شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

تخبط فتاوى التنظيم المتطرف في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح باب الخلافات والهزائم

TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

يواصل خمسة من المنشقين عن «داعش» من جنسيات سورية وليبية وتونسية، الإدلاء بشهاداتهم عن الأسباب والتفاصيل التي أدت إلى تخليهم عن القتال مع التنظيم المتطرف. واصطدم هؤلاء الشبان ومن كان معهم من مجموعات، بتوجهات وفتاوى دولة «الخلافة» المزعومة، بعد أشهر من التحاقهم بالقتال في سوريا والعراق، إلى أن قرّروا في نهاية المطاف، التوقف عن العمليات العسكرية والهروب بعد أن أصبحوا، هم أنفسهم، عرضة للقتل على يد التنظيم.
فرَّ «أبو هريرة» إلى بلدته في شمال ليبيا، قبل أن يواصل الهروب، بعد أن أهدر التنظيم المتطرف دمه، خصوصًا أن «داعش» له وجود في مدن مثل درنة وسرت وصبراتة في ليبيا. كما فرَّ «أبو شعيب» تاركًا بلدته، دير الزور، إلى تركيا. ويعيش هناك متخفيًا. بينما يفيد الوسطاء الذين قاموا بتأمين الردود التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أن التونسيين الثلاثة يعيشون في بلداتهم الأصلية في جنوب البلاد.
وفي هذه الحلقة يتذكر «أبو شعيب» ما وقع من أحداث مرعبة في تلك الليلة حين جاء مع «أبو هريرة» و«الإخوة التونسيين» وعدد من زملائهم المقاتلين، لكي ينظر تركي البنعلي، رئيس جهاز الحسبة في «داعش»، في الخلافات التي تتزايد بشأن سرعة تغيير التنظيم لمواقفه بينما الحرب تجري على الأرض.
الوقوف أمام المنظر الشرعي «تركي البنعلي» يُعد من المسائل الخطرة، فهو، وفقًا لأحد التونسيين الثلاثة، صموت وهدوء لكنه لا يتسامح في القضايا التي تمس أوامر «البغدادي» حتى من قبل أن يتولى رئاسة جهاز الحسبة.. «البنعلي» خطيب مفوَّه أيضًا، فقد سبق له، منذ عام 2005 ولعدة سنوات، التنقل بين كثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا، لتلقي الدروس على يد دعاة متطرفين أو إعطاء دروس للشبان الذين تعم بلادهم فوضى «الربيع العربي».
كان «البنعلي»، قبل ظهور الخلافة المزعومة، من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة. ويقول التونسي إنه غيَّر موقفه إلى العداء ضد القاعدة، لمصلحة «داعش»، ثم بدأ يطلب منا مهادنة القاعدة والمنتمين إليها. وبعدها، عرفنا أن هناك تواصلًا وصداقة ومعاملات طيبة لنفس الجهات التي كان قبل يوم أو اثنين يطلب منا مقاتلتها لأنها إما كافرة أو مرتدة أو أنصار للطواغيت.
يقول «أبو شعيب»: في هذه الأمسية قلنا لا بد أن نعرف ما يجري بالضبط من «البنعلي» وليحدث ما يحدث.. رغم أننا نعلم أنه لم يسبق لهذا الرجل أن تحمل الجدل والمناقشة. كانت له شهرة وصيت في «داعش»، بسبب تعصبه في موالاته لـ«البغدادي» ونشاطه في ضم شبان عرب وأجانب للقتال في صفوف التنظيم، واقتران اسمه بمفاوضات إطلاق سراح عامل الإغاثة الأميركي، بيتر كاسيغ، الذي جرى ذبحه فيما بعد.
ويضيف أحد التونسيين المنشقين أن المشكلة في الأساس داخل التنظيم قد ترجع أسبابها إلى أكثر من سنة مضت، حين أعلن الظواهري الفصل بين «العراق والشام» بحيث تكون العراق تحت ولاية «البغدادي» باسم «دولة العراق الإسلامية» والشام (سوريا) تحت ولاية جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. هنا انحاز «البنعلي»، قبل حتى أن يصل إلى سوريا ومن ثم العراق، إلى موقف «البغدادي» الرافض لهذا الفصل متمسكًا باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
«أبو هريرة» يوضح أنه، حين كان يقف مع مجموعته والمتخاصمين معها في قضية تنظيم القاعدة، بين يدي «البنعلي»، تذكَّر أن موقفه، في الحقيقة، أفضل من موقف هذا الشاب البحريني المجرد من جنسية بلاده، لأنه؛ أي «أبو هريرة»، دخل جبهة الحرب قبل أن يعرفها «البنعلي»، وخاض معارك وتعرض لخطر القتل أكثر من مرة قرب الرِّقة وفي دير الزور والبوكمال والموصل.
«أبو هريرة» الذي انقطع عن دراسة الطب في بلاده، رغم أنه كان على وشك التخرج، نشأ في مدينة بنغازي، والده يحمل رتبة رائد سابق في الجيش الليبي. وبعد سقوط نظام معمر القذافي، التحق بتنظيم أنصار الشريعة في المدينة التي أصبحت معقلاً للمتطرفين. سافر من هناك، مع مجموعة من الشبان الليبيين، إلى تونس. وعقب تلقيه دروسًا دينية وتدريبات جديدة على القنص، جرى ترتيب سفره، مع التونسيين الثلاثة، إلى سوريا عبر تركيا.
مرَّ شريط الرحلة من «بنغازي» حتى «الرِّقة» في ذهن «أبو هريرة» وهو يستعد للمواجهة مع «البنعلي». ويبدو أن هذا الشاب الليبي لم يشأ أن يضع نفسه كرأس حربة في المناقشة، فقدم أحد زملائه من طلاب العلم الذين معه، ويطلق عليه «شيخنا» على أساس أنه مختص بهذا الفرع من الجدل. ويبدو أن «أبو شعيب» فهم الأمر.
يقول «أبو شعيب»: «كنت أرى غضبًا وشرًا مستطيرًا في عيني البنعلي.. كان يمد يده ويشدّ العمامة البيضاء التي يغطي بها رأسه، وكأنه يريد أن يبعد الضوء عن تعبيرات وجهه الغاضبة حتى لا نراها.. كنت أريد أن أفرَّ من أمامه، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في تلك اللحظة؛ ليل وطرق الهروب ملغمة بالأعداء. ثم كيف أتخلى عن أميري وإخوتي الذين يشاطرونني الرأي نفسه».
وعمّا جرى بعد ذلك، يوضح «أبو هريرة» قائلاً: «في البداية؛ أي حين دخلنا عليه.. سلّمنا، وقدّمنا طالب العلم الذي كان معنا لمناقشته. وبعد قليل كان الحديث يجري ونحن نراقب.. قام شيخنا (لم يذكر اسمه) بالتأصيل الفقهي الذي يقول إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي أمور التوحيد مطلقًا، وأن العاذر كافر من دون بيِّنة، وأن هذا ما وجدنا عليه التنظيم حين التحقنا به، وأنه لا توجد أسباب لتغيير الموقف، وإلا أصبح التنظيم مثله مثل التنظيمات الأخرى، وبالتالي لا يحق له أن يحتكر تفسير الإسلام حسب الظروف. هنا اعترض البنعلي، واختلف معنا في الأصل، فقال: نحن لا نعذِّر بالجهل في الشرك الأكبر، ولكننا لا نكفر العاذر بالجهل».
استمر الحوار على هذه الشاكلة. يضيف «أبو هريرة»: «كان شيخنا ولله الحمد، وهو يرد على البنعلي، متمكنًا ملمًا بالأدلة، فكان البنعلي يصمت قليلاً ثم يقول: ما رأيكم بأحمد بن حنبل؟ هو لم يكفر المأمون. قلنا: وما أدراك؟ فأحمد بن حنبل قال إن من قال بخلق القرآن كافر، ومن لم يكفره كافر. ثم صار البنعلي يسأل من جديد: ما رأيكم بابن عربي وبالذي لا يكفره؟.«
يقول «أبو شعيب» إن عددًا من مساعدي «البنعلي» انبروا في استعادة وقائع تاريخية بعضها يعود لعام 218 للهجرة عن الخلافات التي نشبت وقتذاك بين الخليفة المأمون وابن حنبل بشأن القول بخلق القرآن واعتراض ابن حنبل على هذا. كما تطرقت المناقشات إلى موقف الشيخ الأندلسي، محيي الدين بن عربي، ذي التوجهات الصوفية، إلى مسألة التكفير، قبل وفاته في دمشق سنة 638 للهجرة. ويقول إنه لاحظ وجود خلط، من جانب جماعة البنعلي، بين ابن عربي هذا، وأبو بكر بن العربي، الذي له كتابات قديمة عن العاذر بالجهل، والمتوفي سنة 543 للهجرة في المغرب.
ويضيف أنه حين أراد أن يعترض على هذا الاسترسال في وقائع قديمة بطريقة فيها خلط ولبس وأخطاء، أشار له عدد من مساعدي «البنعلي» بالتزام الصمت حتى ينتهي من حديثه الذي تطرق فيه أيضًا لشيوخ آخرين من بينهم فخر الدين الرازي، المشهور بالرد على أفكار المعتزلة، والمتوفي في أفغانستان عام 606 للهجرة.
مثل هذا التخبط وما لدى أتباع «البنعلي» وغيرهم من خلفيات ضبابية عن فتاوى فقهاء التراث والخلط بين أقوال الشيوخ القدامى وتضارب التعليمات في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الخلافات والهزائم. وبدا أن «أبو شعيب» امتلأ بالغضب والغيظ من تشعب الأسانيد التاريخية بهذه الطريقة وعدم وضوح الرؤية تجاه الواقع القتالي المتأزم على الأرض، أو وجود تحديد دقيق للخصوم والأصدقاء بشكل يجعل المحاربين يعرفون أين يوجهوا مواسير البنادق. يقول إنه نظر إلى وجوه مجموعته ووجد أنهم هم أيضا مستاءون من سير المناقشات مع «البنعلي» ومساعديه.
هنا رد «أبو شعيب» بنفاذ صبر وبطريقة كانت تحمل كثيرًا من المعاني، موضحًا: «قلنا له نحن لا نعرف من هو ابن عربي، أو ابن العربي، ولا نعرف من هو الرازي». وبدأ فصل جديد من العلاقة بين مقاتلي التنظيم.
من جانبه، يقول «أبو هريرة»: المهم استمر حوارنا مع البنعلي لفترة ساعتين ونصف الساعة.. طبعًا كنا نسجل الحوار.. المهم، شيخنا قمع البنعلي ودحض حججه، وأسكت لسانه، فخرج مُكَبًا على وجهه.. وقلنا إن هذا مؤشر خطر جديد على حياتنا.. المهم، ورغم ما حدث خلال الجدل، إلا أنه، بعد هذا النقاش، رجع بعض الأشخاص عن تكفير العاذر، ربما خوفًا من انتقام التنظيم منهم. ففي ذلك الوقت كان كثير من الإخوة من المقاتلين يعانون الأمرَّين في سجون «داعش» بسبب خلافات من هذا النوع، مثل قتل الشيعة حتى لو لم يحملوا السلاح ضد الخلافة.
في اليوم الثاني - يواصل «أبو هريرة» - أتانا أبو بكر القحطاني (قيادي آخر في داعش) وناقشنا أيضا.. و«أيضا خرج دونما نتيجة، لكنه قبل خروجه قال لنا كلامًا متناقضًا: كل من أراد تكفير الظواهري والعاذر فليس مشكلة، ومن لم يكفر العاذر والظواهري ليس مشكلة أيضًا، ولا تلزموا بعضكم بأقوالكم، فإن المسألة يسع فيها الخلاف»، لكن القحطاني، بعد قليل عاد وتحدث مجددًا بطريقة فيها تهديد لنا، وكان أكثر حدة من السابق. وقال: «أي أحد يكفر الظواهري ويكفر العاذر بالجهل فسوف يسجن ويعاقب بأشد العقوبات».
يبدو أن «القحطاني» يحظى بمكانة رفيعة داخل القيادة العليا للتنظيم (وغير معروف ما إذا كان ما زال في «داعش» أم تركها، أو إن كان على قيد الحياة). لكن كان معلومًا، وهو يرد على «أبو هريرة» ومجموعته، أنه ذو سياسة مرنة إلى حد ما في حل المشكلات التي تعترض عناصر التنظيم، على عكس «البنعلي» الصارم.
بيد أنَّ «أبو شعيب» يزيد موضحًا أن اختتام القحطاني بتهديد المخالفين بالسجن، والمعاقبة بأشد العقوبات، ترك المناقشات بشأن الموقف من الظواهري وغيرها من قضايا، معلقة دون حل.. «كنا نريد أن نعرف ماذا يجري.. ما سبب صدور رسالة من الخليفة عن عدم تكفير القاعدة. لماذا الخوف من المناظرات.. لم نتلقَ إجابة. فقط كان التشديد على ضرورة السمع والطاعة للخليفة وما يصدر عنه».
في الأيام التالية، بدا أن المجموعات القتالية التي كانت تعود من المواجهات في ريف دمشق وفي حلب، إلى مقر التنظيم في مدينة الرِّقة، تنحاز في شكوكها إلى وجهة نظر المقاتلين والفقهاء الصغار مثل «أبو هريرة» و«أبو شعيب». كما كان جواسيس «البنعلي» و«القحطاني» يقدمون معلومات مقلقة عن تراجع ثقة كثير من المحاربين في «الخليفة».
ربما لهذا السبب جرت محاولة لتعزيز الموقف بإرسال أحد المقربين من مقاتلي «داعش» على الجبهة السورية، وكان يحمل مرتبة «والي دمشق» في ذلك الوقت، ويقول «أبو هريرة» إن اسم هذا الوالي «أبو اليمان الأردني».
ويضيف أنه مع الشعور بتزعزع الثقة في ولائنا، أرسل التنظيم، الوالي الذي كان علينا.. والي دمشق، «أبو اليمان».. و«أيضا تكلم بنفس الكلام، وهدَّدنا بأنه سيسجننا. ثم بعدها تم تفريقنا لأماكن مختلفة، وبشكل متعمد، وكأنه كانت هناك محاولة من قادة التنظيم لتخفيف حدة الانتقادات والمجادلات والتركيز على الاستمرار في القتال. المهم.. بعضٌ منا جرى إعادته إلى جبهة حلب، وبعض منا جرى إرساله إلى المرابطة في الصحراء على الحدود بين العراق وسوريا».
ويتابع قائلاً: أما الشيخ الذي كان معنا، الذي كنا قد قدمناه للرد على البنعلي، والقحطاني، فقد أبقوه وحيدًا في مدينة الرِّقة في مبنى السفارة (لم يفصح عن اسم هذه السفارة).. المهم، فيما بعد، انتقلنا، وذهبنا للعراق، فرأينا في العراق جنود الدولة (داعش) العراقيين، ولا أحد منهم ملمًا بمبادئ الشرع، ولا بموضوع الكفر بالطاغوت.. لا يعرفون سوى أن الرافضة (المقصود الشيعة) مرتدون.
وعن انطباعه حين وصل للقتال مع جنود «داعش» في العراق، يوضح «أبو هريرة»: «سبحان الله.. عندما سألناهم ألم تدخلوا في دورات للدروس الشرعية، قالوا لنا: لا.. إنما تأتي الدولة وتفتح (أي تحتل) منطقة من المناطق، وتفتح المجال للانتساب.. ومباشرة تحصل البيعة. حينئذ يعطونك سلاحًا لتقاتل وتجاهد، دون أي تعليم عن الدين أو أي شيء».
المهم، كما يضيف «أبو هريرة»: «جلسنا هنا وسط جنود الدولة (داعش).. كانوا كلهم شبانًا وصبية عراقيين. حاولنا أن نعلِّمهم قدر استطاعتنا، لكن الوقت لم يسعفنا.. بعدها، ورغم احتجاجنا على تضارب مواقف التنظيم، أخبرنا القادة أنه جرى عقد هدنة مع جبهة النصرة في منطقة البوكمال (مدينة سوريا على الحدود مع العراق) وأن الجبهة بايعت، وأن علينا - وكان من تبقى معي من مجموعتي يتكون من 18 مقاتلاً من ليبيا وسوريا وتونس والشيشان - أن نذهب إلى هناك لنر الوضع ونراقبه، وإذا وقع قتال مع الجيش الحر (التابع للمعارضة السورية) نقاتل».
كان الزمن قد مضى وسط عدم يقين من جانب «أبو هريرة» و«أبو شعيب» عن مستقبل العمل في صفوف «داعش» بينما لا توجد خطوط ثابتة لعمل التنظيم، سواء بشأن القاعدة أو الشيعة في العراق وسوريا، أو بخصوص التعامل مع الجيش السوري الحر والعشائر؛ نقاتلهم أم لا؟ وكيف؟ وما هي الحدود الفاصلة بين مقاتلتهم أو التعاون معهم. كانت التعليمات متضاربة.. فقد جرى قتل قيادات وعناصر محسوبة على هذه الفرق، ثم جاءت تعليمات جديدة فجأة بالتوقف عن مهاجمة هؤلاء أو أولئك، دون أي سبب. إذن هذا ليس تطبيقًا للشريعة، كما يزعم قادتنا، ولكنها سياسة.. وهذا أمر يقوم به الجميع في كل مكان، فلماذا إذن القتل والزعم بأننا نريد تطبيق شرع الله.
يقول «أبو هريرة»: حين طلبوا مني أخذ المجموعة والتوجه إلى مدينة «البوكمال»، للتعاون مع جبهة النصرة التي كنا نكفرها قبل أيام، قلت إنهم يضعونني ومجموعتي أمام الأمر الواقع. أيام الصيف طويلة والحر شديد والغبار يغطي مركباتنا ويسد أنوفنا. كانت أصداء أحاديث أمراء المناطق تصلنا ونحن متوجهون إلى تلك المدينة.. أحاديث تدور عن أن جبهة النصرة بايعت «دولة الخلافة» و«الخليفة البغدادي». قلت في نفسي إن هذا تحول مهم يعزز من مكانة دولتنا ويعد بمثابة انتصار لنا، بعد الاقتتال الذي كان بيننا في الأسابيع والشهور الماضية.
بعد ساعات، استقبل مندوب مما كان يعرف بـ«ولاية حمص» التابعة لـ«داعش» المقاتلين الـ18 المقبلين من العراق، ومن بينهم «أبو هريرة»، قرب الحدود، وقدم لهم ما يفيد بمبايعة جبهة النصر للتنظيم، وقال لهم إنهم في أمان، وأن «البوكمال» أصبحت مدينة تابعة لهم، بعد أن قدم قيادي في «النصرة» يدعى «أبو يوسف» البيعة لقيادي من «داعش» كان قد سبقهم إلى هنا، يدعى «أبو عمر الشيشاني».
يقول «أبو هريرة»: «على كل حال ذهبنا وجلسنا مع جنود جبهة النصرة، خائفين منهم، فقد كنا، كما قلت، 18 مقاتلاً فقط، بينما كان جنود النصرة نحو 150، هذا بالإضافة إلى أن جنود الجيش الحر كانوا قريبين من موقعنا. المهم كنا خائفين منهم خوفًا شديدًا. إذا كانت خدعة وإذا كانوا يفكرون في الانتقام منا، فسنهزم وننتهي.. نخشى نهارًا وليلاً من أن يهجموا علينا.. كنا ننام وأحزمتنا معنا. بعد يومين اجتمعنا مع جنود الجبهة وسألناهم: هل قامت الدولة (داعش) باستتابتكم؟ فقالوا لنا: لا.. لم تستتب أي منا. ولماذا نقدم الاستتابة للدولة؟».
كانت هذه الواقعة بمثابة صدمة جديدة يتعرض لها «أبو هريرة» ومجموعته، وطارت أخبارها إلى «أبو شعيب» الذي كان يرابط مع مجموعته في معسكر بالصحراء جنوب دير الزور.
هذا يعني أن مندوب «داعش» الذي استقبل مجموعة «أبو هريرة» على الحدود كان يكذب بخصوص الاستتابة، والبيانات التي صدرت عن التنظيم وجرى تعميمها على أمراء المناطق، وبالتالي على الجنود، بشأن مبايعة «النصرة»، لا تعكس ما يجري على الواقع. كان «أبو هريرة» يعتقد، مثل مجموعته، في كفر جبهة النصرة، وأن مبايعة الجبهة لـ«داعش» لا بد أن تقترن باستتابة جنودها.
ماذا فعل وكيف رد على جنود «النصرة»؟ يقول: «أجبناهم.. قلنا لهم إنكم كفار، وعليكم أن تتبرأوا من كفركم. فقالوا لنا: نحن بايعنا الدولة (داعش) فقط لحقن الدماء. صرنا نسألهم عن أمور دينهم فوجدناهم غير ملمين بالشرع مثل الصبية العراقيين. شعرنا بالخوف الشديد، وطلبنا مددًا من إخوتنا في الجبهات المجاورة لكي يأتوا بأسلحتهم ويبقوا معنا في البوكمال، حتى لا تغدر بنا جبهة النصرة التي كنا نشعر أن لها تواصلاً مع قادة من الجيش الحر. حين سألت أحد زعماء (النصرة) عن هذا الأمر قال لي إن الجيش الحر إخواننا، ولا نريد أن نقتتل».
ومع ذلك، كما يقول «أبو هريرة»، كان قائد «داعش» في شمال سوريا في ذلك الوقت، وهو «أبو عمر الشيشاني»، يشعر بما أصبحت عليه المجموعة من قلق بسبب قلة عددها بعد وصولها إلى البوكمال، فأمر بالاستجابة إلى طلبها ودفع بمقاتلين لتعزيزها.. «حتى زاد عددنا وأصبحنا 70 مقاتلاً».
ويوضح أحد التونسيين الثلاثة ممن كان مع مجموعة «أبو هريرة» أن الشيشاني، واسمه الحقيقي «ترخان بيترشفيلي»، كان يتفهم المشكلات التي نتعرض لها وقصة الخلافات الفقهية عن التعامل مع جبهة النصرة والعشائر والأسرى والغنائم، ولقاءاتنا مع «البنعلي» و«القحطاني»، إلا أنه، في المرة التي زارنا فيها على جبهة البوكمال، لم يشأ أن يفتح المجال للحديث حول هذه الأمور، خاصة في قضية عدم استتابة من يعلنون البيعة. دعانا فقط إلى الاطمئنان هنا، وأننا لن نتعرض لأذى لا من جبهة النصرة ولا من الجيش الحر، ومضى.
«الشيشاني» خلال تلك الزيارة، كان قد أعطى «الجيش الحر» مهلة يومين لكي يبايع «داعش»، وهو أمر لم يحدث أبدًا بطبيعة الحال. يقول «أبو هريرة»: المهم.. كانت الدولة في هذه المنطقة تحت قيادة الشيشاني، قد أعطت الجيش الحر مهلة يومين ليبايع.. لكنه لم يلتزم، ثم عاد وطلب مهلة أخرى، بينما كان يصله الدعم من جهات مختلفة.. ثم إن الدولة (داعش في شمال سوريا)، في حينها، أعطت الجيش الحر مهلة ثالثة.
ويتابع، وهو يشرح ما حدث بشكل مفاجئ. يقول: «استيقظنا.. ووجدنا الجيش الحر قد حاصرنا بنحو 1500 مقاتل من مناطق شعيطات والبوكمال، بينما نحن عندها كنا، كما قلت لك، 70 مقاتلاً فقط».
ويضيف: طلبنا دعمًا من جبهة النصرة التي بايعتنا قبل أيام، حيث كان عددهم، كما ذكرت، 150 مقاتلاً. لكن قادة «النصرة» قالوا لنا: نحن لن نقاتل معكم ولن نقاتل مع الجيش الحر، لأننا نريد حقن الدماء.. واستمرت المعركة ثلاثة أيام، لتبدأ بعدها فصول جديدة من الخلافات مع قادة التنظيم.



«خطة طوارئ» مصرية لإنقاذ غزة من الغرق عقب «منخفض جوي»

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

«خطة طوارئ» مصرية لإنقاذ غزة من الغرق عقب «منخفض جوي»

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

كثّفت «اللجنة المصرية» في قطاع غزة من تحركاتها الساعية للتخفيف من تداعيات «المنخفض الجوي» التي تسببت في غرق عدد كبير من الخيام، وتشريد الآلاف من الأسر التي تعيش وسط بنية تحتية دمرتها الحرب الإسرائيلية على القطاع، وفي ظل صعوبات تعترض عملية التعافي المبكر، وإعادة الأعمار إلى جانب عراقيل إدخال المساعدات الإنسانية.

وأعلنت «اللجنة المصرية»، مساء الجمعة، تفعيل خطة الطوارئ بمشاركة كوادرها الميدانية وآلياتها العاملة، استعداداً لمواجهة تداعيات «المنخفض الجوي»، وتضمنت الخطة فتح الطرق، وإزالة العوائق، وتوزيع الخيام على الأسر المتضررة والنازحة إلى جانب تدعيم وتثبيت الخيام القائمة، بما يسهم في الحد من آثار الأمطار والرياح وحماية العائلات الفلسطينية، وفق بيان صادر عن اللجنة.

وغرقت آلاف من خيام النازحين في قطاع غزة مع أول منخفض جوي تتعرض له المنطقة، حسبما أفادت مصادر فلسطينية رسمية وشهود عيان، السبت، وشهد القطاع الذي يقطنه ما يقرب من مليوني نسمة غالبيتهم يعيشون في مخيمات وخيام ومبانٍ سكنية متضررة سقوط أمطار غزيرة منذ الساعات الأولى من ليل الجمعة وحتى صباح السبت.

وقال المتحدث باسم «اللجنة المصرية» في قطاع غزة، محمد منصور، إن اللجنة فعلت بالشراكة مع المنظمات الأممية والإغاثية «خطة طوارئ» للتعامل مع تداعيات المنخفض الجوي العميق على قطاع غزة، مشيراً إلى أن الخطة تهدف للتدخل السريع بمشاركة آليات مختصة وصلت من مصر للتعامل مع الأمطار الغزيرة، وأن الفرق الميدانية باشرت تحركاتها في محافظات القطاع المختلفة، وتعمل على مدار الساعة للاستجابة للنداءات الإنسانية بعد تلقي آلاف الاستغاثات.

مساعدات مصرية تتدفق إلى غزة لإنقاذ الوضع الإنساني (اللجنة المصرية)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن «القطاع يفتقر إلى أدنى مقاومات الحياة والوضع أصبح مأساوياً، ونناشد العالم والمؤسسات الأممية والإنسانية لتكثيف جهود توفير الاحتياجات، وهناك 480 ألف عائلة في القطاع بحاجة إلى المساعدات العاجلة، وأن القطاع ينقصه الشوادر (المظلات) وبحاجة إلى بطانيّات وأحذية وملايس للأطفال».

وأشار إلى أن «اللجنة المصرية» قامت خلال الفترة الماضية بتجديد الخيام وبناء مخيمات كاملة لكن غزارة الأمطار واختلاطها بمياه الصرف الصحي جعلاها متهالكة وغير صالحة بعد أن غمرت أماكن سكن النازحين، موضحاً أن غزة بحاجة إلى إدخال معدات للتعامل مع الوضع القائم مع ضرورة تكاتف الجهود الإغاثية، وأن يلبي العالم النداء سريعاً بإيصال المساعدات إلى غزة.

وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، يُقدّر عدد الخيام التي تؤوي العائلات النازحة في مختلف أنحاء قطاع غزة بنحو 270 ألف خيمة. وقالت الوكالة إن هذه الخيام المؤقتة «مصنوعة من النايلون والقماش الرقيق»، وتفتقر إلى «أبسط مقومات الحماية من الأمطار والرياح والبرد القارس».

وأشار التقرير إلى أن أكثر من 400 ألف نازح يعيشون في «مواقع شديدة الخطورة، معرضة للفيضانات وتجمع مياه الأمطار، أو بالقرب من شاطئ البحر؛ ما يزيد من احتمالات تعرضهم لمخاطر المنخفضات الجوية والعواصف الشتوية»، في ظل «غياب الوقود وشح وسائل التدفئة».

بينما كشف تحالف «منظمات المجتمع المدني الفلسطيني» عن أن «مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة يستقبلون فصل الشتاء بلا مأوى في ظل الدمار الواسع ونقص مقومات الحماية»، موضحاً أن «الخيام التالفة وغياب وسائل التدفئة ونقص والملابس الشتوية يهدد حياة النازحين في غزة».

وحذر تحالف «منظمات المجتمع المدني الفلسطيني» من أن «مخاطر الغرق وانتشار الأمراض والأوبئة تتفاقم مع المنخفضات الجوية وضعف تصريف مياه الأمطار في غزة»، مشدداً على أن «ترك النازحين في غزة لمواجهة البرد والأمطار دون توفير احتياجات الإيواء والحماية يفاقم الأزمة الإنسانية».

وطالب التحالف بتوفير خيام مقاومة للأمطار والرياح واستبدال الخيام التالفة في قطاع غزة، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار وتهيئة مراكز الإيواء ومواقع النزوح في غزة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة في توفير المساعدات الشتوية.


الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.