شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

تخبط فتاوى التنظيم المتطرف في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح باب الخلافات والهزائم

TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

يواصل خمسة من المنشقين عن «داعش» من جنسيات سورية وليبية وتونسية، الإدلاء بشهاداتهم عن الأسباب والتفاصيل التي أدت إلى تخليهم عن القتال مع التنظيم المتطرف. واصطدم هؤلاء الشبان ومن كان معهم من مجموعات، بتوجهات وفتاوى دولة «الخلافة» المزعومة، بعد أشهر من التحاقهم بالقتال في سوريا والعراق، إلى أن قرّروا في نهاية المطاف، التوقف عن العمليات العسكرية والهروب بعد أن أصبحوا، هم أنفسهم، عرضة للقتل على يد التنظيم.
فرَّ «أبو هريرة» إلى بلدته في شمال ليبيا، قبل أن يواصل الهروب، بعد أن أهدر التنظيم المتطرف دمه، خصوصًا أن «داعش» له وجود في مدن مثل درنة وسرت وصبراتة في ليبيا. كما فرَّ «أبو شعيب» تاركًا بلدته، دير الزور، إلى تركيا. ويعيش هناك متخفيًا. بينما يفيد الوسطاء الذين قاموا بتأمين الردود التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أن التونسيين الثلاثة يعيشون في بلداتهم الأصلية في جنوب البلاد.
وفي هذه الحلقة يتذكر «أبو شعيب» ما وقع من أحداث مرعبة في تلك الليلة حين جاء مع «أبو هريرة» و«الإخوة التونسيين» وعدد من زملائهم المقاتلين، لكي ينظر تركي البنعلي، رئيس جهاز الحسبة في «داعش»، في الخلافات التي تتزايد بشأن سرعة تغيير التنظيم لمواقفه بينما الحرب تجري على الأرض.
الوقوف أمام المنظر الشرعي «تركي البنعلي» يُعد من المسائل الخطرة، فهو، وفقًا لأحد التونسيين الثلاثة، صموت وهدوء لكنه لا يتسامح في القضايا التي تمس أوامر «البغدادي» حتى من قبل أن يتولى رئاسة جهاز الحسبة.. «البنعلي» خطيب مفوَّه أيضًا، فقد سبق له، منذ عام 2005 ولعدة سنوات، التنقل بين كثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا، لتلقي الدروس على يد دعاة متطرفين أو إعطاء دروس للشبان الذين تعم بلادهم فوضى «الربيع العربي».
كان «البنعلي»، قبل ظهور الخلافة المزعومة، من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة. ويقول التونسي إنه غيَّر موقفه إلى العداء ضد القاعدة، لمصلحة «داعش»، ثم بدأ يطلب منا مهادنة القاعدة والمنتمين إليها. وبعدها، عرفنا أن هناك تواصلًا وصداقة ومعاملات طيبة لنفس الجهات التي كان قبل يوم أو اثنين يطلب منا مقاتلتها لأنها إما كافرة أو مرتدة أو أنصار للطواغيت.
يقول «أبو شعيب»: في هذه الأمسية قلنا لا بد أن نعرف ما يجري بالضبط من «البنعلي» وليحدث ما يحدث.. رغم أننا نعلم أنه لم يسبق لهذا الرجل أن تحمل الجدل والمناقشة. كانت له شهرة وصيت في «داعش»، بسبب تعصبه في موالاته لـ«البغدادي» ونشاطه في ضم شبان عرب وأجانب للقتال في صفوف التنظيم، واقتران اسمه بمفاوضات إطلاق سراح عامل الإغاثة الأميركي، بيتر كاسيغ، الذي جرى ذبحه فيما بعد.
ويضيف أحد التونسيين المنشقين أن المشكلة في الأساس داخل التنظيم قد ترجع أسبابها إلى أكثر من سنة مضت، حين أعلن الظواهري الفصل بين «العراق والشام» بحيث تكون العراق تحت ولاية «البغدادي» باسم «دولة العراق الإسلامية» والشام (سوريا) تحت ولاية جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. هنا انحاز «البنعلي»، قبل حتى أن يصل إلى سوريا ومن ثم العراق، إلى موقف «البغدادي» الرافض لهذا الفصل متمسكًا باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
«أبو هريرة» يوضح أنه، حين كان يقف مع مجموعته والمتخاصمين معها في قضية تنظيم القاعدة، بين يدي «البنعلي»، تذكَّر أن موقفه، في الحقيقة، أفضل من موقف هذا الشاب البحريني المجرد من جنسية بلاده، لأنه؛ أي «أبو هريرة»، دخل جبهة الحرب قبل أن يعرفها «البنعلي»، وخاض معارك وتعرض لخطر القتل أكثر من مرة قرب الرِّقة وفي دير الزور والبوكمال والموصل.
«أبو هريرة» الذي انقطع عن دراسة الطب في بلاده، رغم أنه كان على وشك التخرج، نشأ في مدينة بنغازي، والده يحمل رتبة رائد سابق في الجيش الليبي. وبعد سقوط نظام معمر القذافي، التحق بتنظيم أنصار الشريعة في المدينة التي أصبحت معقلاً للمتطرفين. سافر من هناك، مع مجموعة من الشبان الليبيين، إلى تونس. وعقب تلقيه دروسًا دينية وتدريبات جديدة على القنص، جرى ترتيب سفره، مع التونسيين الثلاثة، إلى سوريا عبر تركيا.
مرَّ شريط الرحلة من «بنغازي» حتى «الرِّقة» في ذهن «أبو هريرة» وهو يستعد للمواجهة مع «البنعلي». ويبدو أن هذا الشاب الليبي لم يشأ أن يضع نفسه كرأس حربة في المناقشة، فقدم أحد زملائه من طلاب العلم الذين معه، ويطلق عليه «شيخنا» على أساس أنه مختص بهذا الفرع من الجدل. ويبدو أن «أبو شعيب» فهم الأمر.
يقول «أبو شعيب»: «كنت أرى غضبًا وشرًا مستطيرًا في عيني البنعلي.. كان يمد يده ويشدّ العمامة البيضاء التي يغطي بها رأسه، وكأنه يريد أن يبعد الضوء عن تعبيرات وجهه الغاضبة حتى لا نراها.. كنت أريد أن أفرَّ من أمامه، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في تلك اللحظة؛ ليل وطرق الهروب ملغمة بالأعداء. ثم كيف أتخلى عن أميري وإخوتي الذين يشاطرونني الرأي نفسه».
وعمّا جرى بعد ذلك، يوضح «أبو هريرة» قائلاً: «في البداية؛ أي حين دخلنا عليه.. سلّمنا، وقدّمنا طالب العلم الذي كان معنا لمناقشته. وبعد قليل كان الحديث يجري ونحن نراقب.. قام شيخنا (لم يذكر اسمه) بالتأصيل الفقهي الذي يقول إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي أمور التوحيد مطلقًا، وأن العاذر كافر من دون بيِّنة، وأن هذا ما وجدنا عليه التنظيم حين التحقنا به، وأنه لا توجد أسباب لتغيير الموقف، وإلا أصبح التنظيم مثله مثل التنظيمات الأخرى، وبالتالي لا يحق له أن يحتكر تفسير الإسلام حسب الظروف. هنا اعترض البنعلي، واختلف معنا في الأصل، فقال: نحن لا نعذِّر بالجهل في الشرك الأكبر، ولكننا لا نكفر العاذر بالجهل».
استمر الحوار على هذه الشاكلة. يضيف «أبو هريرة»: «كان شيخنا ولله الحمد، وهو يرد على البنعلي، متمكنًا ملمًا بالأدلة، فكان البنعلي يصمت قليلاً ثم يقول: ما رأيكم بأحمد بن حنبل؟ هو لم يكفر المأمون. قلنا: وما أدراك؟ فأحمد بن حنبل قال إن من قال بخلق القرآن كافر، ومن لم يكفره كافر. ثم صار البنعلي يسأل من جديد: ما رأيكم بابن عربي وبالذي لا يكفره؟.«
يقول «أبو شعيب» إن عددًا من مساعدي «البنعلي» انبروا في استعادة وقائع تاريخية بعضها يعود لعام 218 للهجرة عن الخلافات التي نشبت وقتذاك بين الخليفة المأمون وابن حنبل بشأن القول بخلق القرآن واعتراض ابن حنبل على هذا. كما تطرقت المناقشات إلى موقف الشيخ الأندلسي، محيي الدين بن عربي، ذي التوجهات الصوفية، إلى مسألة التكفير، قبل وفاته في دمشق سنة 638 للهجرة. ويقول إنه لاحظ وجود خلط، من جانب جماعة البنعلي، بين ابن عربي هذا، وأبو بكر بن العربي، الذي له كتابات قديمة عن العاذر بالجهل، والمتوفي سنة 543 للهجرة في المغرب.
ويضيف أنه حين أراد أن يعترض على هذا الاسترسال في وقائع قديمة بطريقة فيها خلط ولبس وأخطاء، أشار له عدد من مساعدي «البنعلي» بالتزام الصمت حتى ينتهي من حديثه الذي تطرق فيه أيضًا لشيوخ آخرين من بينهم فخر الدين الرازي، المشهور بالرد على أفكار المعتزلة، والمتوفي في أفغانستان عام 606 للهجرة.
مثل هذا التخبط وما لدى أتباع «البنعلي» وغيرهم من خلفيات ضبابية عن فتاوى فقهاء التراث والخلط بين أقوال الشيوخ القدامى وتضارب التعليمات في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الخلافات والهزائم. وبدا أن «أبو شعيب» امتلأ بالغضب والغيظ من تشعب الأسانيد التاريخية بهذه الطريقة وعدم وضوح الرؤية تجاه الواقع القتالي المتأزم على الأرض، أو وجود تحديد دقيق للخصوم والأصدقاء بشكل يجعل المحاربين يعرفون أين يوجهوا مواسير البنادق. يقول إنه نظر إلى وجوه مجموعته ووجد أنهم هم أيضا مستاءون من سير المناقشات مع «البنعلي» ومساعديه.
هنا رد «أبو شعيب» بنفاذ صبر وبطريقة كانت تحمل كثيرًا من المعاني، موضحًا: «قلنا له نحن لا نعرف من هو ابن عربي، أو ابن العربي، ولا نعرف من هو الرازي». وبدأ فصل جديد من العلاقة بين مقاتلي التنظيم.
من جانبه، يقول «أبو هريرة»: المهم استمر حوارنا مع البنعلي لفترة ساعتين ونصف الساعة.. طبعًا كنا نسجل الحوار.. المهم، شيخنا قمع البنعلي ودحض حججه، وأسكت لسانه، فخرج مُكَبًا على وجهه.. وقلنا إن هذا مؤشر خطر جديد على حياتنا.. المهم، ورغم ما حدث خلال الجدل، إلا أنه، بعد هذا النقاش، رجع بعض الأشخاص عن تكفير العاذر، ربما خوفًا من انتقام التنظيم منهم. ففي ذلك الوقت كان كثير من الإخوة من المقاتلين يعانون الأمرَّين في سجون «داعش» بسبب خلافات من هذا النوع، مثل قتل الشيعة حتى لو لم يحملوا السلاح ضد الخلافة.
في اليوم الثاني - يواصل «أبو هريرة» - أتانا أبو بكر القحطاني (قيادي آخر في داعش) وناقشنا أيضا.. و«أيضا خرج دونما نتيجة، لكنه قبل خروجه قال لنا كلامًا متناقضًا: كل من أراد تكفير الظواهري والعاذر فليس مشكلة، ومن لم يكفر العاذر والظواهري ليس مشكلة أيضًا، ولا تلزموا بعضكم بأقوالكم، فإن المسألة يسع فيها الخلاف»، لكن القحطاني، بعد قليل عاد وتحدث مجددًا بطريقة فيها تهديد لنا، وكان أكثر حدة من السابق. وقال: «أي أحد يكفر الظواهري ويكفر العاذر بالجهل فسوف يسجن ويعاقب بأشد العقوبات».
يبدو أن «القحطاني» يحظى بمكانة رفيعة داخل القيادة العليا للتنظيم (وغير معروف ما إذا كان ما زال في «داعش» أم تركها، أو إن كان على قيد الحياة). لكن كان معلومًا، وهو يرد على «أبو هريرة» ومجموعته، أنه ذو سياسة مرنة إلى حد ما في حل المشكلات التي تعترض عناصر التنظيم، على عكس «البنعلي» الصارم.
بيد أنَّ «أبو شعيب» يزيد موضحًا أن اختتام القحطاني بتهديد المخالفين بالسجن، والمعاقبة بأشد العقوبات، ترك المناقشات بشأن الموقف من الظواهري وغيرها من قضايا، معلقة دون حل.. «كنا نريد أن نعرف ماذا يجري.. ما سبب صدور رسالة من الخليفة عن عدم تكفير القاعدة. لماذا الخوف من المناظرات.. لم نتلقَ إجابة. فقط كان التشديد على ضرورة السمع والطاعة للخليفة وما يصدر عنه».
في الأيام التالية، بدا أن المجموعات القتالية التي كانت تعود من المواجهات في ريف دمشق وفي حلب، إلى مقر التنظيم في مدينة الرِّقة، تنحاز في شكوكها إلى وجهة نظر المقاتلين والفقهاء الصغار مثل «أبو هريرة» و«أبو شعيب». كما كان جواسيس «البنعلي» و«القحطاني» يقدمون معلومات مقلقة عن تراجع ثقة كثير من المحاربين في «الخليفة».
ربما لهذا السبب جرت محاولة لتعزيز الموقف بإرسال أحد المقربين من مقاتلي «داعش» على الجبهة السورية، وكان يحمل مرتبة «والي دمشق» في ذلك الوقت، ويقول «أبو هريرة» إن اسم هذا الوالي «أبو اليمان الأردني».
ويضيف أنه مع الشعور بتزعزع الثقة في ولائنا، أرسل التنظيم، الوالي الذي كان علينا.. والي دمشق، «أبو اليمان».. و«أيضا تكلم بنفس الكلام، وهدَّدنا بأنه سيسجننا. ثم بعدها تم تفريقنا لأماكن مختلفة، وبشكل متعمد، وكأنه كانت هناك محاولة من قادة التنظيم لتخفيف حدة الانتقادات والمجادلات والتركيز على الاستمرار في القتال. المهم.. بعضٌ منا جرى إعادته إلى جبهة حلب، وبعض منا جرى إرساله إلى المرابطة في الصحراء على الحدود بين العراق وسوريا».
ويتابع قائلاً: أما الشيخ الذي كان معنا، الذي كنا قد قدمناه للرد على البنعلي، والقحطاني، فقد أبقوه وحيدًا في مدينة الرِّقة في مبنى السفارة (لم يفصح عن اسم هذه السفارة).. المهم، فيما بعد، انتقلنا، وذهبنا للعراق، فرأينا في العراق جنود الدولة (داعش) العراقيين، ولا أحد منهم ملمًا بمبادئ الشرع، ولا بموضوع الكفر بالطاغوت.. لا يعرفون سوى أن الرافضة (المقصود الشيعة) مرتدون.
وعن انطباعه حين وصل للقتال مع جنود «داعش» في العراق، يوضح «أبو هريرة»: «سبحان الله.. عندما سألناهم ألم تدخلوا في دورات للدروس الشرعية، قالوا لنا: لا.. إنما تأتي الدولة وتفتح (أي تحتل) منطقة من المناطق، وتفتح المجال للانتساب.. ومباشرة تحصل البيعة. حينئذ يعطونك سلاحًا لتقاتل وتجاهد، دون أي تعليم عن الدين أو أي شيء».
المهم، كما يضيف «أبو هريرة»: «جلسنا هنا وسط جنود الدولة (داعش).. كانوا كلهم شبانًا وصبية عراقيين. حاولنا أن نعلِّمهم قدر استطاعتنا، لكن الوقت لم يسعفنا.. بعدها، ورغم احتجاجنا على تضارب مواقف التنظيم، أخبرنا القادة أنه جرى عقد هدنة مع جبهة النصرة في منطقة البوكمال (مدينة سوريا على الحدود مع العراق) وأن الجبهة بايعت، وأن علينا - وكان من تبقى معي من مجموعتي يتكون من 18 مقاتلاً من ليبيا وسوريا وتونس والشيشان - أن نذهب إلى هناك لنر الوضع ونراقبه، وإذا وقع قتال مع الجيش الحر (التابع للمعارضة السورية) نقاتل».
كان الزمن قد مضى وسط عدم يقين من جانب «أبو هريرة» و«أبو شعيب» عن مستقبل العمل في صفوف «داعش» بينما لا توجد خطوط ثابتة لعمل التنظيم، سواء بشأن القاعدة أو الشيعة في العراق وسوريا، أو بخصوص التعامل مع الجيش السوري الحر والعشائر؛ نقاتلهم أم لا؟ وكيف؟ وما هي الحدود الفاصلة بين مقاتلتهم أو التعاون معهم. كانت التعليمات متضاربة.. فقد جرى قتل قيادات وعناصر محسوبة على هذه الفرق، ثم جاءت تعليمات جديدة فجأة بالتوقف عن مهاجمة هؤلاء أو أولئك، دون أي سبب. إذن هذا ليس تطبيقًا للشريعة، كما يزعم قادتنا، ولكنها سياسة.. وهذا أمر يقوم به الجميع في كل مكان، فلماذا إذن القتل والزعم بأننا نريد تطبيق شرع الله.
يقول «أبو هريرة»: حين طلبوا مني أخذ المجموعة والتوجه إلى مدينة «البوكمال»، للتعاون مع جبهة النصرة التي كنا نكفرها قبل أيام، قلت إنهم يضعونني ومجموعتي أمام الأمر الواقع. أيام الصيف طويلة والحر شديد والغبار يغطي مركباتنا ويسد أنوفنا. كانت أصداء أحاديث أمراء المناطق تصلنا ونحن متوجهون إلى تلك المدينة.. أحاديث تدور عن أن جبهة النصرة بايعت «دولة الخلافة» و«الخليفة البغدادي». قلت في نفسي إن هذا تحول مهم يعزز من مكانة دولتنا ويعد بمثابة انتصار لنا، بعد الاقتتال الذي كان بيننا في الأسابيع والشهور الماضية.
بعد ساعات، استقبل مندوب مما كان يعرف بـ«ولاية حمص» التابعة لـ«داعش» المقاتلين الـ18 المقبلين من العراق، ومن بينهم «أبو هريرة»، قرب الحدود، وقدم لهم ما يفيد بمبايعة جبهة النصر للتنظيم، وقال لهم إنهم في أمان، وأن «البوكمال» أصبحت مدينة تابعة لهم، بعد أن قدم قيادي في «النصرة» يدعى «أبو يوسف» البيعة لقيادي من «داعش» كان قد سبقهم إلى هنا، يدعى «أبو عمر الشيشاني».
يقول «أبو هريرة»: «على كل حال ذهبنا وجلسنا مع جنود جبهة النصرة، خائفين منهم، فقد كنا، كما قلت، 18 مقاتلاً فقط، بينما كان جنود النصرة نحو 150، هذا بالإضافة إلى أن جنود الجيش الحر كانوا قريبين من موقعنا. المهم كنا خائفين منهم خوفًا شديدًا. إذا كانت خدعة وإذا كانوا يفكرون في الانتقام منا، فسنهزم وننتهي.. نخشى نهارًا وليلاً من أن يهجموا علينا.. كنا ننام وأحزمتنا معنا. بعد يومين اجتمعنا مع جنود الجبهة وسألناهم: هل قامت الدولة (داعش) باستتابتكم؟ فقالوا لنا: لا.. لم تستتب أي منا. ولماذا نقدم الاستتابة للدولة؟».
كانت هذه الواقعة بمثابة صدمة جديدة يتعرض لها «أبو هريرة» ومجموعته، وطارت أخبارها إلى «أبو شعيب» الذي كان يرابط مع مجموعته في معسكر بالصحراء جنوب دير الزور.
هذا يعني أن مندوب «داعش» الذي استقبل مجموعة «أبو هريرة» على الحدود كان يكذب بخصوص الاستتابة، والبيانات التي صدرت عن التنظيم وجرى تعميمها على أمراء المناطق، وبالتالي على الجنود، بشأن مبايعة «النصرة»، لا تعكس ما يجري على الواقع. كان «أبو هريرة» يعتقد، مثل مجموعته، في كفر جبهة النصرة، وأن مبايعة الجبهة لـ«داعش» لا بد أن تقترن باستتابة جنودها.
ماذا فعل وكيف رد على جنود «النصرة»؟ يقول: «أجبناهم.. قلنا لهم إنكم كفار، وعليكم أن تتبرأوا من كفركم. فقالوا لنا: نحن بايعنا الدولة (داعش) فقط لحقن الدماء. صرنا نسألهم عن أمور دينهم فوجدناهم غير ملمين بالشرع مثل الصبية العراقيين. شعرنا بالخوف الشديد، وطلبنا مددًا من إخوتنا في الجبهات المجاورة لكي يأتوا بأسلحتهم ويبقوا معنا في البوكمال، حتى لا تغدر بنا جبهة النصرة التي كنا نشعر أن لها تواصلاً مع قادة من الجيش الحر. حين سألت أحد زعماء (النصرة) عن هذا الأمر قال لي إن الجيش الحر إخواننا، ولا نريد أن نقتتل».
ومع ذلك، كما يقول «أبو هريرة»، كان قائد «داعش» في شمال سوريا في ذلك الوقت، وهو «أبو عمر الشيشاني»، يشعر بما أصبحت عليه المجموعة من قلق بسبب قلة عددها بعد وصولها إلى البوكمال، فأمر بالاستجابة إلى طلبها ودفع بمقاتلين لتعزيزها.. «حتى زاد عددنا وأصبحنا 70 مقاتلاً».
ويوضح أحد التونسيين الثلاثة ممن كان مع مجموعة «أبو هريرة» أن الشيشاني، واسمه الحقيقي «ترخان بيترشفيلي»، كان يتفهم المشكلات التي نتعرض لها وقصة الخلافات الفقهية عن التعامل مع جبهة النصرة والعشائر والأسرى والغنائم، ولقاءاتنا مع «البنعلي» و«القحطاني»، إلا أنه، في المرة التي زارنا فيها على جبهة البوكمال، لم يشأ أن يفتح المجال للحديث حول هذه الأمور، خاصة في قضية عدم استتابة من يعلنون البيعة. دعانا فقط إلى الاطمئنان هنا، وأننا لن نتعرض لأذى لا من جبهة النصرة ولا من الجيش الحر، ومضى.
«الشيشاني» خلال تلك الزيارة، كان قد أعطى «الجيش الحر» مهلة يومين لكي يبايع «داعش»، وهو أمر لم يحدث أبدًا بطبيعة الحال. يقول «أبو هريرة»: المهم.. كانت الدولة في هذه المنطقة تحت قيادة الشيشاني، قد أعطت الجيش الحر مهلة يومين ليبايع.. لكنه لم يلتزم، ثم عاد وطلب مهلة أخرى، بينما كان يصله الدعم من جهات مختلفة.. ثم إن الدولة (داعش في شمال سوريا)، في حينها، أعطت الجيش الحر مهلة ثالثة.
ويتابع، وهو يشرح ما حدث بشكل مفاجئ. يقول: «استيقظنا.. ووجدنا الجيش الحر قد حاصرنا بنحو 1500 مقاتل من مناطق شعيطات والبوكمال، بينما نحن عندها كنا، كما قلت لك، 70 مقاتلاً فقط».
ويضيف: طلبنا دعمًا من جبهة النصرة التي بايعتنا قبل أيام، حيث كان عددهم، كما ذكرت، 150 مقاتلاً. لكن قادة «النصرة» قالوا لنا: نحن لن نقاتل معكم ولن نقاتل مع الجيش الحر، لأننا نريد حقن الدماء.. واستمرت المعركة ثلاثة أيام، لتبدأ بعدها فصول جديدة من الخلافات مع قادة التنظيم.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.