حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة للكتاب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حمدي الجزار يداعب مرايا «الحريم» في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تجر رواية «الحريم» للكاتب حمدي الجزار الطفولة وراءها، وتنسج من مناخاتها وروائحها الخاصة عباءة سردية لأنا مركزية تهيمن على النص، نتعرف من خلال مراحل ومحطات نموها ووعيها بالعالم والأشياء على تجربة حياة خصبة في حي ابن طولون الشعبي أحد أبرز أحياء القاهرة القديمة العريقة، وكذلك أنماط العيش فيه على المستوى الفردي والاجتماعي والإنساني.
ورغم أن خيوط السرد والحكي في هذه الرواية الصادرة عن دار «صفصافة» بالقاهرة والتي حصلت على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، لا تبرح عين السارد (الكاتب) في كل فصولها، فإننا أمام ذات منفتحة على عالمي الداخل والخارج معا، فالأشياء والشخوص والمواقف والرؤى والأفكار، ومشاحنات الواقع اليومي سواء في نسقه الواقعي أو المتخيل، دائما تُستحضر من خلال عين السارد، كما أنه لا يقبض عليها بصرامة وخشونة، بل يتعامل معها بخفة وحيادية، مكتفيا بالعيش في ظلالها، واكتشاف ذاته من خلال ترويض هذه الظلال، وكذلك شهواته الدفينة في المعرفة والحب والجنس، تاركا المكان وراءه كعلامة أو إشارة عابرة على أثر ما.
تصطحب الرواية - التي نفدت طبعتها الأولى بحسب الناشر – النساء، وتعنون بأسمائهن فصولها العشرون، ويتماهى نمو الطفل (سيد بطل الرواية)، الذي غادر ثديي أمه ومرارة الصبار بعد أربع سنوات، مع نمو حركة السرد وتقاطعاتها في مرايا الشخوص الأنثوية، اللاتي يتعرف عليهن في صحبة أمه، ويلتقط حكاياتهن من غبار الحارة، أو اللاتي يتعرف عليهن بمفرده، بعدما يكبر وينضج، كما يرتبط خط السيرة الذاتية للبطل، بتداعيات المكان، والعيش في بيئة مهمشة، يمثلها واقع الحارة الشعبية بامتياز، أغلب ناسها فقراء يمتهنون حرفا ومهنا بسيطة، بداية من الأب فرج «أسطى الموبيليا» ذائع الصيت، وروحية أشطر خياطة في «طولون»، و«عليمي» الفاكهاني المتجول وزوجته لوزة، وأم شفيق «الدلالة» وبناتها الثلاث، وابنها «الحرامي» الذي طفش من الحي وعاد إليه مقتولا، ثم «أُنس» صاحبة شقة الفرفشة العتيقة. ورغم تعدد الشخصيات فإن شخصيتي الأب فرج والأم بطة، هما الأبرز في كل تفاصيل الحكاية.
في هذا المناخ وبعاطفة مشبوبة عاطفيا وإنسانيا ترصد الرواية أغوار عالم «الحريم» وحبائله السرية في حياة البطل، واشتباكه مع هذا العالم، الذي يتميز بطابع الفطرة وبداهة المعرفة في مرحلة تعليمه الأولى بالمدرسة، ثم يصطبغ بوعي سياسي واجتماعي وإنساني أوسع بقضايا المجتمع، في أثناء دراسته الفلسفة بالجامعة، حيث يتعرف على النشاط السياسي للطلبة، ويصادف أنماطا أخرى من النساء أكثر نضجا، لكن تصدمه في علاقته بهن فكرة الحب في مجتمع شرقي يضع الذكورة دائما في الصدارة.
وفنيا يدور النص في فلك لغة سردية موجزة شفافة، خالية من الترهل البلاغي، يتناظر فيها المحكي الشفاهي ابن الحياة اليومية وتراث الحارة، والمتخيل المحلِّق، الذي تعلق به ومضات من شطح الخيال وفانتازيا الواقع. وهي لغة حكاءة تجيد الوصف، وتتخذ منه مقوما فنيا لتوثيق تاريخ الأشياء والعناصر ومظاهر البيئة المحلية، ومنها توثيق الراوي لأنواع الخشب وصبغات الطلاء، بعد أن اكتسب خبرة ضافية بعالم النجارة في ورشة والده، حتى إنه أصبح ينظر إلى العالم باعتباره مجموعة من قطع الأثاث، يتفاوت فيها القديم والحديث، وكذلك وصفه لطقوس المولد الشعبي، السيدة زينب ونفيسة وسكينة. ومنها أيضا وصفه الحاذق لأجساد النساء والفتيات، وقنص مواطن الفتنة والأنوثة في ملامحهن. إنها تفاصيل صغيرة، تطفو على سطح حياة الراوي، يلتقطها بعناية وعفوية، ويشكل منها سردًا ووصفًا وتعليقا، مضيفا إلى منظوره اللغوي السلس ملمحا مهما، وهو الحكي على سننه، وعواهنه المرمية على قارعة الأزقة والحواري في الحي الشعبي. وهو ما يتجسد حين يصف الكاتب الراوي، لحظة فرحه بدخوله المدرسة بعدما أخبره والده بذلك، قائلا: «الفرح جعلني أنط وأتقافز، وأنسى أبي وأمي، وأصفق بكل قوة على كفيّ، وأصيح: هيه.. هيه. كنت مبسوطا جدا، لأنني سأرتدي زيا مدرسيا خاصا بتلاميذ المدرسة الابتدائية. سأصبح تلميذا كحلمي وعبد الظاهر ولطفي. سأصير كالأولاد الكبار الذين يعيرونني، ويقولون: عيل صغير. ويبعدونني عنهم: امش العب بعيد. عندما يلعبون الأولى، أو تريك تراك، أو كرة القدم في ميدان طولون».
وطيلة الرواية يتمثل الكاتب (السارد) ذاته بصيغة يغلب عليها ضمير الأنا المتكلم، بينما تتخفف طاقة السرد من ضمير الغائب، ليؤكد حضوره الراهن في النص، وفي الوقت نفسه، يمتلك القدرة على تحويل رغباته العاطفية المراهقة المشبوبة، إلى نسق من القيم والأفكار تعبر عن طموحه في عالم جديد، وحياة مغايرة. لكن هيمنة صيغة أنا المتكلم رغم أنها تعزز صيرورة الوعي بالذات واستقلاليتها، بعيدا عن أي سلطة، حتى لو كانت رمزا أو قناعا، فإنها تجر خط السرد، في بعد أحادي، ينعكس أيضا على خط الزمن، فالراوي لا يستعيد وعيه بالزمن من ماض بعيد أو قريب، وإنما مما يعيشه في تقاطعات حياته اليومية بلحظات حلوها ومرها، وهو ما جعل ثمة مسافة في النص بين السيرة الذاتية للمكان الغني بتاريخه وامتداده في الزمان، والسيرة الذاتية للبطل، فبدا المكان - أحيانا - مجرد قشرة وغلالة للنص، واكتسبت عين السارد طابع البوصلة السياحية العابرة.
لكن رغم هذا استطاعت الخلطة الأنثوية المتنوعة في الرواية أن تحقق متعة ما، وتشد خيوط الحكي إلى الأعلى دراميا وإنسانيا بذكاء ورهافة مشاعر، برز هذا على نحو لافت في براءة مروياته عن النساء والفتيات، اللاتي صادفهن في مرحلة الجامعة، ويفقدهن في ذروة نشوى ناقصة ومبتورة، بل همجية أحيانا، تكشف الفجوة ما بين مفهوم الحب في الثقافة الشرقية والغربية، فالأول قرين الخوف والأعراف والتقاليد، والثاني قرين الإرادة الحرة المستقلة، فيصدم إلى حد الإحباط والاكتئاب في علاقته بـ«ماري» الأميركية، و«ساها» اليابانية، ويرحل عنهما في صمت، باحثا عن مبررات واهية، تحرره من إحساس ما بالذنب تجاه نفسه والحياة من حوله.
إن سيد بطل الرواية لا يفشل في الحب لأنه يجهل حقيقة المرأة، وإنما لأنها أصبحت نقطة شائكة ومعتمة في لاوعيه، ومن ثم أصبح شاغله الوحيد هو التحرر من الخبرات الصادمة والذكريات المؤلمة التي عاشها في ظلال هذه الحقيقة، وهربا من كل هذا يستسلم إلى حياة الحي، للأعراف والتقاليد، فيلجأ إلى أمه التي هرمت بعد موت والده وزواج أخته الوحيدة منى، طالبا منها أن تزوجه، ضاربا بالحب عرض الحائط، ودون اكتراث لأية عواقب وخيمة تنجم عن هذه المغامرة، وهو ما انعكس على حياته الباردة مع سلوى، مدرسة العلوم، ابنة عبده القماش التي اختارتها أمه زوجة له.
لقد انحاز لفلسفة الجبر على الاختيار، فضل بداهة المعرفة، بل سذاجتها، ليراكم بها بقعة الخوف الكامنة في داخله، التي تجلت في علاقته الضدية بغريمه عبد الظاهر ابن الطفولة والصبا، ووصلت لذروتها في مشهد الرواية الأخير، حيث يتحول عبد الظاهر، المخيف الشرس إلى سلطة قاهرة وهو يسمم كلاب الحي الطيبة، انتقاما لما أصاب كلبه الأسود المرعب من جراح، وكأنه يمارس نوعا من التشفي الممتع، وينعكس صدى المشهد داخليا بقوة على سيد (بطل الرواية) كمرثية مقنعة لعلاقته الفاترة بزوجته، فيتساءل بمرارة مناجيا نفسه: «هل يصير الواحد رجلا حقيقيا، وهو ما زال يشغل نفسه بالخوف، يشغل نفسه بعبد الظاهر وكلبه، وهو ممدد إلى جوار امرأته».. إنه إذن مأزق الرواية في البحث عن صراع ما، يحرر هذه الحكايات السردية من وطأة الخوف واعتباطية المغامرة، ويخترق الماضي والحاضر، الجسد والروح، بحثا عن طفولة أبعد للذات والزمن والأشياء.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».