نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

ذكريات الوزير الحالي مع الوزير السابق

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل
TT

نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل

وترجّل الفارس عن صهوة جواده..
وصفوه بفارس السياسة، وبطل الدبلوماسية..
ونعتوه بحكيم السياسة، وفقيه الدبلوماسية..
سموه قيثارة السياسة وأنشودة الدبلوماسية..
ولكني أعلم علم اليقين أن الأمير سعود الفيصل لا يحب مثل هذه التسميات، ولا يرتاح إلى مثل هذه النعوت، وينفر من مثل هذه الصفات، ودليلي على ذلك - إن كانت هناك حاجة لدليل - ما حدث ذات مرة حينما اطلع على مقال كتبه أحد الكتّاب في صحيفة من صحفنا المحلية تضمن الكثير من المديح والإطراء لسموه وللأعمال التي يقوم بها، أحال الأمير المقال لي مع هذه العبارة اللافتة: «لشكره على أي حال، ولو أنه مبالغ، والمبالغ في المديح كالذي يذم»، ولعل هذا ما يدفعني إلى عدم الخوض في قضية الأوصاف والنعوت، وذلك لأن لي مع الأمير سعود قصة طويلة أود أن أحكي بعض فصولها، ورواية شيقة أرغب في أن أسرد مقتطفات منها وأنا في صدد الحديث عن المشاعر التي انتابتني بعد علمي برغبته في إعفائه من منصبه.
بدأت فصول هذه القصة وأحداث هذه الرواية في عام 1973م وكنت آنذاك قائما بالأعمال بالنيابة في السفارة السعودية بواشنطن حين وصل إليها وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الشيخ أحمد زكي يماني حاملا رسالة عاجلة للحكومة الأميركية، وكان يرافقه الأمير سعود الفيصل بصفته وكيلا لوزارة البترول والثروة المعدنية، كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أقابل فيها الأمير سعود حيث حضرت الاجتماع الذي تم فيه إبلاغ الرسالة لوزير الخارجية آنذاك ويليام روجرز، وأذكر جيدا أنه كان مما استرعى انتباهي أن مشاركة الأمير سعود في ذلك الاجتماع كانت فاعلة بشكل ملحوظ، حيث كانت له مداخلات وتعليقات قوية ومؤثرة، ولكن لم يخطر على بالي ولو لثوان معدودة، أن هذا الأمير الذي أراه لأول مرة سيصبح بعد ذلك بعامين فقط وزيرا للخارجية، وأنه سيقدر لي بعدها بأعوام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة أن أعمل معه لمدة سوف تشارف ستة وثلاثين عاما.
بعد ذلك أتيحت لي فرصة أخرى للتعرف على الأمير سعود الفيصل عن كثب بعد أن تم تعيينه وزيرا للخارجية في عام 1975م وقدم إلى واشنطن في زيارة رسمية لتسليم رسالة من المغفور له الملك خالد بن عبد العزيز إلى الرئيس الأميركي جيرالد فورد، حيث ساهمت، وبتوجيهات من سفير المملكة في واشنطن آنذاك الشيخ علي عبد الله علي رضا - رحمه الله - في الترتيب والإعداد لزيارة الأمير سعود، وكانت تلك الزيارة هي المدخل الذي قادني، وبعد عودتي إلى المملكة في بداية عام 1979م، إلى العمل في مكتبه بالوزارة بجدة.
في اليوم الأول الذي بدأت فيه العمل في المكتب، أُبلغت بأن الوزير يرغب في مقابلتي، شعرت في البداية بشيء من الهيبة والرهبة وأنا أدلف بخطى متثاقلة إلى داخل مكتبه، ولكن حسن الاستقبال والبشاشة والتواضع الجم الذي لمسته من الأمير سعود في بداية المقابلة بدد كثيرا من تلك الرهبة، وأحل مكانهما شعورا خافتا في البداية ومتناميا بعد ذلك بالاطمئنان والارتياح.
كان الأمير سعود كعادته التي ميزت شخصيته وتعامله مع الموظفين - وغير الموظفين - والتي ألفتها منذ ذلك الحين.. واضحا في رؤيته، دقيقا في عباراته، موجزا في كلامه، سلسا في عرضه. لم يخطر على بالي على الإطلاق أن تلك المقابلة مع الأمير سعود ستكون بداية علاقة عمل مع هذا الرجل قدر الله لها أن تدوم كل هذه المدة الطويلة، وإن تعجب - أيها القارئ الكريم - فعجب أن أقول لك إنني لم أسمع منه في يوم من الأيام في خلالها أي عبارة تنبئ باللوم، أو توحي بالتقريع، ولم أر منه أي تصرف يعبر عن السخط، أو ينم عن عدم الرضاء، ولم ألحظ منه أي إشارة تدل على التبرم، أو توحي بالضيق، أو تكشف عن التذمر، وأن أقول لك أيضا، إنني من جانبي قد قدمت في سبيل المحافظة على صفاء ونقاء وبهاء تلك العلاقة زهرة شبابي وعصارة فكري، مع كل ما أملك من جهد وعطاء، وكل ما أدخر من إخلاص ووفاء، وكل ما أستطيع من تضحية وإيثار.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير سعود كان دائما هو القوة المحركة والدافعة وراء كل خطاب يلقيه في المحافل الدولية، وكذلك في المناسبات التي تتخلل الزيارات الرسمية التي يقوم بها للدول، والمناسبات العلمية والأكاديمية التي يدعى إلى المشاركة فيها، وهو - إن صح التعبير - المهندس والمصمم والمشرف على مشروع بناء الخطاب، كان يتابع وبدقة متناهية كل صغيرة وكبيرة منذ مسودة الخطاب الأولى وحتى لحظة إلقائه، وكان يضيف ويحذف ويستبدل في فقرات الخطاب ومواده ما شاء الله له أن يضيف ويحذف ويستبدل.
كان في كل مرة يستمع إلى فكرة جذابة أو ملاحظة وجيهة يضيفها أو يشير إليها، بدافع من حرصه الشديد على أن يعكس الخطاب في نهاية المطاف آخر التطورات وأحدث المستجدات وأجدى الأفكار وأنجح الحلول وأفضل التعبيرات والأساليب المتاحة والممكنة.
بل إن الأمر يصل به في بعض الأحيان إلى حد إجراء تعديلات حتى في اللحظات الحرجة الأخيرة، وبعد أن تتم طباعة الخطاب في صورته النهائية.
ولن أنسى ما حييت الكثير من اللحظات العصيبة والأوقات الحرجة، منها ما حدث في أحد الاجتماعات، وكنت جالسا خلفه في قاعة الاجتماع أتابع الخطابات التي تلقى، إلى أن جاء دور المتحدث الذي كان من المفروض أن يلقي الأمير سعود خطابه بعده مباشرة، حيث فوجئت بالأمير وهو يلتفت نحوي ويهمس في أذني متسائلا عما إذا كنت قد تابعت أو لاحظت ما قاله المتحدث في فقرة معينة من فقرات خطابه، ولحسن حظي أنني كنت متابعا لخطاب المتحدث، ولم أكن مسترخيا شارد الذهن ظانا بأن مهمتي قد انتهت، وأنه لم يعد هناك ما يدعو إلى الانتباه أو التركيز، فلما أجبته بالإيجاب قرر إضافة تعليق مناسب على ما قاله المتحدث. وحين فرغ الأمير من إلقاء خطابه كان لا بد أن يستولي على إعجاب الحضور ويحظى بثنائهم وإطرائهم لأنه جاء مواكبا لأحدث التطورات وآخر المستجدات، بما في ذلك ما تضمنه خطاب المتحدث الذي سبقه، والذي لم تمض على إلقائه سوى دقائق معدودات.
لقد أتاحت لي المدة الطويلة من العمل بمعية الأمير سعود، والجلوس إليه، والسفر معه، والقرب منه فرصة ربما لم تتح لغيري للتعرف على جوانب شخصيته، وأسلوبه في العمل، وأفكاره ورؤاه السياسية والاستراتيجية، مما أستطيع معه أن أدعي أنني قد أحطت بما لم يحط به غيري، وجئتك - أيها القارئ الكريم - عنه بنبأ يقين. (وسأكتفي في هذه العجالة بالجوانب المتعلقة بشخصيته، وأرجئ الحديث عن الجوانب الخاصة بأفكاره ورؤاه السياسية إلى فرصة أخرى أرجو أن تسنح في المستقبل القريب إن شاء الله).
لا أعرف كيف ومن أين أبدأ محاولتي فتح مغاليق شخصية الأمير سعود الفيصل، ولكن سؤالا وجهه إليّ أحد الزملاء منذ أمد بعيد قد يمثل مدخلا مناسبا للولوج منه إلى رحاب هذه الشخصية الفذة. سألني السائل: «كيف يتسنى لي أن أحظى بثقة الأمير، مع كل ما عرف عنه من دهاء شديد وقوة شخصية؟». جاءت إجابتي سريعة ودون تفكير، قلت له: إن هذا الرجل يتمتع بذكاء حاد متوقد، فهو يكتشف ما تريد أن تقوله قبل أن يفصح عنه لسانك ويفهم ما يدور في خاطرك قبل أن تنبس به شفتاك، لذلك لا تحاول أبدا أن تتحاذق، ولا تجرب مطلقا أن تتذاكى أو أن تلجأ إلى اللف والدوران أو التلاعب، بل كن في تعاملك معه صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح، أمينا كل الأمانة، وصادقا كل الصدق، فهو يملك قدرة عجيبة على سبر غور أهدافك حتى قبل أن تفصح عن مرادك، وعلى توقع نياتك من نظرات عينيك وطريقة حديثك وأسلوب كلامك. لم أقل ما قلته للسائل عن إيمان واقتناع كامل بصحته وحقيقته فحسب، بل عن تجربة وممارسة في التعاطي معه ورؤيته وهو يتعامل مع أصناف متعددة من البشر بأسلوب يتفق مع شخصية كل صنف، ويتوافق مع أهدافه وأغراضه ومراميه.
ما قلته للسائل عن شخصية الأمير سعود، لم يكن يمثل في الواقع سوى جزئية بسيطة من منظومة متكاملة تجلت فيها السمات والصفات والخصال التي حباه الله بها، والتي تمكنت من سبر أغوارها خلال سنين طويلة من القرب منه والعمل معه، منها ما لمسته فيه منذ البداية من قدرة فائقة على ضبط النفس والتحكم في المشاعر.. كنت ألاحظ دائما قدرته العجيبة على السيطرة على أعصابه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، فسواء أكان في قمة الغضب أم في منتهى الرضا، وسواء أكان في أقصى حالات التعب والإنهاك، أم في منتهى الراحة والسكينة، فإنك لا تجد أن طبقته الصوتية قد تغيرت، أو أن ملامح وقسمات وجهه قد تبدلت، أو أن تحكمه في ألفاظه وعباراته قد تأثر.
يرتبط بهذه الخصلة جانب آخر يتمثل في قدرته اللافتة للانتباه على امتصاص مشاعر الموظف الذي يأتي لمقابلته وهو في أعلى حالات التوتر أو الإحباط أو القلق.
أقول هذا من واقع تجارب شخصية مرت بي خلال المدة الطويلة التي عملت فيها معه. فكم من مرة دخلت مكتبه وأنا مثقل بالضغوط التي يتعرض لها الموظف عادة، أو المشكلات والعقبات التي تعترض طريقه، أو واقع تحت تأثير بعض الحالات النفسية التي تمر على الإنسان فتجعله يشعر بالإحباط، أو التوتر، أو حتى الغضب، ولكن ما إن يبدأ الحديث معه إلا وأشعر بأن كل تلك الأحاسيس قد تبددت وحل محلها نقيضها.
والأهم من ذلك كله، هو أن الصورة التي أحاول في هذه السطور القليلة أن أرسمها لشخصية الأمير سعود لا تقتصر على هذه الجوانب، بل تتعداها إلى خصلتين أو سمتين أخريين تفسران - إذا أضفناهما إلى ما سبقت الإشارة إليه من سجايا وصفات - النجاح الكبير الذي استطاع أن يحققه في مجال عمله وفي حياته بصفة عامة.
تتجلى السمة الأولى في العقلية الاستراتيجية والفكر التكتيكي الذي يتمتع به، مع ما يترتب على ذلك ويؤدي إليه من وضوح تام في الرؤية، وقدرة كبيرة على تنفيذ ما يقتنع ويؤمن به، أو ما يسعى إلى تحقيقه من أهداف وغايات مهما كانت درجة المصاعب التي تعترضه أو العقبات التي تحول دون تمكنه من تحقيقها.
كثيرة كانت هي المناسبات التي شهدت فيها بنفسي تجليات تلك العقلية وذلك الفكر، شاهدت تلك التجليات وتابعتها في المحادثات والمفاوضات التي كان يجريها مع قادة الدول ورؤساء الوزارات ونظرائه من وزراء الخارجية. كنت أرى بأم عيني دهاقنة وأساطين السياسة في العالم وهم ينصتون إلى وجهة نظره للقضايا، وتحليلاته للأوضاع، وشروحاته لمواقف بلاده وقضايا أمته العربية والإسلامية، وينهلون من حكمته، ويتأثرون بأطروحاته، ويحترمون آراءه وأفكاره.
يتجلى ذلك أيضا في إدارته للمؤتمرات الدولية التي كان يقودها بكل جدارة وكفاءة واقتدار، وفي قدرته المذهلة على تحقيق النتائج التي يرغب في التوصل إليها مهما كانت تعقيدات الموقف وصعوبة الظروف وجسامة التحديات، شأنه في ذلك شأن الربان الذي يقود السفينة في خضم الأعاصير والأمواج العاتية حتى يتمكن من الوصول إلى بر الأمان وشاطئ الخلاص.
أما السمة الثانية فهي تبدو فيما يملكه من ثقافة «موسوعية» راقية، وإن كنت أعجب من شيء فعجبي من إلمامه بشكل لافت للنظر بمعلومات وافية وفهم عميق لجل مناحي الحياة، يتجلى ذلك في قدرته على الحديث عن أي أمر من الأمور أو موضوع من الموضوعات أو قضية من القضايا بصورة توحي إليك أنه قد أوسعها اطلاعا وبحثا وتأملا، ولا يقتصر هذا على حقل معين من حقول المعرفة، أو على مجال من مجالات الفكر، فمعلوماته وثقافته هي - كما أسلفت - «موسوعية» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
بقى شيء أخير قد لا يعرفه عن الأمير سعود إلا من قدر له التعامل معه عن كثب، وهو ما يتمتع به من روح الدعابة Sense of Humor وسرعة البديهة والتعليقات اللاذعة التي لا يملك المتلقي أمامها سوى الإعجاب والاستئناس بها.
فإذا أضفت إلى كل هذه الصفات والخصال والسمات ما يتميز به الأمير من أخلاق عالية، وتواضع، وأدب جم، وتهذيب كبير، وأسلوب راق في التعامل مع موظفيه وزملائه ومعارفه والناس كافة، لوجدت أن محصلة ذلك كله يمكن اختصارها في كلمتين: سعود الفيصل.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».