الحكومة غلق 80 مسجدا لا تخضع لسيطرة وزارة الشؤون الدينية أو التي حادت عن الخطاب المعتدل وبثت الكراهية، إلى جانب إعادة النظر في قانون تمويل الأحزاب والجمعيات، مؤكدا أن عدة جمعيات تقف وراء عمليات الإرهاب.



انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.