كينيا: محاولات لتتبع مسار «طالب واعد» تحول إلى الإرهاب

نجل مسؤول حكومي التحق بـ«الشباب» بعدما واجه صعوبات في السفر إلى «داعش»

طالب يحمل وردة ويرتدي بدلة سوداء حدادا على ضحايا الهجوم على جامعة غاريسا خلال مظاهرة في نيروبي أمس (أ.ب)
طالب يحمل وردة ويرتدي بدلة سوداء حدادا على ضحايا الهجوم على جامعة غاريسا خلال مظاهرة في نيروبي أمس (أ.ب)
TT

كينيا: محاولات لتتبع مسار «طالب واعد» تحول إلى الإرهاب

طالب يحمل وردة ويرتدي بدلة سوداء حدادا على ضحايا الهجوم على جامعة غاريسا خلال مظاهرة في نيروبي أمس (أ.ب)
طالب يحمل وردة ويرتدي بدلة سوداء حدادا على ضحايا الهجوم على جامعة غاريسا خلال مظاهرة في نيروبي أمس (أ.ب)

جلست عبدية نور عبدي في الفناء منهكة إثر استجوابات السلطات الكينية. نظرت إلى صورة ابنها على صدر الصفحة الأولى لصحيفة يومية، فتوقفت لوهلة ثم دفعتها جانبا وبدأت بتمزيقها.
لم يكن ابنها فقيرا أو واحدا من المهملين، كما لم تبد عليه أمارات الغضب؛ بل كان يتهادى في سترته التي تبلغ قيمتها 200 دولار، باعتباره نجلا لمسؤول حكومي محلي. لكن خلال الأيام القليلة الماضية، تم تحديد ابنها عبد الرحيم عبد الله باعتباره واحدا من المسلحين الأربعة الذي قتلوا نحو 150 شخصا في إحدى الجامعات بشرق كينيا الأسبوع الماضي، حسبما تقول السلطات. وتعرض عبد الله نفسه، الطالب الواعد، إلى القتل برفقة المسلحين الثلاثة حينما اجتاحت القوات الكينية حرم الجامعة في غاريسا. وطاف ضباط الشرطة الشوارع في وقت لاحق بجثته العارية الممزقة بالرصاص والمسجاة في الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة.
قالت والدته «كان ابني مؤدبا ومطيعا. نحن جميعا في صدمة شديدة». غير أنه كانت هناك أسرار كبيرة تحيط بحياته، كما اعترفت والدته التي قالت إن آخر مرة تحدثت فيها مع ابنها تعود إلى عام كامل. فقد اتصل بها ابنها عبد الله وقال: «سأعود إلى المنزل بعد صلاة العشاء»، وكانت تلك آخر مرة يتحدث إليها، حسبما تقول عبدية.
تحاول السلطات الكينية أن تعرف كيف انتقل عبد الله (26 عاما) من الدراسة في كلية الحقوق بجامعة نيروبي، حيث أثار إعجاب زملائه من الطلاب بذكائه وألمعيته، إلى أن يصبح إرهابيا. ورغم أن أحياء كينيا الفقيرة كانت تعد منذ فترة طويلة تربة خصبة لاستمالة الشبان بالانضمام والقتال في صفوف تنظيم «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية مقابل وعود مادية كبيرة، كان عبد الله متعلما وأمامه مستقبل باهر. وتقول عائلته إنه بعد فقدانها الاتصال به، اختفى ببساطة. وأفادت السلطات الكينية بأن عبد الله قتل مع المسلحين الأربعة بعد محاصرته في المبنى الذي تناثرت به الدماء.
وأعلن تنظيم «حركة الشباب»، الذي استهدف كينيا بهجمات متعددة، مسؤوليته بابتهاج عن الحادث، ووصفه بأنه جاء انتقاما للتدخل العسكري الكيني في الصومال وتعهد التنظيم بإغراق المدن والشوارع الكينية بالدماء. صرح المسؤولون بوزارة الدفاع الكينية أول من أمس أن الطائرات المقاتلة الكينية قصفت معسكرين للتدريب تابعين لتنظيم حركة الشباب في الصومال، في أول رد فعل عسكري على مجزرة الجامعة، التي جاءت كأسوأ هجوم إرهابي في البلاد منذ نسف السفارة الأميركية في عام 1998. وتعهد الرئيس الكيني أوهورو كينياتا برد شديد على منفذي الهجوم. وقال المسؤولون العسكريون إنه يصعب تقييم الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية نظرا للسحب الكثيفة التي تغطي المنطقة. وقد اضطلعت كينيا بشن غارات جوية على الصومال بعد وقوع الاعتداءات الإرهابية في الماضي، وكان تنظيم حركة الشباب المتشدد يعلم بما هو آت، فلذا كان يخلي معسكراته بعد كل هجوم كبير ينفذه. وأصدرت حركة الشباب البيان المذكور وقالت فيه إن القنابل أخطأت أهدافها وسقطت في الحقول الخاوية.
وأمس، ندد نحو مائتي طالب في نيروبي بعجز الحكومة على حماية شعبها، وذلك في اليوم الثالث من الحداد الوطني الذي أعلن بعد مجزرة الثاني من أبريل (نيسان) الحالي في جامعة بلدة غاريسا. وأوقفت الشرطة الكينية مشتبها به سادسا في مجزرة جامعة غاريسا وتستجوب الآن 5 كينيين وتنزانيا بحسب وثيقة عرضتها الشرطة أمس أمام إحدى محاكم نيروبي. وسار الطلاب الذين ارتدى بعضهم الأسود حدادا حتى مقر الرئاسة الكينية في وسط المدينة، وضربوا بأيديهم لدى مرورهم على سيارات صارخين للسائقين «لستم في أمان». وقبل أن يبدأ الموكب في التفرق بعد الظهر تمكنت مجموعة صغيرة من الدخول لتسليم عريضة تطالب خصوصا بتحسين تجهيز قوات الأمن وإنشاء مراكز مراقبة مع شرطيين في حالة تأهب على مدار الساعة. وقال مكناب بوندي الأمين العام لرابطة طلاب الجامعة التقنية في كينيا «إنه لم يكن بالمستطاع إبقاء الشباب بعيدا فذلك سيسمح على الأقل بالحد من عدد الضحايا». واتهمت الصحافة الكينية السلطات بتجاهل بعض التحذيرات وانتقدت وحدات التدخل لتأخرها في الوصول إلى غاريسا أثناء الهجوم. وأوضح ستيفن مواديم الأمين العام لرابطة الطلاب في جامعة كنيايا في نيروبي «إن الدولة كان لديها معلومات استخباراتية بشأن هجوم محتمل في غاريسا ولم تتمكن من الرد بشكل مناسب»، مشيرا إلى عجز السلطات عن «ضمان سلامة أبناء وبنات هذا البلد». وطالب مواديمي بـ«إعادة تنظيم كاملة للجهاز الأمني» وكذلك «بانسحاب القوات (الكينية) من الصومال التي من المفترض أن تعود لتوفير الأمن في داخل البلاد». كما طالب بتعويض يقدر بنحو 20 ألف يورو لكل عائلة من عائلات الضحايا الذين سقطوا في المجزرة.
وهدد طلاب من الجامعات الأخرى بمقاطعة الدراسة ما لم تتحسن الأحوال الأمنية في جامعاتهم. كما انتقد بعض الطلاب الحكومة الكينية التي تملك أجهزة استخبارات كان يفترض أن تعلم مسبقا بالهجوم خلال مراحل التخطيط له وبالتالي إحباطه. ووعد المسؤولون الكينيون ببناء جدار على طول الحدود الكينية - الصومالية البالغة 242 ميلا، لكن ليس واضحا إلى أي مدى سيساعد ذلك الإجراء في منع هجمات في المستقبل. ووفقا للصورة التي قدمتها السلطات الكينية لشخصية عبد الله، فإن مشكلة التطرف ليست خارجية بقدر ما هي متأصلة داخليا.
نشأ عبد الله في مانديرا، وهي بلدة ذات طقس حار وتقع على خط التقاء الحدود الكينية - الصومالية - الإثيوبية. وهو مواطن كيني من أصول عرقية صومالية، وكان أداؤه جيدا في المدرسة الابتدائية حتى إن عمه شجعه على الالتحاق بالتعليم الثانوي في العاصمة نيروبي.
ويقول عبد السلام بيريك، أحد زملائه «كان ذكيا، ومجدا، ومؤدبا. وآخر مرة رأيته كانت عندما ذهب إلى الجامعة». كان عبد الله يعمل بعد الجامعة في أحد البنوك يدير مشروعا صغيرا. وقال أصدقاؤه إنه كان يعشق الملابس الفاخرة وكان يحب لعبة البلياردو. وتُظهر صوره شابا نحيفا أنيقا ذا لحية قوية. ووفقا لصحيفة «ديلي نيشن» الكينية الرئيسية، أراد عبد الله الانضمام إلى تنظيم داعش، لكن نظرا لعدم حصوله على جواز السفر، استقر به الأمر مع تنظيم حركة الشباب. وقالت والدته وأطفالها الستة إنه لم يظهر عليه أي اهتمام بالسياسة وليست لديهم أي فكرة كيف انتهى به الأمر إلى التطرف والإرهاب. وتقول أفراح، شقيقة عبد الله الكبرى «كانت هذه أول مرة نسمع فيها أخبارا عنه منذ اختفائه». كما تتذكره بأنه كان أخا مشفقا ومن مشجعي كرة القدم، وقارئا نهما. وأضافت تقول: «كان يحب رواية تاجر البندقية، وتلك الكتب والروايات الأدبية. أعتقد أنه تعرض لغسل مخ من قبل أحدهم ليقوم بفعل شيء بالنيابة عنهم». كانت شقيقته الأخرى خديجة (16 عاما) تبدو غاضبة وحزينة ومحبطة، وقالت: «لن يعود مرة أخرى» حيث ضربت بقبضتها على الطاولة أمامها.
يقع منزل العائلة على طريق ترابي على مسافة ليست ببعيدة عن وسط البلدة. وتقضي والدة عبد الله جل وقتها جالسة على سريرها في فناء المنزل، واجمة، وقالت: «لقد ذهب» ثم شرعت في البكاء.

* خدمة «نيويورك تايمز»



تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.


نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.