الدروز.. معركة البقاء

حلم الدولة لا يراودهم.. لكن الحرب السورية تضعهم أمام تحديات مصيرية

الدروز.. معركة البقاء
TT

الدروز.. معركة البقاء

الدروز.. معركة البقاء

يقع الدروز في «عين العاصفة» هذه المرة. فالطائفة الصغيرة، المتماسكة، التي أثبتت قدرة لافتة على البقاء، تواجه اختبارا مهما يتعلق بمصيرها، في منطقة تمزقها الحروب التي لم تعد بعيدة عن عقر دارها، فيما تتنازعها قوى أكبر منها، تريد كل منها جرها إلى الموقع الذي تراها فيه، مما يجعلها في مواجهة تحدي البقاء متماهية مع نسيج المنطقة - كما استطاعت لقرون - أو الذهاب في مغامرات غير محسوبة قد تؤدي بها إلى مواجهة هذا النسيج الطائفي المحيط بها.

وهذا الواقع يقلق رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط، الذي يخوض معركة «بقاء» الطائفة ضد قسم كبير من أبنائها في سوريا الذين يميلون إلى صف النظام السوري، فيما دخلت إسرائيل على الخط لتزيد الأزمة تعقيدا، مكررة محاولة سابقة قامت بها في عام 1982 لاستمالة دروز لبنان إلى صفها، فتصدى لها جنبلاط آنذاك واستطاع أن ينأى بطائفته عنها. وها هي إسرائيل تحاول تكرار التجربة، وها هو جنبلاط يتصدى مجددا، لكن موقفه يبدو ضعيفا هذه المرة.
يتميز دروز بلاد الشام عن سواهم من الأقليات بابتعادهم عن «النزعة الاستقلالية»، وميلهم نحو الأطراف الأقوى في مناطق وجودهم، أي الدول. وهكذا نجدهم ينخرطون في مشاريع الدول، مع الاحتفاظ بخصوصياتهم. ولعل أبرز دليل على ذلك هو غياب المرجعية الدينية التي تجمع أبناء الطائفة، واستبدال مرجعيات بها تتعدد حتى في البلد الواحد. وهكذا التصق دروز سوريا بنظامها، إلى حد بات من الصعب عليهم معه الخروج من فلكه. وأدى خوفها من التنظيمات المتشددة، وغياب الخطاب المطمئن من المعارضة السورية، إلى وضع نفسها في خندق واحد مع النظام السوري في معركته للبقاء، وهو ما بدأ بعض أطياف هذه الطائفة التحذير منه، لأن ذهاب النظام قد يؤدي إلى ذهاب الطائفة بأكملها معه، وما حصل في جبل السماق في ريف إدلب دليل على هذا التخوف، مع وقوع الصدام الأول بين «جبهة النصرة» التي تسيطر على المنطقة وأهالي المنطقة الدرزية الذين لا يزيد عددهم على 20 ألف شخص، مهددين بالترحيل عن قراهم.
أما في السويداء التي تعتبر أكبر تجمع للدروز، فقد باتت المنطقة على حافة الصدام مع المعارضة المسلحة التي تقضم مواقع النظام، مما يجعل أهل المنطقة أمام خيار من اثنين: القتال إلى جانب النظام السوري أو فك الارتباط معه. وكتب جنبلاط عبر «تويتر» أمس يشكو «مشروع الفتنة المشترك السوري الإسرائيلي، للإيقاع بين العرب الدروز وأهل حوران والسنة بشكل عام مستمر». وقال: «زار السويداء المدعو (رئيس مجلس الأمن القومي) علي مملوك، واجتمع مع مشايخ العقل محرضا، وهذه وظيفته التحريض على القتل والإجرام». وأضاف: «من جهة ثانية، أحد أبرز رموز الإدارة الإسرائيلية، أيوب القرا القريب جدا من نتنياهو، ينشط يمينا وشمالا عارضا خدماته أي خدمات إسرائيل لمساعدة دروز سوريا. يا له من تلاق غريب ومدروس بين علي مملوك وأيوب القرا!». وختم جنبلاط قائلا: «على عقلاء جبل العرب أن يستدركوا حجم المؤامرة التي ترمي إلى الإيقاع بينهم وبين أهل حوران والعرب البدو في السويداء».
وتشهد السويداء مخاضا لافتا في الآونة الأخيرة مع اقتراب المعارك منها. وفي حين يمتنع نحو 27 ألف شخص منها عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، يبقى الموقف العام لدروزها أقرب إلى النظام، منه إلى المعارضة التي تقترب من حدود المنطقة. وبعد مغامرات سريعة لضباط منشقين دروز، ظهر مؤخرا شيخ درزي يدعى وحيد تمرد على النظام وأنشأ وحدة عسكرية خاصة به، غير أن معارضين سوريين دروزا يرسمون علامات استفهام على تحركه، ومنها أنه ما يزال يحتجز عددا من أبناء درعا مطالبا بمبادلتهم بجثث لدروز سقطوا في مواجهات جرت قبل نحو عام، ومطالبا أيضا بفدية مالية.
أما النائب جنبلاط فما يزال مصرا على ضرورة انضمام دروز سوريا إلى الحراك المعارض رغم إدراكه صعوبة مهمته. وقال جنبلاط لـ«الشرق الأوسط» لا خيار أمام الدروز السوريين إلا ملاقاة الثورة السورية، والمصالحة ووحدة الموقف مع أهل حوران، وإدانة عملاء النظام الذين من خلال ما يسمى «درع الوطن» وهو تشكيل يوازي «الدفاع الوطني» حيث قام هؤلاء العملاء بخطف ثلاثة من البدو وقتلهم في إطار مشروع النظام المتراجع، والهادف إلى خلق الفتنة مع البدو ومع أهل حوران.
وعما إذا كان خائفا على دروز سوريا، قال: «خائف طبعا. دروز سوريا وأهل حوران قاموا معا بالثورة السورية الكبرى لتوحيد سوريا، وأنا اليوم خائف على تراثهم، وعلى الوقوع في مؤامرة تفتيت سوريا، وهم أضعف حلقة في المجتمع السوري». وأضاف: «النظام يتهاوى، وأخذ معه الطائفة العلوية العربية إلى الهلاك، إنه نظام لا يبالي بأحد».
ويتركز الدروز أساسا في منطقة بلاد الشام، وهم طائفة صغيرة، يفضل أبناؤها تسمية أنفسهم بـ«الموحدين». ويعود وجودهم في هذه البلاد لأكثر من ألف عام.
في العام 408 للهجرة، أي في العام 1000 ميلادي، انطلقت «دعوة التوحيد» من مصر باتجاه بلاد الشام، حيث كانت الدولة الفاطمية تنشر سيادتها على مناطق كثيرة فيها.
انطلقت عملية «الدعوة» من مصر إلى فلسطين، ثم وادي التيم وجبال الأشواف (الشوف اللبناني) وفي اتجاه حوران وحلب وصولا إلى ما يعرف اليوم بجبل السماق. ولاقت الدعوة المدعومة من الدولة إقبالا في تلك المناطق، ويقول الباحث اللبناني الدكتور رياض غنام بأن الدعوة «كانت عقلانية» مشيرا إلى أن الفكر الذي حملته الدعوة كان مشبعا بالفكر الشيعي وملقحا بالحضارة الهندية واليونانية. لكن بعد تقويض الدولة الفاطمية، بدأ التضييق على هؤلاء، فارتد عنها بعض من انضموا إليها من السنة والشيعة، خصوصا عندما قامت الدولة المملوكية باستئصال «الباطنيين» من جبال كسروان في لبنان، فتقوقعت الطوائف، ليذهب الشيعة باتجاه البقاع شرقا وجبل عامل جنوبا، فيما انحصر الوجود الدرزي في بلاد الأشواف وجبل السماق وصفد وجوارها.
العلاقة بين دروز لبنان وسوريا، هي علاقة فيها الكثير من الإشكاليات. ففيما يعتبر دروز جبل السماق هم الأصل في سوريا، يتحدر نحو 90 في المائة من دروز السويداء من لبنان. ويتحدث غنام عن ثلاث هجرات درزية، كانت أولها في العام 1711. بعد معركة عين دارة التي كانت بمثابة الحرب الأهلية الدرزية في جبل لبنان، والتي قامت على أساس الانقسام القيسي – اليمني. خسر اليمنيون المعركة، وكانوا أمام خيار الهجرة أو الموت، فانتقلوا إلى الداخل السوري وسكنوا في جبال حوران، مثبتين حضورهم بين سكانه بالقوة. أما الهجرة الثانية فأتت بعد حرب العام 1960 بين الدروز والمسيحيين، حيث هرب عدد من دروز لبنان نحو أقاربهم في المنطقة التي باتت تعرف بـ«جبل الدروز» أما الهجرة الثالثة فأتت في العام 1915 إثر المجاعة التي ضربت لبنان في الحرب العالمية الأولى.
وهكذا انتقل العدد الأكبر من الدروز مع مرور الزمن من لبنان إلى جبل الدروز الذي سموه لاحقا جبل العرب، حيث تسكن الآن الكتلة الدرزية الأكبر في العالم بتعداد يقارب 700 ألف نسمة، فيما يسكن لبنان نحو 260 ألف درزي، فيما أن الكتلة الثالثة الأكبر تقيم في فلسطين ويبلغ تعدادها نحو 150 ألفا. ويقدر عدد الدروز في العالم بنحو مليون ونصف المليون. ويتشارك دروز السويداء مع دروز لبنان نفس أسماء العائلات التي ما تزال تجمعها قرابة واضحة، فيما بدل آخرون أسماء عائلاتهم لتأخذ أسماء قراهم الأصلية في لبنان.
وبخلاف الطوائف أو الديانات الأخرى، لا يوجد لدى الدروز مرجعية دينية موحدة. ففي كل منطقة من مناطق وجودهم يوجد «شيخ العقل» وهو منصب له طابع سياسي أكثر منه ديني، حيث استحدث خلال العهد العثماني كنتيجة لنظام الملل العثماني الذي اعترف بالطوائف الموجودة على أرض السلطنة العثمانية. ويقوم رجال الدين الدروز بإدارة شؤونهم الدينية عبر مجموعة من كبار رجال الدين، لا يوجد الكثير من المعلومات حول كيفية تنظيمهم. أما فيما خص منصب شيخ العقل فهو منصب يعتبر بمثابة صلة الوصل بين السلطات الرسمية في الدول التي يتواجد فيها الدروز وعامة أفراد الطائفة. ونظرا للانقسام السياسي بين الدروز في لبنان بين الزعامتين الجنبلاطية والأرسلانية، يوجد حاليا شيخ عقل رسمي هو الشيخ نعيم حسن، وشيخ عقل أمر واقع هو الشيخ ناصر الدين الغريب. أما في سوريا فيوجد ثلاثة شيوخ عقل، تعترف الدولة السورية بهم جميعهم بشكل رسمي على قدر المساواة، فيما يوجد شيخ عقل واحد لدى دروز فلسطين.
وكما في الدين كذلك في السياسة، لا يوجد قيادة دينية موحدة، تمتلك التأثير المباشر على كل الدروز. فقد أنشأ الدروز زعاماتهم المحلية التقليدية. لكن يسجل للنائب اللبناني وليد جنبلاط قدرة لافتة على التواصل، فيما يبني النائب طلال أرسلان علاقة مميزة مع دروز السويداء الذين يقتربون منه في المفهوم السياسي لجهة التحالف مع النظام السوري، فيما يقوم الوزير السابق وئام وهاب بدور في دعم تشكيلات عسكرية صغيرة تقاتل إلى جانب النظام السوري، كما تحدثت مصادر كثيرة عن دور ميداني لافت للسجين اللبناني المحرر من السجون الإسرائيلية سمير القنطار في تنظيم جماعات مسلحة درزية تعمل بالتعاون مع «حزب الله» في منطقة القنيطرة.
ويتجلى هذا الانقسام السياسي في عدم وجود فكرة «الدولة الدرزية» التي قيل بأن غنام «يعمل عليها من قبل غير الدروز ويعارضها الدروز أنفسهم». ويقول غنام: «الدروز لديهم انتماء جغرافي وبيئي، ولا انتماء خارجيا لهم» مشيرا إلى أنهم «يعملون على المحافظة على الخصوصية في كل مكان يتواجدون فيه» جازما بأن فكرة الدولة غير موجودة لديهم ولا شيء يجمعهم سياسيا. ويوضح غنام أن الفرنسيين كان أول من عمل على فكرة الدولة الدرزية، عندما حاولوا تقسيم سوريا إبان انتدابهم عليها. وقال: «قسم الجنرال غورو سوريا إلى أربع دول، هي دولة العلويين ودولة حلب ودولة دمشق ودولة جبل الدروز، لكن الدروز كان أول من ساهم في إحباط هذا المشروع مع إطلاقهم بقيادة سلطان باشا الطرش شرارة الثورة السورية الكبرى في العام 1925 التي انتهت إلى إعادة الوحدة إلى سوريا».
أما الكاتب اللبناني، ورئيس تحرير صحيفة «المدن» الإلكترونية ساطع نور الدين فيرى بدوره أن الدولة الدرزية ليست حلما للدروز، فلا العدد يسمح، ولا الجغرافيا تسمح. وأشار إلى ميزة خاصة لدى الدروز في لبنان وسوريا، وإلى حد ما في فلسطين، حيث يكون الدروز متقدمين في الدفاع عن الوطنية التي ينتمون إليها، ويزايدون برفض الطائفية، معتبرا أن الطموح الأكثر عقلانية لديهم هو الانخراط في مشاريع الدول التي ينتمون إليها.
ويقول نور الدين: «شعرت بالقلق في تلك اللحظة التي تم التعامل فيها مع الدروز على أنهم أقلية». وقال: «أنا أتحفظ على هذا التعريف لأن الأقلية عادة تكون كتلة واحدة بالوقف السياسي والاجتماعي، فيما أن هناك أقليات أخرى في سوريا أكثر التفافا حول قياداتها أكثر من دروز سوريا».
وأشار نور الدين إلى أن سلوك النائب جنبلاط ينبع من إحساسه بالخطر في لحظة شعر فيها بأنه يجري تمزيق الدروز وتحويلهم كبش محرقة من قبل مجموعات تتنازع عليهم. ولهذا أتى ليقول لهؤلاء اتركوا النظام السوري واتركوا إسرائيل واذهبوا إلى محيطكم موضحا أن جنبلاط بذل مجهودا كبيرا لرد الدروز عن النظام وإسرائيل والخيار الانتحاري. لكن نور الدين شكك في إمكانية تجاوب دروز سوريا مع جنبلاط، معتبرا أن غالبية الطائفة هناك ليست معه.
وأوضح نور الدين أن ثمة محاولة إسرائيلية جرت في العام 1982 مع دروز لبنان عندما اجتاحت إسرائيل لبنان وأتى دروز من إسرائيل يمهدون لفكرة الدويلة الدرزية، وحينها قام جنبلاط بأخذ الطائفة بأكملها نحو الخيار الوطني المقاوم لإسرائيل. وعن تفسيره لوجود غالبية دروز سوريا مع النظام يقول نور الدين بأن ثمة اعتبارات عدة، منها حضور الدروز في الجيش السوري، وحضورهم في الإدارة الرسمية السورية وأجهزة الأمن، مشيرا إلى أن لدى الدروز إحساسا بأن المشروع الذي تقدمه المعارضة غير جذاب، مشيرا إلى أن ما قام به زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني من دعوة الدروز إلى تصحيح أخطاء عقيدتهم وطريقة التعامل معه في إدلب غير مشجعة واستفزازية.

* دروز السويداء...الدفاع عن النفس
* اتخذ دروز السويداء قرار القتال دفاعًا عن النفس فقط، دون المشاركة في قتال بالوكالة عن النظام السوري، أو في صفوفه. تقول مصادر المعارضة في الجبهة الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار السويداء «حظي بشبه إجماع في المحافظة، رغم وجود استثناءات قليلة مثل محازبي الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قتل اثنين من عناصره الأسبوع الماضي، وآخرين من ميليشيات الدفاع الوطني»، مشيرة إلى أن القرار «ظهر عمليًا في 25 مارس (آذار) الماضي، حين شنت قوات المعارضة هجومًا على بلدة بصرى الشام التي تسكنها أغلبية شيعية، وأفضى إلى سيطرة قوات المعارضة عليها». وتوضح: «يومها، رفض دروز السويداء الدفع بتعزيزات لمؤازرة قوات النظام، وهو ما دفع النظام لسحب قواته باتجاه السويداء، وترك البلدة بهدف التقليل من الخسائر البشرية».
غير أن القرار، كانت له تبعات أخرى بعد نحو شهرين. وتضيف المصادر: «حين شنت قوات المعارضة هجومًا على مقر اللواء 52 في ريف درعا الشرقي المتصل بالسويداء، الذي يعتبر خط الدفاع الأخير عن مطار الثعلة العسكري، انسحبت قوات النظام منه بشكل دراماتيكي، ما يوحي أنه ترك الخطر يقترب من السويداء، كون النظام يتعاطى مع المعارك العسكرية بخلفية أمنية أيضًا». وتشير إلى أن قوات الجيش السوري الحر المهاجمة «وجدت نفسها تلقائيًا قرب مطار الثعلة، الذي لم يكن ضمن مخطط الهجوم، ودخلت إلى أسواره، وانخرطت في معارك أدت إلى تعطيله، ووجدت أن النظام مارس سياسة تسهيل نقل المعركة إلى مطار الثعلة، بغرض الضغط على الدروز للقتال في المطار، على قاعدة أنه خط الدفاع الأول عن السويداء، وباتوا بخطر، وهو ما دفعهم إلى حشد الطاقات لمواجهة الجيش السوري الحر فيه».
وكان عضو المجلس العسكري في الجيش السوري الحر أبو أحمد العاصمي الذي يتحدر من درعا، أبلغ «الشرق الأوسط» في تصريحات سابقة أن مقاتلي الحر المهاجمين وجدوا أنفسهم بمواجهة 1500 مقاتل من السويداء احتشدوا في مطار الثعلة، وهو ما دفع مقاتلي «الحر» لإيقاف المعركة، بهدف منع النظام من التضحية بالدروز، ووضعهم في مواجهة مع جيرانهم من أهل حوران.
لكن مصادر مطلعة على المعركة من السويداء، كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن وساطات دخلت على خط المعركة بهدف إيقافها، مشيرة إلى أن أطرافًا درزية لبنانية ساهمت في منع استمرار المعركة، لمنع النظام من زيادة التوتر بين أهالي السويداء وجيرانهم من حوران، فاتخذ «قرارا حكيمًا من قيادات الحر التي تتحدر من ريف درعا الشرقي بشكل أساسي، لإيقاف المعركة، ونقل الجهد العسكري إلى جبهة مدينة درعا البلد».



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.