رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

كتاب وشعراء عدوا غيابه «خسارة فادحة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي
TT

رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

«ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي.. متونسة بحس مين يا مصر في غيابي؟!».. هذا السؤال الذي طرحه الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبل سنوات، بات أمس سؤاله الخاص، بعد أن غيبه الموت عن عمر يناهز 76 عاما. وبعد رحلة خصبة مع الحياة والشعر طوى دفترها أمس بمحبة طفل عاشق لتراب الوطن والشعر. رحلة استطاع خلالها أن يكون أحد فرسان الشعر الكبار، في مصر والعالم العربي، بعد أن جعله يمشي على لسان البسطاء، ويجسد أحلامهم وأشواقهم في الحياة.
ونعت الرئاسة المصرية رحيل الشاعر الكبير وقالت في بيان أمس إن «مصر والعالم العربي فقدا شاعرا عظيما وقلما أمينا ومواطنا غيورا على وطنه وأمته العربية».
وبأسى بالغ ودع الكتاب والشعراء والمثقفون المصريون شاعرهم الفقيد إلى مثواه الأخير بمدينة الإسماعيلية (شرق القاهر)، والتي انتقل للعيش بها منذ سنوات، نظرا لجوها المعتدل وبناء على نصيحة الأطباء، بعد أن داهمته أمراض الرئة وضيق التنفس.
ولد الأبنودي في11 أبريل (نيسان) عام 1939، بقرية أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر، وكان أبوه يعمل مأذون القرية، وأحب الشعر منذ نعومة أظفاره، وفي سنوات الصبا بالقرية نظم عددا من القصائد الوطنية، ومع انغماسه في الشعر انقطع عن الدراسة ولم يتم تعليمه بعد المرحلة الثانوية، لكنه بعد سنوات طويلة وبعد أن ذاع صيته كشاعر التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتخرج فيها حاصلا على ليسانس اللغة العربية.
شكل الأبنودي ضلعا قويا في مثلث أدبي متوهج من الجنوب، اقتحم العاصمة القاهرة في ستينات القرن الماضي، وأثار ما يشبه العاصفة الفنية في أوساط الحياة الأدبية في مصر آنذاك، مع صديقيه الراحلين الشاعر الراحل أمل دنقل، والقاص يحيى الطاهر عبد الله.
يروي الأبنودي عن تلك الفترة في مذكرات عنه قائلا «قبل الانتقال النهائي للقاهرة والإقامة بها مع أحد بلدياتنا أنا والشاعر الراحل أمل دنقل.. وفي بلدتنا قنا وبعد أن ذاع صيتنا في البلاد التي حولنا كشعراء جدد.. جاءنا شاب اسمر من الأقصر وهو الروائي الراحل يحيي الطاهر عبد الله. والذي عرفنا منه أنه ترك قريته هناك لكي يعيش معي هنا في قنا.. وقد فوجئت به أمي حين أخبرها أنه يريد أن يعيش معنا في بيتنا. وقد سمحت له بذلك إلى أن اصطحبنا حين انتقلنا إلى القاهرة. وقد سلك طريق كتابة الرواية واشتهر في مجالها وتمسكت أنا وأمل بكتابة الأشعار.. وفي هذه الفترة أو في هذه المرحلة كنت قد بدأت أراسل الصحف بالقاهرة وكذلك مجموعة من الشعراء هناك.. وقد لعب الحظ دوره الكبير حين نشر لي الشاعر الراحل الكبير صلاح چاهين أول قصائدي في مجلة (صباح الخير) وفي باب كان يحرره تحت عنوان: شاعر أعجبني».
يضيف الأبنودي عن هذه الواقعة المحورية في حياته قائلا: «طبعا.. كنا في أيامها نعيش خطرا داهما.. في مجال زراعة القطن.. حين انتشرت الدودة وأصبحت تهدد هذا المحصول. وقتها كتبت قصيدة عن القطن وكيف نقاوم هذا الخطر وفوجئت في عدد (صباح الخير).. أن صلاح چاهين نشر هذه القصيدة مصحوبة برسم لأكبر رسامي المجلة.. ومنذ أن نشرت هذه القصيدة العامية أحسست أنني قد وضعت قدمي فوق مشوار الشعر. كما أنها فتحت لي أبوابا كثيرة، حيث عرف الناس في المحيط الذي كنت أعيش فيه هناك أنني أصبحت شاعرا. والحقيقة أن أهمية هذه القصيدة أو هذه الأغنية لم تتوقف عند هذا الحد.. بل جعلتني ارتبط بالشاعر الكبير صلاح چاهين وساهمت كذلك في دخولي عالم الطرب من أوسع أبوابه. حين فوجئت بأن كلمات هذه القصيدة تغنى في الإذاعة. ولما سألت الأستاذ صلاح جاهين أكد لي صحة هذا الخبر. بل وطلب مني أن أذهب إلى الأستاذ (محمد حسن) الشجاعي (رئيس) الإذاعة وكان وقتها مسؤولا عن الغناء والموسيقي ولما سألته عن السبب.. طلب مني فقط أن أذهب إليه لأعرف السبب».
وفي بداياته الشعرية انعكست حياة البيئة الصعيدية الخصبة وإرثها الحضاري والثقافي، بل ولهجتها الخاصة في أعماله الشعرية، وعلى نحو خاص (الأرض والعيال) 1964، والذي صدر بدراسة ضافية للشاعر عبد الرحمن الخميسي، ثم (الزحمة) 1967، و(عماليات) 1968، و(جوابات حراجي القط) 1969، والذي جسد فيه ملمحا من ملامح البطولة والوطنية المصرية خاصة في أثناء بناء السد العالي. ولم يفارق شعره حيوية الفضاء الصعيدي، بل ظل يومض في قصائده فيما بعد، على شكل حنين دائم للطفولة، ووجه الأب والأم والأسرة، ورائحة الأرض والأجداد.
ورغم أن الساحة الشعرية المصرية آنذاك كانت حاشدة بشعراء كبار ورواد سواء في شعر العامية أو الفصحى، ومنهم فؤاد حداد وصلاح جاهين، فإن الأبنودي وعلى المستوى الفني استطاع أن يحقق انتقالة مهمة في مسيرة شعر العامية المصري، حيث اكتسب للقصيدة العامية أرضا شاسعة، وجعلها لصيقة بالوجدان العام، بعد أن تغنى بها كبار المطربين والمطربات، على المستوى العاطفي والوطني، كما نجحت في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية وكسر الحصار المضروب حولها في جوائز الدولة للفنون والآداب، فكان أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية عام 2001. «الأبنودي» عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر. كما حصل على جائزة الشاعر محمود درويش للإبداع الفني 2014، لكن التتويج الأبرز كان مع حصوله على جائزة النيل أرفع جوائز الدولة للآداب في مصر وذلك في عام 2010.
عاصر الشاعر عبد الرحمن الأبنودي جيل الحداثة في مصر، وشهد تحولات سياسية واجتماعية مختلفة في عهد عبد الناصر وأنور السادات، وعلى الرغم من انتقاده لكلا النظامين من خلال قصائده، فإنه كان يضمر حماسا خاصا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رغم أنه سجن في عصره، عام 1966، بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي واعتقل لمدة أربعة أشهر في سجن القلعة حتى تم الإفراج عنه، وكتب عنه لاحقا أكثر من قصيدة لتخلد ذكراه.
وقال في قصيدة حديثة له عن الزعيم الراحل: «مش ناصري ولا كنت في يوم بالذات في زمنه وفى حينه، لكن العفن وفساد القوم نساني حتى زنازينه.. إزاي ينسينا الحاضر طعم الأصالة اللي في صوته.. يعيش جمال عبد الناصر يعيش جمال حتى في موته».
ومن أبرز إسهاماته في مجال التراث الشعري الشعبي جمع وتحقيق السيرة الهلالية التي ظل سنوات يجمعها من شعراء الصعيد، وسافر من أجلها إلى بلدان أخرى خاصة إلى تونس.
ولم يخل تاريخ الراحل الكبير من دراسات وكتب ضمت مقالاته في الصحف المصرية وله كتاب بعنوان «أيامي الحلوة» نشر على حلقات منفصلة بملحق أيامنا الحلوة في جريدة «الأهرام»، ثم تم جمعها في كتاب واحد يحكي قصصًا وأحداثًا مختلفة من حياته في صعيد مصر. كما أن له عددا من الدراسات الأدبية التي تبحث في التراث الشفاهي والموسيقي لمصر، ومن أهمها كتاب بعنوان «غنا الغلابة»، وهو دراسة عن الأغنية ومحاولة تأصيل جذورها المتشعبة في التراث المصري.
وكان الأبنودي من أوائل الشعراء الذين قدموا برامج في الإذاعة والتلفزيون الرسمي، ومن أبرز تلك البرامج تقديمه لشاعر السيرة الهلالية جابر أبو حسين. كما قدم ديوان وجوه على الشط للإذاعة.
نقلة موازية أخرى تتقاطع مع أعماله الشعرية أنجزها الأبنودي في فضاء الأغنية، خلصها من المجاز العاطفي العالي، واكتسبت مجاز الأرض والواقع، الشارع والحارة والقرية، وجسدت كتاباته مراهقة الحياة والأحلام ومفارقات العاطفة المشبوبة بالأمل في الحب والمستقبل. ورغم أنه كتب الكثير من الأغاني لعدد من المطربين الكبار منهم (عبد الحليم حافظ - محمد رشدي - فايزة أحمد - نجاة الصغيرة – شادية - صباح – ماجدة الرومي – وردة)، فإن أغانيه الوطنية والعاطفية مع الفنان عبد الحليم حافظ، كانت بمثابة رحلة خاصة في مسار الأغنية في مصر، امتزجت في إيقاعها دلالات النضال والكفاح الوطني حيث خلق حالة من الوحدة التي جمعت بين قلوب المصريين والعرب. وقدم معه باقة من الأغاني الوطنية حفرت في وجدان الناس حتى أصبحت سلاحا للمقاومة والتحدي خاصة بعد هزيمة 67 من أجل الخلاص من نكسة يونيو (حزيران).
وأنجز الأبنودي في تلك الفترة مجموعة كبيرة من هذه الأغنيات من أبرزها «اضرب»، و«ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار»، و«احلف بسماها وبترابها» التي لم يبدأ عبد الحليم أيا من حفلاته إلا بها حتى انتصار الجيش المصري في 1973.
لكن أغنية «موال النهار» التي كتبت عقب النكسة تنفرد بحضور خاص في تاريخ الأبنودي، حيث شكلت إحدى علامات الشجن العميق في الذاكرة المصرية وجسدت روحا جديدة من التحدي خلال تلك المرحلة.
وامتدت مغامرة الأبنودي الشعرية إلى عالم السينما فكتب الحوار والأغاني للفيلم الشهير «شيء من الخوف»، كما كتب أغاني وحوار فيلم «الطوق والإسورة» المأخوذ عن رواية صديقه يحيى الطاهر عبد الله. كما كتب عشرات الأغاني لأعمال درامية من أبرزها أغاني مسلسل «النديم» و«ذئاب الجبل» وفيلم «البريء».
عن دور الأبنودي ورحيله قال الشاعر زين العابدين فؤاد إنه لا يشارك في رثاء شاعر كبير في حجم وقيمة عبد الرحمن الأبنودي، لأن الشعراء والمبدعين لا يموتون، ولكن احتفل بالأثر العظيم الذي تركوه في حياتنا، لافتا إلى أن أعمال الأبنودي ستبقى بين الأجيال لسنوات بعيدة قادمة.
وكأن شعر العامية يرحل في أبريل الذي واكب مولد ورحيل الأبنودي، واكب أيضا ذكرى رحيل أستاذه وأستاذ أجيال العامية اللاحقين الكبير صلاح جاهين.
وتابع قائلا: «تعرفت على الأبنودي عام 1962 وعرفته بصحبة الشاعر الكبير سيد حجاب، وكنا لفترة طويلة نلتقي يوميا، وأنه شاهد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم في منزله بمنطقة بولاق الدكرور وكان برفقته الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله».
وأكد الشاعر زين العابدين فؤاد أنه كان يوجد بشكل يومي هو والأبنودي بصحبة الشاعر الراحل أمل دنقل أثناء وجوده في المستشفى، وأن دنقل قبل وفاته حدد 5 أسماء يسافرون مع جثمانه إلى الأقصر وهم: الناقد الكبير دكتور عبد المحسن طه بدر، ودكتور جابر عصفور وزير الثقافة السابق، والشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي والسيدة منى أنيس وأنا، للسفر مع زوجته عبلة الروينى إلى بلدته.
وأشار إلى أن الاحتفاء الحقيقي بعبد الرحمن الأبنودي أن تتم دراسة أعماله بشكل جيد، وأن النقد الأدبي غائب عن شعر العامية، وهو أمر لا يجب أن يستمر وهناك أعمال لشعراء كبار لم يتم تناولها إلى الآن.
وقال الأديب يوسف القعيد إن وفاة الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي خسارة كبيرة ليس لمصر فقط، وإنما للعالم العربي كله، وإن المبدعين من أمثال الشاعر الكبير لا يموتون وإنما يبقون وسط الناس بإبداعهم وأعمالهم.
وأضاف القعيد أن الشاعر الراحل طالب بأن يدفن في محافظة الإسماعيلية حيث عاش سنواته الأخيرة، مطالبا الهيئة العامة للكتاب بأن تطبع الأعمال الشعرية الكاملة على «سي دي» حتى يعرفها كل الأجيال إلى جانب طباعة الدواوين التي قدمها طوال تاريخه الإبداعي.
وأشار إلى أن أعمال المبدع الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي تعد بمثابة توثيق وتأريخ لكل الأحداث التي مرت بمصر على مدى العقود التي واكبها من خلال تناوله لكافة هذه الأحداث برؤية وطنية لا ينساها أبناء الشعب المصري.
وأكد ضرورة أن تقوم وزارة الثقافة بإقامة متحف كبير في بلدته «أبنود» على أن يضم كافة متعلقاته والوثائق التي يمتلكها وجمعها خلال رحلته الإبداعية.
كما وصف الشاعر فاروق جويدة رحيل الأبنودي بالخسارة للشعر المصري والعربي. وقال إن الأبنودي «صاحب مدرسة خاصة في أسلوبه ولغته وهو من أكثر الشعراء تواصلا مع الجماهير، واستطاع لفترة طويلة أن يكون صوت الشعب».
وأضاف جويدة أن «الأبنودي امتاز برقة شديدة في كلمات أغانيه العاطفية، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل طريقة أدائه لشعره، خاصة وأنه من جنوب مصر، وكان يعبر بصدق عن قضايا البسطاء، وعرفته لفترات طويلة وكان إنسانا مهذبا وساخرا من كل الأشياء وتمتع ببساطة الإنسان المصري».
وأشار إلى أن وفاة الأبنودي خسارة كبيرة على كل المستويات، وهو من الشعراء الذين احتضنوا قضايا بلدهم وأمتهم، وكان أيضا يمتلك قدرة كبيرة على التواصل مع الآخرين بسبب المعايشة الجيدة لهموم وطنه، وأن أهم ما ميزه هو صدقه الشديد وإيمانه بقضايا بلاده.
وقدم الدكتور محمد عفيفي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، تعازيه للشعب المصري والعربي وأسرة الأبنودي، معتبرا أن رحيله خسارة كبيرة لشعر العامية، والشعر المصري عموما.
عاش الأبنودي حياة مغامرة مليئة بالصدف والمفارقات، والعداءات والنجاحات والمواقف، لكنه كان يستقبلها بروح الشاعر المطمئن لقصيدته، وفلسفته البسيطة عن الفن والحياة، فكان غامضا إلى حد الوضوح، كما امتزجت في شخصيته، حكمة الفلاح وترويضه الماكر المحب للأرض، وشهامة الصعيدي، الذي ينهض لمساندة البسطاء والضعفاء بعفوية وتلقائية، وقد انعكس كل هذا على شعره. وأغانيه كانت خيطا رفيعا وشيقا يتموج بين السهل الممتنع في الوقت نفسه.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.