ميليشيات «فجر ليبيا» تجتاح السفارة التونسية بالعاصمة طرابلس للمرة الثانية خلال شهرين

مصادر دبلوماسية تونسية: هناك مفاوضات على أعلى مستوى من أجل الإفراج عن طاقم البعثة

السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
TT

ميليشيات «فجر ليبيا» تجتاح السفارة التونسية بالعاصمة طرابلس للمرة الثانية خلال شهرين

السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)
السفارة التونسية في العاصمة الليبية طرابلس (غيتي)

في أحدث عملية من نوعها ضد سفارة عربية بالعاصمة الليبية طرابلس، اقتحمت أمس ميليشيات ما يسمى بـ«فجر ليبيا» للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، مقر السفارة التونسية بالمدينة، واعتقلت عشرة من أعضاء البعثة التونسية، ردًا على رفض السلطات التونسية إطلاق سراح عادل القليب أحد قادة «فجر ليبيا»، بينما اندلعت مظاهرات شعبية حاشدة في مدينة درنة بشرق ليبيا ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسيطر، منذ نحو أربع سنوات، على المدينة التي تعتبر معقل المتطرفين الرئيسي.
وقالت مصادر أمنية في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط»، إن «عملية اقتحام مقر القنصلية العامة التونسية، ترجع إلى استمرار اعتقال السلطات التونسية لعادل القليب أحد القادة الميدانيين في ميليشيات (فجر ليبيا) منذ الشهر الماضي».
وعدت تونس في بيان أصدرته وزارة الشؤون الخارجية التونسية، أن اقتحام القنصلية يمثل «اعتداء سافرًا على السيادة الوطنية التونسية وانتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية الضامنة لسلامة وأمن الموظفين والبعثات الدبلوماسية والقنصلية».
وقالت إن «كل أجهزة الدولة التونسية تتابع بكل اهتمام وانشغال تطورات هذه الحادثة بالتنسيق مع الأطراف الليبية والإقليمية والدولية للتوصل في أقرب وقت ممكن للإفراج عن طاقم البعثة التونسية وضمان سلامتهم الجسدية».
وحث البيان المواطنين التونسيين على تجنب السفر إلى ليبيا كما طالب أفراد الجالية التونسية هناك بتوخي الحيطة والحذر خلال تنقلاتهم أو ومغادرة الأراضي الليبية متى اقتضى الأمر ذلك.
وكانت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس قد رفضت، أول من أمس، إطلاق سراح القليب الذي تم إيقافه في مطار تونس - قرطاج الدولي منذ بضعة أسابيع، للاشتباه في تورطه في أنشطة إرهابية.
وعقب توقيف القليب في شهر مايو (أيار) الماضي، برفقة قيادي آخر من ميليشيات «فجر ليبيا»، اعتقل مسلحون تابعون لهذه الميليشيات نحو مائتي مواطن تونسي في العاصمة طرابلس، قبل أن يطلقوا سراحهم على دفعتين بعد إفراج تونس عن أحد قياداتهم، بينما ظل القليب في محبسه.
وفي تونس استنكر التهامي العبدولي، وزير الدولة للخارجية المكلف الشؤون العربية والأفريقية، «بشدة»، إقدام عناصر تابعة لإحدى الكتائب المسلحة الليبية بطرابلس على اقتحام مقر القنصلية العامة التونسية في طرابلس، واحتجازها عشرة من موظفي البعثة، وقال في تصريح إعلامي إن الحكومة التونسية شكلت خلية أزمة لمتابعة قضية الدبلوماسيين المختطفين، وهي تنتظر الإفراج عنهم سالمين، كما تحمل الأطراف الليبية مسؤولية سلامتهم الجسدية والنفسية. وتضم هذه الخلية ممثلين عن رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ووزارات العدل والداخلية والخارجية.
وأكدت مصادر دبلوماسية تونسية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هناك مفاوضات تدور على أعلى مستوى بين الجانبين التونسي والليبي من أجل الإفراج عن طاقم بعثة القنصلية التونسية في طرابلس، المتكون من 10 أشخاص، وتوقعت الإفراج عن المختطفين بين الحين والآخر.
ووفق الرواية التي نشرتها عدة مصادر إعلامية، فإن عملية الاختطاف وقعت إثر هجوم شنّه أمس عدد من المسلحين مجهولي الهوية على القنصلية التونسية في طرابلس، وأدى إلى اختطاف نحو 10 من العاملين التونسيين فيها، واقتيادهم إلى جهة مجهولة. وتأتي هذه العملية بعد يوم واحد فقط من رفض إحدى محاكم تونس الإفراج عن وليد القليب، القيادي في تنظيم فجر ليبيا المعتقل بتونس منذ 25 مايو (أيار) الماضي.
وبخصوص أفراد القنصلية المختطفين، ذكرت مصادر تونسية على علاقة بالقيادات الليبية في طرابلس، أن التونسي البشير الشتاوي، نائب القنصل العام، من بين المختطفين، وقالت إنهم اقتيدوا إلى أماكن مجهولة، وأكد خبر تعرضهم إلى الاختطاف وليس الاحتجاز داخل مقر القنصلية. كما أكدت المصادر أن أربعة من بين المختطفين من سكان منطقتي مدنين وتطاوين.
واعتبرت وزارة الخارجية التونسية، في بيان أصدرته أمس، أن هذه الحادثة بمثابة «الاعتداء السافر على السيادة الوطنية التونسية، والانتهاك الصارخ للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية الضامنة لسلامة وأمن الموظفين والبعثات الدبلوماسية والقنصلية». وأكدت أن كل أجهزة الدولة «تتابع بكل اهتمام وانشغال تطورات هذه الحادثة، بالتنسيق مع الأطراف الليبية والإقليمية والدولية، قصد الإفراج في أقرب وقت ممكن عن طاقم البعثة التونسية وضمان سلامتهم الجسدية».
وناشدت الوزارة كل المواطنين التونسيين عدم التوجه إلى ليبيا في الظروف الراهنة إلا للضرورة القصوى، وذلك بعد التنسيق مع وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية في الغرض.
كما دعت أفراد الجالية التونسية الموجودين بليبيا إلى ضرورة توخي مزيد من الحيطة والحذر خلال تنقلاتهم داخل هذا البلد، ومغادرة التراب الليبي إن اقتضى الأمر ذلك.

وفي غضون ذلك، ندد مواطنون تظاهروا في مدينة درنة بعد صلاة الجمعة بتنظيم «داعش»، ورددوا هتافات مناوئة لهم، بينما رد مسلحو التنظيم بفتح نيران أسحلتهم؛ مما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.
وقالت مصادر في المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإحصائية الرسمية تشير إلى سقوط قتيل وسبعة جرحى معظمهم في حالة حرجة بمستشفى المدينة نتيجة إصابتهم إصابات مباشرة في الرأس والصدر».
لكن سكان آخرين في المدينة قالوا إن سبعة أشخاص قتلوا، بينما أصيب نحو 30 شخصًا آخرين أثناء مشاركتهم في المظاهرة، على مقربة من القاعدة الرئيسية لتنظيم داعش في درنة.
كما اندلعت أيضًا مواجهات دامية بين كتيبة شهداء بوسليم وشباب حي باب طبرق مع تنظيم داعش الذي حاولت عناصره دخول الحي لاعتقال أحد قيادات كتيبة شهداء بوسليم، التي تخوض لليوم الرابع على التوالي معارك ضد التنظيم المتطرف.
وأعلن ما يسمى بمجلس شورى مجاهدي درنة، تحرير حي باب طبرق. وقال في بيان له: «تم تحرير باب طبرق أحد أحياء مدينة درنة ومعقل قادة تنظيم البغدادي الخارجي، وتطهيره من الخوارج المفسدين».
وتعهد المجلس بالدفاع عن مدينة درنة ضد أي اعتداء سواء من أنصار الفريق خليفة حفتر (القائد العلم للجيش الوطني الليبي) أو من أنصار أبو بكر البغدادي (زعيم تنظيم داعش في سوريا والعراق).
في المقابل، دعا تنظيم داعش عناصر كتيبة شهداء بوسليم ومجلس شورى مجاهدي درنة للاستتابة وتسليم السلاح، وقال التنظيم في بيان له: «كل من يتوب من هذه العناصر ويسلم سلاحه، له الأمن والأمان ويرفع عنه حد السيف». وترددت معلومات غير رسمية عن مقتل ما يسمى بوالي ليبيا أبو علي الأنباري العراقي الجنسية، كما تم اعتقال عدد كبير من عناصر تنظيم داعش.
ولقي تسعة مقاتلين على الأقل مصرعهم، أول من أمس، في اشتباكات بين الطرفين بالمدينة التي تشكل مركزًا لتجمع الجهاديين منذ فترة طويلة.
وكان تنظيم داعش بث تسجيلاً مصورًا يزعم فيه نسف طائرتين حربيتين في قاعدة القرضابية الجوية التي استولى عليها في وقت سابق من الشهر الماضي، بينما استعرض مقاتلوه أسلحة ثقيلة.
كما ظهر مقاتل سوداني وهو يسخر من قوات مصراتة التي انسحبت من سرت ويتوعد بالاستيلاء على المدينة الواقعة في غرب البلاد، بينما ظهر مقاتلون من تنظيم داعش على متن دبابة ويطلقون قذائف مورتر (هاون)، ويدمرون الطائرتين الرابضتين أمام حظيرة للطائرات.
وسيطر المتشددون في وقت سابق هذا الأسبوع على محطة للكهرباء في ضاحية بغرب سرت ليكملوا استيلاء تدريجيًا على المدينة بدأ في فبراير (شباط) الماضي، عندما دحروا قوة أرسلت من مصراتة موالية للحكومة التي مقرها طرابلس.
ومنذ بداية العام أعلن متشددون في ليبيا موالون لـ«داعش»، المسؤولية عن قتل عشرات المسيحيين المصريين والإثيوبيين وهاجموا فندقًا فاخرًا في طرابلس وسفارات وحقول نفط.
وتعمل الحكومة المعترف بها دوليًا من شرق البلاد منذ أن فقدت السيطرة على طرابلس وغرب ليبيا في أغسطس (آب) الماضي، في إطار الاضطرابات التي تحكم بخناق ليبيا بعد أربع سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي.
وفى مدينة بنغازي بشرق البلاد، أعلنت مصادر طبية مقتل ثلاثة جنود بالجيش الليبي وإصابة عشرة آخرين خلال معارك الشوارع التي يخوضها الجيش ضد عناصر ما يسمى بمجلس شورى ثوار بنغازي.
وتشهد المدينة منذ عدة أسابيع تصاعدًا في حدة المواجهات العنيفة بين قوات الجيش الليبي والمتطرفين؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات.
وقدمت الأمم المتحدة، يوم الاثنين الماضي، مسودة جديدة لاتفاق سلام لإقناع الجانبين بتشكيل حكومة وحدة بعد أشهر من المحادثات في المغرب.
لكن فرج هاشم، المتحدث باسم البرلمان الليبي المنتخب، قال في المقابل إن البرلمان يؤيد حلاً سياسيًا، لكنه يرفض هذه المسودة التي رأى أنها أعادت إنتاج المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته، وشرعنة الميليشيات المسلحة في البلاد.
وأضاف في مؤتمر صحافي عقده بالقاهرة، أن البرلمان الذي يوجد مقره أيضًا في شرق البلاد يعترض على مشاركة مجلس نيابي منافس مقره طرابلس في اتفاق لتقاسم السلطة.
من جهة أخرى، نقلت وكالة الأنباء الموالية لما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس عن مصادر، أن «هناك اتصالات ومساعٍ جارية تتعلق باتفاق نهائي وشامل من أجل وقف إطلاق النار بين الأطراف المختلفة في المنطقة الغربية».
وكشفت النقاب عن أن الاتفاق سيكون برعاية المجالس العسكرية بمدن المنطقة الغربية، ويتركز على انسحاب كل طرف إلى داخل الحدود الإدارية لمدينته، بالإضافة إلى تبادل الأسرى وعودة المهجرين وعدم التعرض للمارة أو الاختطاف والتعهد بذلك بين كل الأطراف المعنية بالاتفاق.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.