رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

الخرطوم ترقبت جثمانه.. لكنها استجابت لنداءات المغرب بتكريمه ودفنه بالرباط التي عاش فيها 30 عامًا

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»
TT

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

غيب الموت، أول من أمس (الجمعة)، بمستشفى الشيخ زايد، بالعاصمة المغربية الرباط، الشاعر السوداني الكبير محمد مفتاح الفيتوري، وذلك عن عمر يناهز 79 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وجاء رحيل الفيتوري ليضاف إلى غيابات تواترت في السنوات الأخيرة، طالت عددا من كبار المشهد الشعري العربي الحديث، كان آخرهم الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي، الذي رحل قبل أيام.
ويتفق النقاد والمتتبعون للمشهد الشعري العربي الحديث على أن الفيتوري «لم يكن شاعرا عاديا، بل كان شاعر القضايا الكبرى»، وأنه «غنى لأمه أفريقيا ولونها الأسود، كما غنى لشعب السودان من أجل الحرية من الأنظمة الديكتاتورية، بقصيدته الشهيرة «أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق». وغنى لشعوب أفريقيا، التي ظهرت في عناوين دواوينه»، وكانت حياته سجلا لحياة المثقف العضوي المهموم بوطنه ونضالات قارته وقضايا أمته».
وأكدت الحكومة السودانية أنها كانت قد أعدت العدة لاستقبال جثمان فقيد البلاد وأمير شعراء حركة التحرر الأفريقي محمد مفتاح الفيتوري، الذي رحل، أول من أمس (الجمعة)، بمدينة الرباط المغربية، لمواراته الثرى في تراب بلاده، بيد أنها استجابت لرجاءات مغربية بتكريمه ودفنه في مقبرة الشهداء في الرباط المدينة التي عاش فيها أكثر من 30 عامًا.
وقال نجل الراحل (تاج الدين) في سرادق العزاء، إن أسرة الراحل ومحبيه وعشاق شعره، ورموز البلاد من أدباء وسياسيين سينظمون اليوم تشييعًا رمزيًا للراحل، ويصلون عليه صلاة الغائب، ثم ينظمون مهرجانًا لتأبينه، واستحضار مآثره وأشعاره، وأدواره التحررية وسيرته. ووري جثمان الراحل الثرى بمقبرة الشهداء بالعاصمة المغربية الرباط، أمس، بعدما وافته المنية بمستشفى زايد بالرباط عن عمر ناهز 85 عامًا بعد معاناة طويلة مع المرض.
من جهته، قال وزير الثقافة والإعلام السوداني، الطيب حسن بدوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن رئاسة الجمهورية تابعت إكمال ترتيبات وصول جثمان الفقيد الذي كان مؤملاً تشييعه ومواراته الثري في تراب وطنه، بيد أنها تلقت رجاءات من المملكة المغربية بأنها ترغب في تكريمه ودفنه في مقبرة الشهداء في المدينة التي أفنى فيها 30 عامًا من عمره. وأوضح الوزير في بيان حصلت عليه الصحيفة: «تقديرًا للرغبة العالية والرجاءات التي أتتنا من الشقيقة المغرب، بأن يكرم بدفنه في المدينة التي عاش فيها لأكثر من 30 عامًا، وامتدادًا لأدوار وعطاء فقيد البلاد التي تجاوزت الدائرة الوطنية والقطرية لبلادنا، فنثر عبير فكره وأدبه وشعره في كل رقاع أفريقيا ووطننا العربي».
وأضاف: «ظلت المملكة المغربية إحدى المحطات الأساسية في حياته، وحتى لحظة مماته، ونزولاً لهذه الرغبة، لن نتمكن من مواراته الثرى في السودان».
وفي سرادق العزاء، قال الرئيس السوداني الأسبق، عبد الرحمن سوار الذهب، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان والأمة العربية فقدت شخصية يصعب تعويضها في زماننا. وأضاف: «رحل الشاعر والأديب الملهم الفيتوري، الذي لم يفقده السودان ولا الأمة العربية وحدها، بل فقدته كل المجامع الأدبية، وركزت كل الفضائيات العربية على رحيل الفيتوري الذي هز المجتمعات الأدبية والثقافية في المنطقة».
ونوه سوار الذهب إلى دور أشعار الفيتوري في إلهاب الحماس ضد الاستبداد والاستعمار وطلب الحرية، وللتراث الشعري التحرري الكبير الذي تركه في الأدب العربي، بحرصه على تسجيل مواقف الإنسانية والأدبية التي مر بها السودان والبلاد العربية والأفريقية.
وقال إن رئاسة الجمهورية وجهت بضرورة نقل الجثمان للسودان ليشيع وفقًا لوصيته، التي حرص خلالها على دفنه في السودان بجوار قبر العلامة الأديب الراحل د. عبد الله الطيب.
وفي سؤال عن انتقادات للحكومة السودانية بالتقصير تجاه الراحل في حياته، قال سوار الذهب: «هذه أشياء تختلط بقضايا سياسية وما إليها، ومهما كانت التفاسير التي يمكن أن توصف بها الفترة الزمنية التي عاشها المرحوم متنقلاً من دولة إلى أخرى، لكنه كان في كل تلك البلاد يشعر أنه من أهلها، خصوصا مصر وليبيا والمغرب والسودان، موطنه ومولده، وفي رأيي أنه لم يقصر مع هذه البلاد التي عاش فيها».
ويعد الراحل محمد مفتاح الفيتوري من الشعراء الذين برزوا أيام حركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم، وكان معتزًا بالثورة الأفريقية وأنشد لها ولنضالها ضد الاستعمار، في عدة من دواوين الشعر، من بينها «أغاني أفريقيا»، و«عاشق من أفريقيا»، و«اذكريني يا أفريقيا»، إضافة إلى دواوين أخرى كثيرة، ويعتبر من أبرز رواد التفعيلة والحداثة في الشعر العربي، وتميزت أشعاره بمسحة صوفية.
ونحت الفيتوري اسمه ضمن قائمة أفضل الشعراء العرب المعاصرين، ملامسا البعد الإنساني في كتاباته، الشيء الذي منح شعره تميزا بين أقرانه ومنح إبداعاته إمكانية الخلود بين أكبر شعراء الإنسانية، وهو الذي كتب: «أيها السائق.. رفقًا بالخيول المتعبة.. قف فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة.. قف». كما كتب «لا تحفروا لي قبرًا.. سأرقد في كل شبر من الأرض.. أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس فوق حقول بلادي.. مثلي أنا ليس يسكن قبرا».
وقال الشاعر المغربي محمد الصالحي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفيتوري «يذكرنا بالبدايات الصعبة لشعر التفعيلة العربية»، وإن «ما جعل اسمه بارزا، في هذه المرحلة، هو انفراده بتيمة لم يزاحمه فيها أحد من مجايليه، هي تيمة أفريقيا، لذلك رأى فيه الكثيرون شاعرا أفريقيا يكتب بالعربية، كما حار النقد العربي في تناوله، بعد أن وجد النقاد أنفسهم أمام سؤال «هل الفيتوري شاعر أفريقي يكتب بالعربية أم شاعر عربي انحاز لقضايا أفريقيا؟».
واحتفظ الشاعر الراحل، الذي ووري الثرى، أمس، بعد صلاة الظهر، بـ«مقبرة الشهداء»، بالرباط، بعلاقة عشق مع المغرب، حيث عاش سنواته الأخيرة، فكان محل احتفاء وترحيب بين مسؤولي ومثقفي البلد، وذلك «اعتبارا لقيمته الرمزية، ومكانتها الأدبية كشاعر متميز، أغنى رصيد القصيدة العربية بعطاءات هي إضافاته الخاصة».
وترجمة لما احتفظ به المغاربة للشاعر السوداني الكبير من قيمة واعتبار، وهو يعيش بينهم، خصص له اتحاد كتاب المغرب، قبيل رحيله، تكريما لائقا، حضره الشاعر المحتفى به، رغم ظروفه الصحية الصعبة. وخلال هذا الاحتفاء، تحدث عدد من كتاب المغرب، ومن العرب، عن تجربة الفيتوري الإبداعية ومسيرته الشعرية، واتفقوا على أن الاحتفاء بالفيتوري هو «احتفاء بشاعر كبير، من شعراء هذه الأمة من الماء إلى الماء، بل شاعر قارة، انتمى إليها ورسَخت في دواخله حكايات وصور، مواقف ومبادئ».
ورأى الناقد نجيب العوفي أن الفيتوري «ينتمي إلى كورال الأسماء الشعرية (السياب، أمل دنقل، صلاح عبد الصبور، نازك الملائكة، خليل حاوي..)»، وأنه «صوت عربي دافئ طافح بأشواق وهموم أفريقيا، المتماوج بين الماء والماء»، وأنه «شاعر حداثي ملتزم، لم يأبه للدونكيشوتية التي كانت سائدة، آنذاك، فقط، لأنه اكتفى بارتداء أوجاعه».
أما الناقد والمترجم بنعيسى بوحمالة، فرأى أن شعرية الفيتوري فاجأته «مغايرتها الجذرية لزملائه فيما يخص الموضوع الشعري، خاصة في دواوينه الأفريقية التي دشّن بها مشواره الشعري».
ورأى الشاعر والناقد صلاح بوسريف أن الفيتوري «شاعر عاش في مرحلة مفصلية من تاريخ الشعر المعاصر، ليس من الرواد، وليس بعيدًا عنهم، شاعر خرج من الهامش ليعيش ويحيا في اللامكان»، مؤكدا على أنه «ليس من السهل أن تأتي من الهامش لتكون صوتا شعريا، وخصوصا في أوج التحولات والأعمدة التي ستتأسس عليها الشعرية العربية»، مبرزا أهمية الفيتوري الذي اعتبره واحدا «من الذين هذبوا اللغة العربية، وخرجوا بها من لغة حافظ إبراهيم وأحمد شوقي لتقول ذاتها، وليس أن تكون صوتا آخر، لأنه اختار أن يكتب حريته خارج نظام القصيدة التقليدية، والقصيدة القديمة».
أما الناقد سعيد بنكراد فقد اعتبر الفيتوري من «الأصوات التي كنا ننصت إليها، ونحن نناضل من أجل بناء دولة الفقراء»، مبرزا أنه «استنبت الوجدان الثقافي العربي في قارة أفريقيا، وأعادنا إليها».
ولد الشاعر الراحل بالجنينية، بولاية غرب دارفور الحالية بالسودان، في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1936، وتلقى تعليمه في مدينة الإسكندرية بمصر وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني، وانتقل إلى القاهرة، حيث تخرج من كلية العلوم بالأزهر الشريف، قبل أن يعمل محررًا للصفحات الأدبية في عدد من الصحف السودانية والمصرية، وخبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، ما بين 1968 و1970، كما حصل على عدد من الجوائز، لعل أبرزها «الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان.
واعتبر الراحل جزءا من الحركة الأدبية العربية المعاصرة، وأحد رواد حركة الشعر الحر في العالم العربي. كما ظلت أفريقيا مسرحا أساسيًا في شعره، فشكلت محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد العبودية والاستعمار ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، التي ضمنها دواوينه التي تتالت منذ 1955، خاصة «أغاني أفريقيا» (1955)، و«عاشق من أفريقيا» (1964)، و«اذكريني يا أفريقيا» (1965)، و«أحزان أفريقيا» (1966)، الشيء الذي جعل منه، بحسب عدد من المتتبعين، «صوتَ أفريقيا وشاعرها»، هو الذي كتب، في إحدى قصائده: «جبهة العبد ونعل السيد/ وأنين الأسود المضطهد/ تلك مأساة قرون غبرت/ لم أعد أقبلها لم أعد».
ولم تغب قضايا العروبة عن أشعار الفيتوري، خاصة قضية فلسطين، هو الذي كتب: «لقد صبغوا وجهك العربي/ آه... يا وطني/ لكأنك، والموت والضحكات الدميمة/ حولك، لم تتشح بالحضارة يوما/ ولم تلد الشمس والأنبياء».
كما كتب الراحل عن التوق إلى الحرية ومناهضة الاستبداد والاعتزاز بالوطن، منذ بداياته الشعرية، فكتب: «كل الطغاة دُمى/ ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة/ وهو يعلق أوسمة الموت/ فوق صدور الرجال/ أنه بطل لا يزال». ويحسب للراحل أنه واصل الكتابة والنشر، عبر مسار إبداعي تواصل على أكثر من ستة عقود، انطلاقًا بديوان «أغاني أفريقيا»، الذي صدر عام 1955، انتهاء بـ«عريانا يرقص في الشمس»، الذي صدر عام 2005.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!