بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت

مفردات السياسات الإعلامية للرئيس الروسي

بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
TT

بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت

بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين

مليون دولار هي قيمة تكاليف تحديث موقع الكرملين على شبكة الإنترنت بما يتفق ورؤية الرئيس فلاديمير بوتين، حسبما قالت مصادر صحيفة «ار بي كا». الموقع الجديد الذي جرى إطلاقه منذ أيام قلائل يعد إضافة «معتبرة»، إلى ما يعتمده الرئيس الروسي من مفردات لدعم «ماكينته» الدعائية التي يتكئ عليها اليوم في مواجهة الحرب الإعلامية الغربية الشديدة الوطأة التي تعالى سعارها على وجه خاص بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية.
وبغض النظر عن الشكل الذي يصفونه بـ«العصري» للموقع الجديد وبعيدا عن اعتراف الرئيس بوتين بأنه ليس من هواة الإنترنت وقليلا ما يلجأ إلى خدماتها، فإن الحدث يظل في حد ذاته مثيرا للدهشة والاهتمام على خلفية ما تحفل به الخريطة الإعلامية الرسمية من فعاليات.
في أحد لقاءاته مع عدد من أبرز رموز الصحافة والإعلام في روسيا، اعترف فلاديمير بوتين بأنه لا يطلع على الصحف ولا يتابع الإذاعات والقنوات التلفزيونية إلا لماما. ورغم أنه عاد ليكرر في حديثه معهم أن ما يقدمونه من إنتاج إعلامي لا يحظى باهتمامه ولا يعنيه كثيرا، فإن ذلك لا ينفي أنه يبدو حريصا كل الحرص على معرفة كل ما يدور حوله وما يكتب عنه وعن سياساته في الداخل والخارج من خلال جهاز صحافي مشهود له بالكفاءة، لا سيما بعد أن تولى بوتين بنفسه اختيار القائمين عليه سواء من جهاز وزارة الخارجية الروسية، أو من «أجهزة القوة» وهو الاسم الذي يطلقونه على أجهزة الأمن والمخابرات والقوات المسلحة والنيابة العامة.
وبهذه المناسبة، نشير إلى أن الرئيس بوتين كان قد وقع اختياره على ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين اليوم، خلال زيارة كان يقوم بها لتركيا في أولى سنوات ولايته الأولى، وكان بيسكوف يعمل سكرتيرا أول في السفارة الروسية هناك.
ومن هذا المنظور يمكن تفسير الاهتمام الإعلامي الكبير بإطلاق الموقع الإلكتروني الجديد للكرملين الذي حرص الجهاز الصحافي التابع لإدارة الرئيس الروسي على تقديمه بما يليق به من مكانة وتقدير. وقد جاء موعد إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد في توقيت مواكب لذروة الحملات الإعلامية الغربية التي يواجهها الرئيس بوتين منذ اندلاع أولى شرارات الأزمة الأوكرانية وما تبعها من تداعيات فتحت عليه «أبواب جهنم»، وكانت مقدمة لفرض العقوبات السياسية والاقتصادية ضد روسيا وكثيرين من أعضاء النسق الأعلى للسلطة. وقال ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس الروسي ونائب رئيس ديوان الكرملين المشرف على الجهاز الصحافي، إن الموقع الجديد يتسم ببساطة وعصرية أكثر من الذي كان قبله، والذي لم يستمر أكثر من 5 سنوات. فقد كان الموقع القديم الذي أنشأه الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف المعروف بولعه بالإلكترونيات والإنترنت، يتضمن خانة خاصة بالمركز الصحافي في صدر الصفحة الأولى للموقع، بما يمكن الانطلاق منها نحو الهدف على نحو أسرع من الوضع الراهن الذي يحتم المرور عبر كثير من الأخبار قبل العثور على الموقع المراد في ذيل الصفحة الأولى. على أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن الموقع الجديد يبدو أقرب إلى الموسوعة التي يمكن أن توفر للمرء كل أشكال المعارف والمعلومات المتعلقة بنشاط الرئيس وما يستند إليه من وثائق دستورية وتشريعية في نشاطه رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة، بما في ذلك المواد المصورة، بما في ذلك أشرطة الفيديو والتصوير الفوتوغرافي منذ ولج الرئيس بوتين إلى الكرملين في عام 2000. كما أن الموقع الجديد لا يقتصر على تغطية نشاط الرئيس وما يتعلق بسياساته ولقاءاته، بل ويضم أيضا دليلا متكاملا لكل الهيئات والتنظيمات التابعة للرئيس وديوان الكرملين ومنها «مجلس الأمن القومي الروسي»، فضلا عن معلومات مفصلة عن كل العاملين في ديوان الكرملين بما في ذلك صورة من إقرارات الذمة المالية تشمل تسجيلا وافيا لممتلكاتهم وعقاراتهم، وقيمة ما يتقاضونه من مرتبات ودخول مادية.
وفيما ظهر من سارع بانتقاد الموقع الجديد للكرملين بحجة أنه لا يتيح الفرصة لتسجيل الآراء وتقدير السياسات، قال القائمون على الموقع إن «الزائر» يستطيع التعليق على أي من نشاطات الرئيس، بل ويسجل طلبه للقاء أي من مسؤولي الكرملين من خلال أرقام الهاتف المسجلة أو التردد على أي من العناوين المدرجة ضمن خانات هذا الموقع.
غير أن مفردات السياسة الإعلامية للكرملين لا تقتصر على المواقع الإلكترونية، بل تتعداها إلى أشكال متفرقة ثمة من يقول إنها تبدو عوضا عن التخلي عن اللقاءات الصحافية الأسبوعية التقليدية «البريفنج» للمتحدث الرسمي باسم الكرملين، التي كانت القيادة السوفياتية ثم الروسية اتبعتها تقليدا لما يحدث في البيت الأبيض الأميركي منذ النصف الثاني من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
وإذ كنا سجلنا على صفحات «الشرق الأوسط» في إطار انتقاداتنا للسياسة الإعلامية للكرملين في مطلع الولاية الأولى للرئيس بوتين، إغفال عقد مثل هذه اللقاءات وتحاشي المتحدث الرسمي باسمه، وكان آنذاك ألكسي غروموف الذي يشغل اليوم منصب النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين، اللقاء مع الصحافيين، نشير إلى أن الرئيس بوتين وجهازه الصحافي يبديان كثيرا من الحرص في السنوات الأخيرة على التواصل ليس فقط مع الأوساط الصحافية، بل والتجمعات الشعبية، والمواطنين من خلال عدد من الفعاليات الدورية.
ومن هذه الفعاليات التي صارت تقليدا راسخا يلتزم به بوتين وأجهزته للتواصل مع الأوساط الاجتماعية والسياسية والاجتماعية، المؤتمر الصحافي السنوي الذي يدعو إليه بوتين ليس فقط الصحافيين المحليين والأجانب من المعتمدين لدى العاصمة الروسية، بل أيضا يدعو مراسلي وموفدي الصحف الإقليمية المحدودة الانتشار من مختلف صغريات المدن والمناطق الروسية.
وإضافة إلى ذلك، المؤتمر الصحافي السنوي الذي تتغير مواعيد انعقاده بين الصيف والشتاء، فيحرص بوتين على لقاء سنوي مباشر مع مواطنيه عبر الأقمار الصناعية أو الإنترنت، يشاركه فيه عدد من مشاهير وأبرز رجالات السياسة والفن والأدب وممثلي الأوسط الاجتماعية، في القاعة الكبرى التي يتخذها بوتين موقعا للحوار مع عدد من مذيعي التلفزيون الروسي.
يذكر أن هذا الحوار السنوي المباشر يلقى اهتماما خاصا، حيث تبدأ في الترويج له مبكرا، كل وسائل الإعلام في إطار الدعوة العامة للمواطنين لسرعة تسجيل طلباتهم للحديث إلى بوتين سواء من خلال الرسائل التليفونية المصورة أو الهاتفية أو المكتوبة، وهي الطلبات التي يعكف مركز خاص تابع للكرملين على تبويبها وإعدادها للعرض في اليوم المشهود الذي حدده الكرملين هذا العام في الخميس المقبل 16 أبريل (نيسان) الحالي.
وبهذه المناسبة، قال بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، إن الحوار المباشر لبوتين هذا العام يحظى باهتمام متزايد عن سابقيه من لقاءات الأعوام الماضية؛ حيث تتضاعف أعداد الرسائل الواردة إلى الكرملين للمشاركة في هذا الحوار بما يزيد على الحوارات السابقة بثمانية أضعاف، ما يبدو تأكيدا لازدياد شعبية الرئيس من جانب مواطنيه، على عكس ما تروج له الأوساط الغربية، ونكاية على ما يبدو في محاولاتها فرض العزلة على روسيا وقياداتها السياسية. وقد أكد بيسكوف ذلك في تصريحاته لصحيفة «كوميرسانت» الروسية التي قال فيها إن «التفسير المنطقي للإقبال غير المسبوق على المشاركة في حوار هذا العام يمكن أن يتمثل في رغبة المواطنين مشاطرة زعيمهم مواجهة التحديات الخارجية الجدية والأحداث المصيرية الراهنة». وكشف بيسكوف عن أن «أسئلة المواطنين وتعليقاتهم هذا العام تتضمن مطالبتهم للرئيس بأن يكون أكثر حسما في مواجهة الخصوم وأشد قوة في الدفاع عن مصالح الوطن».
ومن الممكن أن نضيف إلى ما سبق أن أشرنا إليه من مؤتمرات صحافية وحوارات تلفزيونية مباشرة، ما يعقده بوتين من لقاءات مع أعضاء الجبهة الشعبية التي اختارها لتكون سندا اجتماعيا له في مواجهة الملمات أو الإعداد للمناسبات الوطنية المهمة التي تبدو إطارا أوسع نطاقا من الحزب الحاكم الذي لطالما وقف وراء انتخابه رئيسا للبلاد خلال ولايتيه السابقتين، لكنه عاد وأعلن عن تشكيل الجبهة الشعبية بديلا لذلك الحزب، من ممثلي الكيانات والتجمعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، ومنها اتحاد النقابات العمالية والمهنية والمنظمات الشبابية والطلابية وقدامي المحاربين.. وغيرها من المؤسسات التي تجمع ممثلي كل الطوائف والمهن في روسيا الاتحادية. ولا نستطيع أن نغفل في هذا الصدد لقاءات الرئيس مع من تختارهم الدولة لتكريمهم بأوسمة وميداليات الوطن في كل المناسبات، التي ثمة ما يشير إلى أنها تظل ركنا رئيسا من أركان اتساع نطاق شعبيته وجماهيريته وسندا أساسيا يتكئ عليه حين الضرورة.
ومن الممكن أيضا في السياق ذاته، التوقف عند ازدياد عدد البرامج الحوارية (توك شو) التي تبثها مختلف القنوات التلفزيونية سواء الفضائية أو عبر الإنترنت، وتختار لها وقت الذروة موعدا يجمع أكبر قدر من المشاهدين مساء كل يوم. ومن هذه البرامج «حق القول» الذي تذيعه القناة الأولى، و«حق المعرفة» على شاشة القناة الثالثة، و«أمسية مع فلاديمير سولوفيوف» على شاشة القناة الثانية الرسمية، فضلا عن برامج أخرى كثيرة تتناثر على الخريطة الإعلامية على مدار الساعة، بما يجعل بوتين في مأمن من أن يقف وحده في مواجهة تلك الحروب الإعلامية الغربية الشرسة التي كانت ولا تزال تستهدف الإطاحة به وبنظامه منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. ولعل كل هذه الركائز الإعلامية يمكن أن تكون تفسيرا لارتفاع شعبية الرئيس الروسي إلى ما فوق الثمانين في المائة.
وفي هذا الصدد يتوقف كثيرون عند ما يتمتع به بوتين من قدرات خاصة، وهو الذي يبدو دائما في حواراته وسجالاته أكثر تحفزا واستعدادا لمنازلة محدثيه، متسلحا بما في حوزته من ملفات، وما يملكه من معلومات، وما تعلمه من فنون الحوار والمبارزة الكلامية خلال سنوات تدريبه وعمله في «كي جي بي»، وما يمتلكه من ترسانة هائلة من المفردات التي يحرص على انتقائها بعناية فائقة، متسلحا بالوفير من التواريخ والأرقام، تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها وشحذتها تدريباته في واحدة من أعتى المؤسسات الأمنية العالمية، تأكيدا على أنه لا يزال في موسكو الأكثر جدارة بامتلاك ناصية القول والسرد والتحليل وبما يجعله الأحق بالقول الفصل والكلمة العليا.. هكذا في موسكو يقولون!



آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».


لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».