رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

الخرطوم ترقبت جثمانه.. لكنها استجابت لنداءات المغرب بتكريمه ودفنه بالرباط التي عاش فيها 30 عامًا

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»
TT

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

رحيل محمد الفيتوري.. شاعر القضايا الكبرى الذي تغنى بـ«أحزان أفريقيا»

غيب الموت، أول من أمس (الجمعة)، بمستشفى الشيخ زايد، بالعاصمة المغربية الرباط، الشاعر السوداني الكبير محمد مفتاح الفيتوري، وذلك عن عمر يناهز 79 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وجاء رحيل الفيتوري ليضاف إلى غيابات تواترت في السنوات الأخيرة، طالت عددا من كبار المشهد الشعري العربي الحديث، كان آخرهم الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي، الذي رحل قبل أيام.
ويتفق النقاد والمتتبعون للمشهد الشعري العربي الحديث على أن الفيتوري «لم يكن شاعرا عاديا، بل كان شاعر القضايا الكبرى»، وأنه «غنى لأمه أفريقيا ولونها الأسود، كما غنى لشعب السودان من أجل الحرية من الأنظمة الديكتاتورية، بقصيدته الشهيرة «أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق». وغنى لشعوب أفريقيا، التي ظهرت في عناوين دواوينه»، وكانت حياته سجلا لحياة المثقف العضوي المهموم بوطنه ونضالات قارته وقضايا أمته».
وأكدت الحكومة السودانية أنها كانت قد أعدت العدة لاستقبال جثمان فقيد البلاد وأمير شعراء حركة التحرر الأفريقي محمد مفتاح الفيتوري، الذي رحل، أول من أمس (الجمعة)، بمدينة الرباط المغربية، لمواراته الثرى في تراب بلاده، بيد أنها استجابت لرجاءات مغربية بتكريمه ودفنه في مقبرة الشهداء في الرباط المدينة التي عاش فيها أكثر من 30 عامًا.
وقال نجل الراحل (تاج الدين) في سرادق العزاء، إن أسرة الراحل ومحبيه وعشاق شعره، ورموز البلاد من أدباء وسياسيين سينظمون اليوم تشييعًا رمزيًا للراحل، ويصلون عليه صلاة الغائب، ثم ينظمون مهرجانًا لتأبينه، واستحضار مآثره وأشعاره، وأدواره التحررية وسيرته. ووري جثمان الراحل الثرى بمقبرة الشهداء بالعاصمة المغربية الرباط، أمس، بعدما وافته المنية بمستشفى زايد بالرباط عن عمر ناهز 85 عامًا بعد معاناة طويلة مع المرض.
من جهته، قال وزير الثقافة والإعلام السوداني، الطيب حسن بدوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن رئاسة الجمهورية تابعت إكمال ترتيبات وصول جثمان الفقيد الذي كان مؤملاً تشييعه ومواراته الثري في تراب وطنه، بيد أنها تلقت رجاءات من المملكة المغربية بأنها ترغب في تكريمه ودفنه في مقبرة الشهداء في المدينة التي أفنى فيها 30 عامًا من عمره. وأوضح الوزير في بيان حصلت عليه الصحيفة: «تقديرًا للرغبة العالية والرجاءات التي أتتنا من الشقيقة المغرب، بأن يكرم بدفنه في المدينة التي عاش فيها لأكثر من 30 عامًا، وامتدادًا لأدوار وعطاء فقيد البلاد التي تجاوزت الدائرة الوطنية والقطرية لبلادنا، فنثر عبير فكره وأدبه وشعره في كل رقاع أفريقيا ووطننا العربي».
وأضاف: «ظلت المملكة المغربية إحدى المحطات الأساسية في حياته، وحتى لحظة مماته، ونزولاً لهذه الرغبة، لن نتمكن من مواراته الثرى في السودان».
وفي سرادق العزاء، قال الرئيس السوداني الأسبق، عبد الرحمن سوار الذهب، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان والأمة العربية فقدت شخصية يصعب تعويضها في زماننا. وأضاف: «رحل الشاعر والأديب الملهم الفيتوري، الذي لم يفقده السودان ولا الأمة العربية وحدها، بل فقدته كل المجامع الأدبية، وركزت كل الفضائيات العربية على رحيل الفيتوري الذي هز المجتمعات الأدبية والثقافية في المنطقة».
ونوه سوار الذهب إلى دور أشعار الفيتوري في إلهاب الحماس ضد الاستبداد والاستعمار وطلب الحرية، وللتراث الشعري التحرري الكبير الذي تركه في الأدب العربي، بحرصه على تسجيل مواقف الإنسانية والأدبية التي مر بها السودان والبلاد العربية والأفريقية.
وقال إن رئاسة الجمهورية وجهت بضرورة نقل الجثمان للسودان ليشيع وفقًا لوصيته، التي حرص خلالها على دفنه في السودان بجوار قبر العلامة الأديب الراحل د. عبد الله الطيب.
وفي سؤال عن انتقادات للحكومة السودانية بالتقصير تجاه الراحل في حياته، قال سوار الذهب: «هذه أشياء تختلط بقضايا سياسية وما إليها، ومهما كانت التفاسير التي يمكن أن توصف بها الفترة الزمنية التي عاشها المرحوم متنقلاً من دولة إلى أخرى، لكنه كان في كل تلك البلاد يشعر أنه من أهلها، خصوصا مصر وليبيا والمغرب والسودان، موطنه ومولده، وفي رأيي أنه لم يقصر مع هذه البلاد التي عاش فيها».
ويعد الراحل محمد مفتاح الفيتوري من الشعراء الذين برزوا أيام حركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم، وكان معتزًا بالثورة الأفريقية وأنشد لها ولنضالها ضد الاستعمار، في عدة من دواوين الشعر، من بينها «أغاني أفريقيا»، و«عاشق من أفريقيا»، و«اذكريني يا أفريقيا»، إضافة إلى دواوين أخرى كثيرة، ويعتبر من أبرز رواد التفعيلة والحداثة في الشعر العربي، وتميزت أشعاره بمسحة صوفية.
ونحت الفيتوري اسمه ضمن قائمة أفضل الشعراء العرب المعاصرين، ملامسا البعد الإنساني في كتاباته، الشيء الذي منح شعره تميزا بين أقرانه ومنح إبداعاته إمكانية الخلود بين أكبر شعراء الإنسانية، وهو الذي كتب: «أيها السائق.. رفقًا بالخيول المتعبة.. قف فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة.. قف». كما كتب «لا تحفروا لي قبرًا.. سأرقد في كل شبر من الأرض.. أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس فوق حقول بلادي.. مثلي أنا ليس يسكن قبرا».
وقال الشاعر المغربي محمد الصالحي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفيتوري «يذكرنا بالبدايات الصعبة لشعر التفعيلة العربية»، وإن «ما جعل اسمه بارزا، في هذه المرحلة، هو انفراده بتيمة لم يزاحمه فيها أحد من مجايليه، هي تيمة أفريقيا، لذلك رأى فيه الكثيرون شاعرا أفريقيا يكتب بالعربية، كما حار النقد العربي في تناوله، بعد أن وجد النقاد أنفسهم أمام سؤال «هل الفيتوري شاعر أفريقي يكتب بالعربية أم شاعر عربي انحاز لقضايا أفريقيا؟».
واحتفظ الشاعر الراحل، الذي ووري الثرى، أمس، بعد صلاة الظهر، بـ«مقبرة الشهداء»، بالرباط، بعلاقة عشق مع المغرب، حيث عاش سنواته الأخيرة، فكان محل احتفاء وترحيب بين مسؤولي ومثقفي البلد، وذلك «اعتبارا لقيمته الرمزية، ومكانتها الأدبية كشاعر متميز، أغنى رصيد القصيدة العربية بعطاءات هي إضافاته الخاصة».
وترجمة لما احتفظ به المغاربة للشاعر السوداني الكبير من قيمة واعتبار، وهو يعيش بينهم، خصص له اتحاد كتاب المغرب، قبيل رحيله، تكريما لائقا، حضره الشاعر المحتفى به، رغم ظروفه الصحية الصعبة. وخلال هذا الاحتفاء، تحدث عدد من كتاب المغرب، ومن العرب، عن تجربة الفيتوري الإبداعية ومسيرته الشعرية، واتفقوا على أن الاحتفاء بالفيتوري هو «احتفاء بشاعر كبير، من شعراء هذه الأمة من الماء إلى الماء، بل شاعر قارة، انتمى إليها ورسَخت في دواخله حكايات وصور، مواقف ومبادئ».
ورأى الناقد نجيب العوفي أن الفيتوري «ينتمي إلى كورال الأسماء الشعرية (السياب، أمل دنقل، صلاح عبد الصبور، نازك الملائكة، خليل حاوي..)»، وأنه «صوت عربي دافئ طافح بأشواق وهموم أفريقيا، المتماوج بين الماء والماء»، وأنه «شاعر حداثي ملتزم، لم يأبه للدونكيشوتية التي كانت سائدة، آنذاك، فقط، لأنه اكتفى بارتداء أوجاعه».
أما الناقد والمترجم بنعيسى بوحمالة، فرأى أن شعرية الفيتوري فاجأته «مغايرتها الجذرية لزملائه فيما يخص الموضوع الشعري، خاصة في دواوينه الأفريقية التي دشّن بها مشواره الشعري».
ورأى الشاعر والناقد صلاح بوسريف أن الفيتوري «شاعر عاش في مرحلة مفصلية من تاريخ الشعر المعاصر، ليس من الرواد، وليس بعيدًا عنهم، شاعر خرج من الهامش ليعيش ويحيا في اللامكان»، مؤكدا على أنه «ليس من السهل أن تأتي من الهامش لتكون صوتا شعريا، وخصوصا في أوج التحولات والأعمدة التي ستتأسس عليها الشعرية العربية»، مبرزا أهمية الفيتوري الذي اعتبره واحدا «من الذين هذبوا اللغة العربية، وخرجوا بها من لغة حافظ إبراهيم وأحمد شوقي لتقول ذاتها، وليس أن تكون صوتا آخر، لأنه اختار أن يكتب حريته خارج نظام القصيدة التقليدية، والقصيدة القديمة».
أما الناقد سعيد بنكراد فقد اعتبر الفيتوري من «الأصوات التي كنا ننصت إليها، ونحن نناضل من أجل بناء دولة الفقراء»، مبرزا أنه «استنبت الوجدان الثقافي العربي في قارة أفريقيا، وأعادنا إليها».
ولد الشاعر الراحل بالجنينية، بولاية غرب دارفور الحالية بالسودان، في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1936، وتلقى تعليمه في مدينة الإسكندرية بمصر وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني، وانتقل إلى القاهرة، حيث تخرج من كلية العلوم بالأزهر الشريف، قبل أن يعمل محررًا للصفحات الأدبية في عدد من الصحف السودانية والمصرية، وخبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، ما بين 1968 و1970، كما حصل على عدد من الجوائز، لعل أبرزها «الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان.
واعتبر الراحل جزءا من الحركة الأدبية العربية المعاصرة، وأحد رواد حركة الشعر الحر في العالم العربي. كما ظلت أفريقيا مسرحا أساسيًا في شعره، فشكلت محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد العبودية والاستعمار ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، التي ضمنها دواوينه التي تتالت منذ 1955، خاصة «أغاني أفريقيا» (1955)، و«عاشق من أفريقيا» (1964)، و«اذكريني يا أفريقيا» (1965)، و«أحزان أفريقيا» (1966)، الشيء الذي جعل منه، بحسب عدد من المتتبعين، «صوتَ أفريقيا وشاعرها»، هو الذي كتب، في إحدى قصائده: «جبهة العبد ونعل السيد/ وأنين الأسود المضطهد/ تلك مأساة قرون غبرت/ لم أعد أقبلها لم أعد».
ولم تغب قضايا العروبة عن أشعار الفيتوري، خاصة قضية فلسطين، هو الذي كتب: «لقد صبغوا وجهك العربي/ آه... يا وطني/ لكأنك، والموت والضحكات الدميمة/ حولك، لم تتشح بالحضارة يوما/ ولم تلد الشمس والأنبياء».
كما كتب الراحل عن التوق إلى الحرية ومناهضة الاستبداد والاعتزاز بالوطن، منذ بداياته الشعرية، فكتب: «كل الطغاة دُمى/ ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة/ وهو يعلق أوسمة الموت/ فوق صدور الرجال/ أنه بطل لا يزال». ويحسب للراحل أنه واصل الكتابة والنشر، عبر مسار إبداعي تواصل على أكثر من ستة عقود، انطلاقًا بديوان «أغاني أفريقيا»، الذي صدر عام 1955، انتهاء بـ«عريانا يرقص في الشمس»، الذي صدر عام 2005.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».