«ملتقيات النص».. تجربة أدبية سعودية تحتاج إلى مراجعة

شكوى من غياب النقد واستسهال الكتابة الروائية

عبد الحفيظ الشمري  -  جانب من فعاليات نادي الرياض الأدبي  -  خالد خضري
عبد الحفيظ الشمري - جانب من فعاليات نادي الرياض الأدبي - خالد خضري
TT

«ملتقيات النص».. تجربة أدبية سعودية تحتاج إلى مراجعة

عبد الحفيظ الشمري  -  جانب من فعاليات نادي الرياض الأدبي  -  خالد خضري
عبد الحفيظ الشمري - جانب من فعاليات نادي الرياض الأدبي - خالد خضري

دأبت بعض الأندية كنادي جدة الأدبي على إقامة ملتقى للنص، غير أنه دار الكثير من اللغط حول جدوى هذه التجربة، وإلى أي مدى تعكس القيمة الحقيقية للإبداع بمختلف ضروبه.
عدد من المشاركين، يعتقدون أن هناك بونا شاسعا بين تطور النص وحركة النقد ودور الأندية الأدبية، على مدى مسيرة الكتابة الروائية والقصصية والشعرية منذ منتصف القرن الماضي.
هنا، كتاب ونقاد ومثقفون سعوديون يقيمون هذه التجربة ومردودها سلبا وإيجابا:
يرى الناقد الدكتور حسين المناصرة أن «أهم ما أنتج في المشهد النقدي الأدبي بالسعودية يعود - بالدرجة الأولى - إلى مسارين: مسار الدراسات العليا في الجامعات، أي أبحاث الماجستير والدكتوراه، ومسار الملتقيات النقدية في الأندية الأدبية. ويعد (ملتقى قراءة النص) في النادي الأدبي الثقافي بجدة مؤسسًا لهذه الملتقيات، إذ عقد هذا العام الملتقى الثالث عشر، والنادي الذي يأتي في الدرجة الثانية، لا يتجاوز عدد ملتقياته أربعة أو خمسة ملتقيات، ناهيك بأن نواد أخرى لم تعقد أي ملتقى إلى الآن».
وبرأي المناصرة، فإن هذه التجربة النقدية في المشهد الأدبي تعد محفزًا أو محرضا للباحثين والباحثات على الكتابة النقدية الجادة، التي تقيم وتُناقش في الملتقى، ويعيد الباحث أو الباحثة النظر فيها، ثم تنشر، لتغدو مرجعًا في سياق محاورها وإشكالياتها. وبذلك، تسهم هذه الملتقيات في إعادة إنتاج الإبداع وتقويمه تحت سقف الحوار والاختلاف.
أما ملتقى قراءة النص الثالث عشر الذي خصص هذا العام لدراسة «الإنتاج الأدبي والنقدي لجيل الرواد بالسعودية»، وفق المناصرة، فيؤكد المسيرة الثقافية المميزة لنادي جدة في فعالياته وإصدارته، مشيرا إلى أن أهمية هذا الملتقى تكمن في إعادة قراءة نصوص الأدباء الرواد إلى عام 1965.
وفيما يتعلق بتطور النص على مدى مسيرة الكتابة الروائية والقصصية والشعرية منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن من حيث المفردة وتقنية النص وملامسة القضايا المعاصرة الملحة، أكد المناصرة أنه لا مجال للمقارنة كما ونوعا.
ونوه أن النصوص السردية والشعرية، جاوزت بضعة آلاف بعد منتصف القرن الماضي، قياسًا إلى أنها في حدود بضع مئات قبل ذلك، مبينا أن المفارقة كبيرة جدا - أيضا - في مستوى الجماليات.
وأضاف المناصرة: «في الوقت الذي يمكن أن نتحدث فيه عن إرهاصات فنية في الشعر والنثر، وأن التجارب الإبداعية لم تحقق كثيرا من متطلباتها في الرؤى والجماليات قبل منتصف القرن الماضي، هناك قفزات نوعية في النص الشعري والقصصي القصير منذ سبعينات القرن الماضي، وقفزات نوعية في مجال الرواية منذ تسعينات القرن الماضي».
وعلى صعيد الرؤية النقدية، يعتقد المناصرة أن النص تطور كثيرا، وتعددت مناهجه، وتنوعت آلياته وإجراءاته، وصار بإمكان النص الجيد أن يكون مفتوحا لقراءات غير نهائية، وهذا هو مرجعية خلود النصوص أو عبقريتها.
لكن ليست وظيفة النقد وفق المناصرة، تقويم النصوص في ضوء معيارية ضيقة، هي معيارية «الجودة والرداءة»، فمهمة النقد ليست مصادرة النصوص، أو منحها الشرعية! النقد - عمومًا - يقرأ النصوص ويعيد إنتاجها استنادًا إلى أطر منهجية ليست نهائية - على أي حال. وبكل تأكيد، تعد النصوص الملتزمة بواقعها وطنًا ومجتمعًا هي النصوص الأكثر تميزًا من غيرها، بشرط أن تكون - في الوقت نفسه مميزة فنيًا وجماليًا، إضافة إلى تميزها رؤى ودلالات.
الشمري: «بون شاسع بين الأندية وملتقيات النص أما الكاتب والروائي عبد الحفيظ الشمري، فيعتقد أن (ملتقيات النص) التي تنظم بين فينة وأخرى في بعض الأندية الأدبية، والتي يحشد لها الكثير من الإمكانات والقدرات بطريقة لا تبدو متوازنة في طرحها ومراميها».
ويقول الشمري: إن «هناك بونا شاسعا بين هذه الأندية وهذه الملتقيات أي أنك تفاجأ بنادٍ أدبي أنشطته متهالكة ووضعه التنظيمي مهلهل ومن يقومون عليه كما تقول العرب: (لا ناقة لهم ولا جمل) بالثقافة والأدب».
ومع ذلك، والحديث للشمري، تخرج هذه الملتقيات لتظهر وكأنها معدة بمعزل عن رؤية الأندية، والأمثلة معروفة ولا داعي لذكرها، فما عليك في أي ملتقى تسمع عنه إلا أن تدقق بأحواله، لتعرف أنه معد بطريقة شللية ومختار له التوجه ونوعية المدعوين إليه، والأدهى من ذلك أن النادي في وادٍ وهذا الملتقى في وادٍ آخر.
أما الأمر الثاني وفق الشمري، فإن هناك تكريسا واضحا لمفهوم الشللية التي تضرب أطنابها في العمل الثقافي، والسبب برأيه يعود إلى وجود هذه الأندية الأدبية الهزيلة والتي استغلت، والعبث فيها من قبل بعض الموتورين الذين لا يعرفون عن قضية الثقافة والأدب سوى قشورها ومظهريتها فقط على حد تعبيره.
وقال الشمري: إن «إدارة العمل الثقافي والأدبي قد تكون أفضل في ظل عدم وجود هذه الأندية التي لم تضف شيئا للمشهد الثقافي في بلادنا في الأعوام القليلة الماضية، بل أنها وجدت لتلميع بعض النكرات في المرحلة الحالية».
ولذلك، لا يعتقد الشمري أن ملتقيات النص في بعض الأندية مفيدة إنما «هي عبئ على المشهد الثقافي والذائقة الأدبية».
ويقول الكاتب والروائي خالد خضري: «شخصيا أعتبر تجربة نادي جدة الأدبي الثقافي في إقامته لملتقيات النص تجربة رائدة، حيث يعد أول من أسس لها وأعقبها بأفكار لملتقيات أخرى في أندية أخرى». نادي جدة بهذه الخطة أتاح مجالا لظهور عدد كبير من الدراسات النقدية حول النصوص الإبداعية المحلية، وهو ما انعكس إيجابا على الإنتاج الإبداعي المحلي.
لكن توسع المنتج الإبداعي وازدهاره في الفترة في مجال الرواية بالذات، وفق خضري، لا يعود لهذا الدور فقط وإنما يعود للانفتاح والحرية في الطرح الذي شهدته الساحة الثقافية في السعودية، خلال العقدين الماضيين، مما أدى إلى ظهور كتاب رواية ليسوا في الأساس أدباء أو ممن يمتهنون حرفة الأدب. فاكتظت الساحة بالروايات وظهرت أعمال لمهندسين وأطباء وموظفي علاقات عامة، شابها الكثير من اللغط حول المستوى الفني الذي قدمت به، بالذات فيما يخص الرواية النسائية، إذ إن 90 في المائة من الرواية النسائية، لا يرقى إلى مستوى الإبداع، ليس فنيا فحسب، بل على مستوى القضايا المطروحة، لأنها كتابها وكاتباتها كانوا يبحثون عن الشهرة من خلال الكتابة، واعتبرت وسيلة لدى البعض في أن يتاح المجال لهم للظهور عبر مقابلة تلفزيونية أو صحافية، أو في حفلة توقيع. الكتابة في ظني أكبر من ذلك بكثير وهي هم إنساني وتحمل قضايا الإنسان الأزلية، ومثل هذه الأعمال تموت بعد حفل التوقيع مباشرة، وبعضها لا يستحق قيمة الورق الذي طبعت عليه.
أما فيما يخص النقد فيرى أن النقد المحلي الآن يتجاوز كونه مجرد متتبع لمنتج إبداعي، مبينا أن هذه النظرة التقليدية البائسة للنقد هي نظرة قاصرة، لأن الناقد في الأساس صاحب مشروع، وهو ينتج فكرا خلاقا يستحق أن يلتفت إليه، لهذا نجده الآن يدرس الظواهر من خلال دراسته للأعمال الإبداعية، الظواهر الاجتماعية، الاتجاهات والميولات، والخطاب السردي ومستوياته. لذا نجد من نقادنا من أصبح مفكرا وصاحب نظريات فكرية، ومنهم من أصبح باحثا اجتماعيا، وهكذا وفي نهاية المطاف، كل هذه الجهود تصب، في خدمة الحراك الثقافي المحلي.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».