سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

تحرير بصرى ومعبر نصيب مع الأردن وإدلب وجسر الشغور ينذر نظام دمشق

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر
TT

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

ما حدث في شمال سوريا وجنوبها خلال الأيام والأسابيع الماضية ينذر ببوادر انهيار قوات بشار الأسد عسكريًا، ويعكس الانهيار القادم والوشيك للنظام برمته؛ ففي الخامس والعشرين من مارس (آذار) الماضي، تحررت مدينة بصرى الشام أحد معاقل النظام في حوران بجنوب سوريا. وتُعتبر هذه النقطة معقلاً بحكم الوجود العسكري الإيراني وأدواته وتحصيناته. بعد نحو شهر من ذلك التاريخ، سعى النظام عبر مرتزقة من جنسيات مختلفة وبإدارة مشتركة مع الإيرانيين وميليشيات حزب الله لاستعادة المنطقة، لكنه هُزم شر هزيمة. وبعد أسبوع من تحرير بصرى، سيطر الثوار على «معبر نصيب» الحدودي مع الأردن كآخر مركز حدودي للنظام مع محيطه (باستثناء جديدة يابوس التي تصله رسميا بلبنان)؛ وبذا باتت محافظة درعا محررة باستثناء «المربع الأمني» في مدينة درعا وبعض المناطق القريبة من ريف دمشق.
بالتوازي مع الجنوب، وفي الثامن والعشرين من مارس، تحررت مدينة إدلب؛ ليتبع ذلك - بعد شهر من ذلك التاريخ - تحرير مدينة جسر الشغور الاستراتيجية؛ ليليها بعد أيام استهداف مدينة أريحا وقاعدة المسطومة العسكرية؛ وليستمر الزخم التحريري باتجاه سهل الغاب الحاضن لأكثرية مُرشدية (من الطوائف العلوية) تشكل خزانًا مواليًا نسبيًا للنظام.

> قوة ذاتية تتغلب على الظرف الموضوعي:
رغم قتالهم على جبهتين منفصلتين شمالاً وجنوبًا فإن الثوار طوروا أساليبهم القتالية بوعي فائق وإرادة عالية عبر توحدهم وتكتلهم، ليتجاوز عددهم في الجنوب الثلاثين ألف مقاتل، ولتكون لهم الغلبة في المثلث الواقع بين دمشق والقنيطرة ودرعا. وفي الشمال تشكّل «جيش الفتح» الذي ضمّ ما يقارب العشرة آلاف مقاتل، تمكنوا بتلك الروح من تحرير محافظة تشكل بوابة الساحل السوري.
> توظيف غنائم الأسلحة في مقارعة العدو:
بعد التجارب المريرة السابقة، عندما كان صنف من المقاتلين يضعون أيديهم على غنائم عسكرية من النظام - تُباع أو تُخزّن ليعود النظام ويستولي عليها - فإن التجربة الحالية شهدت استخدامًا فاعلاً لتلك الغنائم بما في ذلك الدبابات والصواريخ والمدفعية؛ هذا إضافة إلى أسلحة مضادة للدروع وصلتهم من الخارج.
> استغلال ظرف الوفاق الخارجي:
ولّد التوافق العربي - العربي، والعربي - التركي تجاه الثورة السورية زخمًا أتى مواكبًا لـ«عاصفة الحزم» في اليمن وظّفه الثوار في تحدي ومقارعة النظام المدعوم إيرانيًا وروسيًا. كما أنهم التقطوا مغزى عبارة الرئيس الأميركي باراك أوباما: «لماذا لا يساعد العرب السوريين في الخلاص من الأفعال الإجرامية لنظام الأسد؟»، كإشارة تعطي ضوءًا أخضر وتجب ما قبلها من تلكؤ تعطيلي أميركي.
وفي الارتدادات المحتملة لتلك العبارة، فقد يكون أوباما تفاجأ بالتجاوب العربي مع عبارته وسيندفع لتذكُّر استخدام النظام للأسلحة المحرّمة دوليًا، ويطالب بمعرفة المرتكب؛ وليظهر بمظهر المهتم والداعم لجهود العرب الخليجيين تمهيدًا لاستقبالهم في اجتماع كامب ديفيد، الذي ستحضره فرنسا من دون أن تكون موجودة.
> إشعاع «عاصفة الحزم» والتقاط السعودية لزمام المبادرة:
بات الحال السوري الجديد انعكاسًا طبيعيًا للحال والوهج الذي أشاعته «عاصفة الحزم»، وكأنه خطة موازية أو مكمّلة للفعل في اليمن. ومن هنا قرأ مراقبون حال النظام وكأنه يستشعر قوة مغناطيسية في «عاصفة الحزم» توشك على اقتلاعه عن بعد.
زد على ذلك فإن إعلان السعودية عن احتضان مؤتمر للمعارضة السورية لرسم ملامح مرحلة ما بعد الأسد دون مواربة يعني نهاية العهد الأسدي. وهذا الأمر قد يتم طوعيًا حسب مقررات مؤتمر «جنيف 1»، أو عنوة حيث الخطط العسكرية تبدو جاهزة كما كانت خطط «عاصفة الحزم» جاهزة دون إعلانية.
وفي ظل هكذا قرار ودعوة للاجتماع، فإن المعارضة أو حتى «المعارضات» السورية لن تمتلك رفاهية التخاصم الفضائحي أو شد الشعر أو المحاصصة أو الاصطفافات على خطوط التناقضات بين الرعاة، لأن هؤلاء أضحوا حلفًا وصفًا واحدًا.
من جانبه، لن يفيد النظام من محاولات الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا لإنقاذه عبر سلسلة أي «جنيف» جديد؛ ولا حتى من الاستعانة بحضور الصديق الإيراني؛ فالقرار حول «ما بعد الأسد» لم يأت على ذكر دي ميستورا أصلا؛ كما أنه تجاوز إيران عبر إلزامه بما تتعهد به في أوراقها النووية بأن تلتزم بإقامة «علاقات طبيعية مع محيطها»، وهذا أقل ما يمكن إنجازه في «كامب ديفيد» المقبل.

على الضفة الأخرى
> تبعات رفض الحل السياسي والعلاقة المهتزة مع الداعمين:
بات معروفًا للجميع نزوع النظام إلى تخريب أي جهد سياسي مستندًا إلى تفوق عسكري وفّرته له إيران عبر مرتزقتها من حزب الله وغيره. ومن هنا تراه قد فشل وحلفاؤه في تحقيق أي نتائج سياسية عبر دي ميستورا أو لقاءات موسكو. وزاد الطين بلة بالنسبة للنظام أن موسكو - حسب مصادر مطلعة - حمّلته مسؤولية إفشال مساعيها. وتجلى ذلك بالزيارة الفاشلة التي قام بها محمد الشعار، وزير داخلية النظام، وبالانكفاء الروسي غير المسبوق تجاه ما يجري في الوضع السوري مؤخرًا.
زد على ذلك التوترات غير المرئية مع النظام الإيراني، والتي تجلت في الزيارة الاستجدائية والاستنجادية لوزير دفاع النظام إلى طهران، حيث تقول مصادر قريبة من وزارة الدفاع إن الوزير فهد جاسم الفريج عاد من إيران خالي الوفاض، إلا من وعود بالدعم. وطبعًا كان قد سبق ذلك إحساس النظام بفقدان سيادته أمام التمادي الإيراني المكشوف والذي تمثل بالهيمنة الإيرانية على النظام في سوريا، بحيث أضحى قاسم سليماني شبه الآمر الناهي بتغييب شبه كامل حتى لرأس النظام، مما دفع بالنظام للحفاظ على بعض ماء وجهه؛ فوجد نفسه وجهًا لوجه مع هيمنة سليماني؛ الأمر الذي دفع النظام ثمنه خلال زيارة وزير الدفاع التي غاب عنها سليماني الحاكم الفعلي لسوريا.
بعد صولات وجولات قاسم سليماني، الذي كاد يتحوّل إلى حاكم فعلي لسوريا؛ لم نعد نسمع بأي إنجاز إيراني على الأرض السورية، باستثناء الهزيمة النكراء لمرتزقتها الأفغان والباكستانيين في الجنوب السوري. أما إنجازها الآخر قيد التداول فهو مساهمتها بـ«موت» (!) رستم غزالة وتغييب علي مملوك لاحتمال تصديهما للتغوّل الإيراني في القرار السوري وتحوّل رأس النظام إلى حالة مسلوبة الإرادة تنفذ ما تريده إيران. وهنا يكفي إيران للإيعاز بالتخلّص منهما أو المساهمة في ذلك أن غزالي حاول الاتصال بسعد الحريري للبوح بشيء مهم - كما أفاد الأخير؛ والثاني لانكشاف تواصله مع تركيا - منافسة إيران الإقليمية - خلال وجوده في محافظة الحسكة السورية، كما أفادت مصادر تركية.
ومن هنا، فإنه بات من الواضح أن إيران لم تعد مقتنعة بأي دعم لنظام أضحت متأكدة أنه غير قابل للحياة أو حتى للتسويق في صفقتها النووية. وكأننا بإيران بدأت تعد نفسها للالتزام بعبارة وردت في البيان الختامي لاجتماع مجلس التعاون الخليجي في الرياض «تأسيس علاقات طبيعية» مع إيران؛ والتي لا تعني إلا وقف تدخل إيران في الدول العربية؛ وسوريا ليست استثناء. وعدم التدخل يعني السقوط الحر لمن تحمله على راحتيها.
> النقص الحاد في الكادر البشري وانهيار الروح المعنوية:
سبّب الانحسار شبه الكامل في الالتحاق بالخدمة الإلزامية، نظرا لهروب الشباب أو هجرتهم أو تمنعهم عن خوض غمار حرب يشعلها من يريد الاحتفاظ بكرسيه، نقصًا في الكادر البشري المقاتل؛ فهناك مواقف اتخذتها بعض المكونات السورية، محافظة السويداء مثالا، بألا يسمحوا لأبنائهم بالخروج من المحافظة لمقاتلة أبناء وطنهم كما أراد النظام. وهناك أيضًا روايات من الساحل السوري تتحدث عن قرى لم يبق فيها إلا نساء يتشحن بالسواد لفقد أبنائهن في القتال. إن ما حدث مؤخرًا أثار الذعر والتوتر في مناطق الموالاة خاصة في الساحل السوري بعد السيطرة على جسر الشغور - بوابة الساحل - الأمر الذي ترافق مع خوف شديد من المجهول وإحساس بالتهديد الوجودي.
يُضاف إلى ذلك ضعف شديد في الروح المعنوية بين مقاتلي النظام وتفشي الإحساس بعبثية مهمتهم، مما تسبب في هزيمتهم النفسية ودفع البعض إلى الاستسلام أو الفرار. وترافق ذلك مع تفشي الذعر والخوف في صفوف مقاتلي حزب الله وجماعات أبو الفضل العباس من إيرانيين وعراقيين ومرتزقة أفغان وشيشان، وقد وقف الثوار على حقيقة هؤلاء عندما أسروا مجموعات منهم؛ حيث اتضح أن معظم هؤلاء لا يعرفون أين هم؛ ولماذا.
> الاقتصار على البراميل:
مع غياب القدرة على المواجهة الميدانية للأسباب المبيّنة أعلاه، حصَر النظام نفسه في خانة الاعتماد على سلاح الطيران. لم تنجز تلك القوة التدميرية للبراميل، التي احتوت أحيانا على مواد محرّمة دوليا، ما كانت تبتغيه، بل كللته بفضائح أثرت سلبا على معنويات النظام ككل؛ وما زاده إنكار استخدامها - على لسان رأسه - إلا مزيدًا من الافتضاح وتبخّر المصداقية التي سعى إليها.
> الانهيار داخل دائرة الأسد الضيقة:
نقلت مصادر مقربة من تلك الدائرة خروج والدة الأسد وحاشيتها إلى روسيا البيضاء؛ وتحدثت عن توتر في العلاقة بينه وبين أخيه ماهر قائد الفرقة الرابعة؛ إضافة إلى وجود اللواء محمد ناصيف، صاحب الرأي الذي يعتمد عليه كثيرًا رأس النظام، في حالة سبات بمشفى الشامي منذ أكثر من شهر.
وكان البيت الداخلي قد تلقى ضربة سابقة بهرب أو خروج حافظ مخلوف، ابن خال رأس النظام، لرعونته وحماقته؛ إضافة إلى مقتل أو سجن أشخاص من عائلة الأسد.. وزادت الأمر توترًا الصراعات بين بعض أقطاب النظام والتي أدت إلى خروجهم من المنظومة الحاكمة؛ فالصراع بين اللواء رستم غزالة رئيس شعبة الأمن السياسي واللواء رفيق شحادة رئيس شعبة الأمن العسكري، أدى إلى موت أو قتل الأول وإزاحة الثاني.
> فشل إعادة تأهيل الأسد والظهور الإعلامي المتعثر
لقد باءت بالفشل كل محاولات إعادة تأهيل النظام ورأسه عبر عمليات تواصل مع مؤسسات أوروبية أمنية وغيرها، ومن خلال عمليات تلميع إعلامية انعكست عليه مزيدًا من فقدان المصداقية بسبب الانفصام عن الواقع ونكرانه.
وبعد سلسلة من المقابلات التلفزيونية الهادفة إلى إعادة تأهيل النظام وتلميعه عبر تقديم أوراق اعتماده للعالم بأنه يقاوم الإرهاب، وبعد افتضاح حالة الانفصام عن الواقع والتنكّر له، يظهر رأس النظام مؤخرًا أمام مجموعة منتقاة في مدرسة أبناء الشهداء بدمشق في مشهد يكلله الخواء ليتحدث عن قيمة الشهادة، ليُفهم من كلامه وكأنه يحث على ضرورة إلحاق الأبناء بالآباء للحفاظ على كرسيّه. في ذلك اللقاء البائس حاول إقناع مستمعيه ومشاهديه بأن خسارة معركة - لأول مرة يذكر عبارة خسارة - لا تعني خسارة الحرب؛ وحجم الخسارة التي يتحدث عنها في تلك المعركة «البسيطة» هي فقط ثلاثة أرباع سوريا. إنه يستشعر اقتلاع «عاصفة الحزم» له، وهي على بعد آلاف الكيلومترات عنه.
ومن هنا، فإن معنوياته المنهارة لن ترفع معنويات بعض الأتباع؛ فالغريق لا يمكنه انتشال غريق آخر؛ خاصة أن إيران التي حملته لسنوات هي ذاتها في حالة اندحار.
> الخوف الأميركي من سد الفراغ بما لا تريده سياسة اللاسياسة
ضغط الملف النووي الإيراني على أوباما أوقعه بين أكثر من مطرقة وسندان؛ فبعد تردد وتلكؤ وغياب استراتيجية تجاه المسألة السورية، كلفت السوريين مئات آلاف الضحايا وخرابًا ودمارًا وتشردًا غير مسبوقة؛ وبعد تركها فراغًا خدم أغراضها واستغله الآخرون على الضفة الأولى، تجد واشنطن نفسها وجهًا لوجه أمام من يبدي استعدادية لسد الفراغ السوري الخبيث. فهي غير قادرة فجأة على تجاوز ما اتُّفق عليه سعوديًا وقطريًا وتركيًا. عندها كانت عبارة أوباما الأشهر «لماذا لا يساعد العرب السوريين في إنقاذهم من الديكتاتورية؟!» ومن ثم توالت تصريحات المسؤولين الأميركيين مجددًا بأنه لا مستقبل للأسد في مستقبل سوريا؛ وحضرت بقوة تصريحات أميركية تعترف بضلوع النظامين الإيراني والسوري في دعم الإرهاب.
في سياق الملف النووي، وفي سياق ضرورة وجود تطمينات لجيران إيران، وفي سياق تغوّل إيران في أربع دول عربية، يأتي لقاء كامب ديفيد. هناك قد يتوافر من يجيب عن سؤال أوباما البلاغي: « لماذا لا يأتي العرب إلى تخليص السوريين من وحشية النظام»، القول: «سياستك هي التي كانت تمنعنا وتحول دون ذلك». ولكن لأسباب بروتوكولية قد لا تكون هناك ضرورة لإطلاق هكذا جواب.
يكفي أن يكون هناك لفت انتباه إلى أن الانخراط الأميركي الجديد في المسألة السورية يجب ألا يكون معرقلاًً لجهود من أرادوا أن يسدوا الفراغ الذي تركته واشنطن؛ أو رادعًا لجهودهم بدعم الثوار في تحرير سوريا من إيران والنظام المستبد القائم.

من هنا.. إلى أين؟
السيل السوري الجارف مستمر؛ والثوار على مشارف الساحل بعد جسر الشغور والاقتراب من السد المانع في الغاب؛ وضغط الغوطتين الشرقية والغربية يضيّق الخناق على دسّامات قلب النظام؛ والخطر الأكبر قادم من الجنوب، فالمنشآت الحكومية في درعا أخليت من محتوياتها. أما القادم من الشمال فهو استكمال تحرير حلب. ويبقى معقل العاصمة الذي يبدو الآن هادئًا، فلا بد أن قرار استثناء دمشق (المدينة) الدولي لا يزال ساري المفعول؛ إلا أن التصريح الإيراني الذي ربما أفلت سهوًا لا يزال ضجيجه يصم الآذان بخصوص نقل النظام مركزه إلى طرطوس الساحلية. وهذا إنذار واضح بالتقسيم.
في هذا السياق، ربما تأتي معارك القلمون التي وعد بها حزب الله. ولا يغيب عن مراقب أن هدف خطوة كهذه ليس إلا خلق «كوريدور» - أي ممر - يصل دمشق بحمص بالساحل لتشكيل دولة أكثر اتساعًا بقليل من دولة الساحل التي لا بد يفكّر بها. إذا كان الفشل مصير حرب فلول النظام وحزب الله سيجد هؤلاء المبرر للانكفاء على دولة للنظام تتجاوب مع تلك الدعوة الإيرانية لنقل العاصمة إلى طرطوس. وهنا يكون الاستناد التبريري للنظام ومن يدفعه وجود دولة لـ«داعش» وأخرى للأكراد وثالثة في حلب وإدلب ورابعة في الجنوب. ويكون ذلك وصفة اقتتال ودمار مستمر لسوريا الوطن الواحد لكل السوريين.
المستفيدون من ذلك كثر على رأسهم إسرائيل؛ وستكون النهاية لسوريا والسوريين.
أمر كهذا يخالف الطبيعة، وهو وصفة بؤس ودمار لا للسوريين فحسب بل لمن يرى نفعًا من ذلك - حيث ستصله الارتدادات عاجلاً أم آجلاً؛ فعلى المدى البعيد يستحيل على السوريين أن يكونوا بحالة تبعثر كامل هكذا؛ وبإرادتهم ودعم الإرادات الطيبة سيفشلون أي مشروع تقسيمي؛ ويكونون كيانًا واحدًا يتجاوز جروحه العميقة ويريح محيطه ويستريح.
أخيرًا، لا بد من القول إن تشعبات القضية السورية وتعقيداتها جعلت منها مسألة دولية، حيث تقرر مصير السوريين ومستقبل بلدهم أياد خارجية بعضها خيّر ويحترم القانون الدولي والإنساني وبعضها غير ذلك. قمة كامب ديفيد ستكون حاسمة بالنسبة لسوريا. في آخر مقال له يقول دينيس روس: «إذا ما أراد أوباما لقمة كامب ديفيد أن تنجح بهذا الصدد؛ فها هو الوقت المناسب للجد في إيجاد منطقة عازلة في سوريا»، وبذا يشعر قادة الخليج بجدية واشنطن في وقف تغوّل إيران في شؤون الدول العربية.
تلك ستكون نقطة التحول الأساسية بتاريخ سوريا الجديد. ما علينا إلا أن ننتظر ونعتبر.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.