دراما «إيران النووية».. بين الخيال والواقع

من شعار «الموت لأميركا» إلى «قلوب قلقة»

دراما «إيران النووية».. بين الخيال والواقع
TT

دراما «إيران النووية».. بين الخيال والواقع

دراما «إيران النووية».. بين الخيال والواقع

في واحدة من المفارقات، التي تضيف بعض النكهة على التاريخ، عقدت آخر جولة من المحادثات النووية بين إيران ومجموعة دول «5+1»، بقيادة أميركية، في فندق الـ«بوريفاج» في مدينة لوزان بسويسرا. وكانت تلك المفارقة حاضرة عندما انتهت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى من دفن الإمبراطورية العثمانية، ورسمت شرق أوسط جديدا، من خلال معاهدة لوزان عام 1923. مع ذلك كما نعرف فإن التاريخ لا يعيد نفسه إلا إذا كانت هناك مهزلة. هذه المرة لم يكن ما خرج من فندق الـ«بوريفاج» معاهدة، بل فتات دبلوماسي بائس في شكل عدد من البيانات الصحافية المتضاربة التي أصدرها المشاركون.

طلب الرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال الأسبوع الماضي، من وسائل الإعلام الإيرانية عدم الحديث عن «اتفاق لوزان»، بل عن «محادثات سويسرا» حتى لا يعيد إلى الأذهان أحداث عام 1923. وبعد أسبوع من إعلان الرئيس أوباما «إنجازه الكبير» في إبرام اتفاق مع إيران بشأن مشروعها النووي المثير للجدل، بدأ الحماس الذي كان في نبرة الأطراف يخفت.
منذ البداية، زعمت إيران عدم التوصل إلى أي اتفاق، وأنه سيتم استئناف المحادثات بشأن اتفاق قريبا، أملا في كتابة مسودة اتفاق بحلول 30 يونيو (حزيران). وأسفر إصدار الولايات المتحدة، وإيران، والاتحاد الأوروبي، بيانات مختلفة وأحيانا متناقضة في نهاية المحادثات الماراثونية في لوزان بسويسرا عن كل أشكال التكهنات. وزعمت وزارة الخارجية الأميركية في بيانها أنه تم التوصل إلى اتفاق، وأن الجزء المتبقي يتعلق بالعمل على التفاصيل الخاصة بالتنفيذ. واستخدم عبارة «إيران وافقت» 18 مرة. مع ذلك لم يأت النص الإيراني على ذكر أي من الكلمات السبع التي توجد في اللغة الفارسية للتعبير عن أشكال الاتفاق المختلفة. واتهم محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، إدارة أوباما باللجوء إلى «التلاعب بالمعلومات» لتضليل الكونغرس والرأي العام الأميركي. وقال على تلفزيون طهران «لديهم مشاكل داخلية».

خطابا خصمين

وذهب حميد بعيدي نجاد، مدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية، الذي كان ضمن الفريق الإيراني في لوزان، إلى أبعد من ذلك، حيث قال «للأميركيين خطابهم، ولنا خطابنا. على سبيل المثال، يقول الأميركيون إنه لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم في منشأة فوردو، بينما نقول نحن إن التخصيب في فوردو سيستمر. ويقول الأميركيون إنه سيتم تدمير مفاعل الماء الثقيل في أراك، بينما نقول نحن إنه سيعاد تصميمه وسيتم تطويره».
من جانبهم، يؤكد الأميركيون أن «خطابهم» هو الصحيح، وأنه إذا كان الإيرانيون ينكرونه فهذا بسبب خوفهم من مواجهة معارضة داخل منظومة الخميني في طهران. الافتراض السائد الذي يتبناه أكثر المحللين هو أن المعارضة الوحيدة لاتفاق نووي تأتي من جانب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، والأغلبية من الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ في أميركا، وربما من بعض الدول العربية التي دائما لا تتم تسميتها. مع ذلك الحقيقة هي أنه توجد معارضة قوية لأي اتفاق داخل منظومة الخميني ذاتها، ناهيك عن المجتمع الإيراني ككل. وتأتي هذه المعارضة في خمسة أشكال:
الأول يمثل كل الذين يعارضون أي نوع من الاتفاق مع الولايات المتحدة التي يشيرون إليها بـ«الشيطان الأعظم» أو بـ«غرور العالم». ويقولون إنه رغم تخلي الرئيس أوباما عن كل الطلبات الأميركية السابقة، وكذلك عن الطلبات الواردة في ستة قرارات صادرة عن مجلس الأمن بشأن مشروع إيران النووي، فإنه لا يحق له منح إيران الحق في إنشاء صناعة نووية أو حتى تصنيع قنبلة. وقال حجة الإسلام رضائي، عضو البرلمان الإيراني، من طهران «لا يحق للأميركيين أن يملوا علينا أفعالنا. كيف يمكن أن نسمح لعدو الثورة رقم واحد بتحديد السياسات التي يحق لنا اتباعها؟». ويذهب أحد منظمي مؤتمر «الموت لأميركا» في طهران لأبعد من ذلك من خلال زعمه أن الهدف الأسمى للثورة الخمينية هو تدمير الولايات المتحدة مثلما دمرت حركة المجاهدين الأفغانية الاتحاد السوفياتي. ويقول اللواء نقدي، قائد قوات التعبئة «حتى استسلام الأميركيين غير المشروط ليس كافيا».
وتعد صحيفة «كيهان»، التي تخضع للإشراف المباشر لمكتب «المرشد الأعلى» علي خامنئي، هي رأس الحربة لهذا الشكل من المعارضة في طهران. ويقدم حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، تحليلا للسياسة العالمية يذكرنا بجماعة «عصابة الأربعة» المتطرفة داخل الحزب الشيوعي الصيني أثناء الثورة الثقافية. ورغم استخدام شريعتمداري لمصطلحات مماثلة غامضة، تقوم رؤيته للعالم على الزعم بأن الجنس البشري يواجه، في خضم صراع بين خطابات تحولية، خيارين: إما الحياة بالخضوع إلى الولايات المتحدة كقوة عظمى، أو الاحتشاد تحت لواء الثورة الخمينية في إيران من خلال صراع طويل الأجل يهدف إلى إنشاء عالم إسلامي جديد. لذا أي مواءمات تصل إليها كل من الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، حتى إذا حصلت من خلالها إيران على كل ما تريد في مشروعها النووي، لن تكون مرغوبا فيها إن لم تكن خطيرة، لأن هذا سوف يسبب «ارتباكا بشأن المعركة بين الخطأ والصواب». إضافة إلى تلك المعارضة الفكرية لسيناريو لوزان، هناك مجموعة أخرى تعارض اتفاقا محتملا بصورته التي ظهرت في عدة بيانات صحافية خلال الأسبوع الماضي.

قلوب قلقة

إنها تلك المجموعة التي يطلق عليها اسم «قلوب قلقة». وعقدت المجموعة خلال العام الماضي سلسلة من المؤتمرات في طهران، ومدن أخرى كبرى، في محاولة لحشد المعارضة ضد «التنازلات المجحفة» التي قدمها جناح رفسنجاني، الذي ينتمي إليه كل من الرئيس روحاني وظريف. وعبر علي رضا زاكاني، عضو البرلمان، وهو عضو بارز في المجموعة، عن قلقه من احتمال تجميد إيران لبرنامجها النووي على نحو يفرغه من معناه، لكن يجعله لعبة باهظة الثمن، في حين يستمر «الجانب الآخر» في شحذ سيف العقوبات، الذي يشبه سيف ديموقليس الذي يستخدم في الإشارة إلى أن لكل شيء ثمنا، لعقود إن لم يكن إلى الأبد. وفي بيان صدر الأسبوع الماضي، كتب زاكاني عن «12 خطا أحمر» على المفاوضين الإيرانيين مراعاتها في حال التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. المشكلة هي أن مراعاة تلك «الخطوط الحمراء» سوف تعني الاستسلام الكامل من جانب الولايات المتحدة وحلفائها دون تقديم الجمهورية الإيرانية لأي تنازل.
وكتب محمد سفاري، في مقاله الافتتاحي في صحيفة «السياسة اليوم»: «يقول ظريف إنه سيتم رفع العقوبات يوم التوقيع على الاتفاق. مع ذلك لا توجد أي إشارة في وزارة الخارجية الأميركية إلى رفع فوري لكل العقوبات. ولم يذكروا سوى تخفيف العقوبات على أساس تقارير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية». كذلك تعارض مجموعة «قلوب قلقة» أي شكل من أشكال التفتيش للمواقع حتى لو لم يكن هناك سوى صلة عسكرية ضعيفة. ويغطي هذا 14 من المواقع النووية في إيران والبالغ عددها 17. وحتى وقتها، سوف يوافقون على عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد موافقة إيران الكاملة على المفتشين، وطبقا لقواعد صارمة يتم إرساؤها تحت الإشراف الإيراني.
يأتي الشكل الثالث من أشكال المعارضة من جانب الذين يخشون أن تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الزجّ بالجمهورية الإسلامية في شبكة من العلاقات تقود إلى هيمنتهم على السياسة الإيرانية لأنهم أقوى من إيران. وتزعم المجموعة أنه لتحقيق ذلك ستدعم الولايات المتحدة جناح رفسنجاني، أملا في أن تكسب انتخابات المجلس التشريعي، ومجلس الخبراء، التي ستجرى العام المقبل والتي ستحدد اسم «المرشد الأعلى».
ولتولي السلطة بمساعدة قوى خارجية تاريخ طويل في السياسة الإيرانية؛ ففي بداية القرن التاسع عشر عقد فصيل داخل نظام قاجار اتفاقا مع روسيا القيصرية لترسيخ قوته. واتخذ الاتفاق شكل معاهدة تركمنجاي التي ينظر إليها الإيرانيون باعتبارها أحلك لحظة في تاريخهم الذي يصل إلى 3 آلاف عام. بموجب المعاهدة تم التنازل لروسيا عن كل الأراضي الإيرانية في جنوب القوقاز، ووضع الجوانب الأساسية للسياسة الإيرانية تحت الإشراف المشترك لروسيا وبريطانيا العظمى. والدور البارز، الذي اضطلع به الملالي، في كارثة تركمنجاي دفع البعض إلى عقد مقارنة بين ما حدث آنذاك وبين ما يحاول الملالي أن يفعلوه اليوم. وأطلق بعض المعلقين في إيران على بيانات لوزان وصف «لوزان جاي» في إشارة إلى معاهدة تركمنجاي. ويزعم حجة الإسلام مصطفائي أن «الأمر كله خدعة لتوجيه الجمهورية الإسلامية نحو العلمانية. سيتم الإبقاء على اسم الجمهورية الإسلامية، لكن من دون أن يحمل ذلك أي معنى. سنصبح جزءا من البدعة الأميركية».

اتفاق سري

يعتقد بعض المعلقين أن جناح رفسنجاني قد أبرم بالفعل اتفاقا سريا مع إدارة أوباما. ويأمل رفسنجاني أن يصبح مثل دينغ زيابوينغ في إيران، أي أن ينهي فصل الثورة، ويبدأ كتابة فصل جديد كحليف للولايات المتحدة يساعد في إقامة توازن جديد للقوى في الشرق الأوسط. وستكون هذه الخطة بمثابة صفقة رابحة لجميع الأطراف وعد بها روحاني؛ حيث ستربح الولايات المتحدة بإتمام انسحابها من الشرق الأوسط، في حين ستربح الجمهورية الإسلامية بأن تصبح «القوة العظمى» في الإقليم كما أشار أوباما. ورفضت صحيفة «راجا نيوز»، المقربة من الجناح المتشدد في طهران، في مقالها الافتتاحي يوم الجمعة الماضي، مزاعم ظريف بأن البيان الصادر في لوزان لم يكن سوى بيان صحافي لا يحمل أي قيمة قانونية. وطرح المقال تساؤلا مفاده «هل احتجنا تسعة أيام من المفاوضات للخروج ببيان صحافي؟ أم أنهم كانوا يعملون على معاهدة حقيقية لم يتم الإعلان عنها بعد؟».
أما الشكل الرابع لمعارضة سيناريو لوزان فيأتي من الذين يخشون من أن يعزز إنهاء الأزمة، ورفع العقوبات، نظام الخميني في أسوأ أشكاله ويطيل بقاءه. ومن المنتقدين أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإسلامية، والذي يقيم حاليا في منفاه في فرنسا. وقال بني صدر في مقال الأسبوع الماضي «يعني مصطلح الصالح القومي في إطار النظام السياسي الحالي صالح طبقة رجال الدين الحاكمة. وعوضا عن ذلك أنا أستخدم مصطلح الحقوق القومية الذي يشير إلى حقوق ومصالح كل الإيرانيين بوجه عام». ويصف بني صدر السياسات الإيرانية بأنها «كارثية»، ويزعم أن الشعب الإيراني لم يُخطر بحقيقة ما يحدث وما يتعلق بالمشروع النووي. كذلك يزعم بني صدر أن علي خامنئي «المرشد الأعلى» قرر «الانفتاح» على الولايات المتحدة، وقوى العالم، من أجل تفادي أي انفتاح في الداخل.

الولايات المتحدة تتودد إلى الجيش الإيراني

ويأتي الشكل الخامس من أشكال المعارضة من المؤسسة الأمنية ومؤسسة الجيش في إيران. إنهم يخشون أن يؤدي التوصل إلى اتفاق بشأن المشروع النووي يقتضي تفتيش مواقع عسكرية حتما إلى فتح قناة الاتصال بين الجيش الإيراني، والقوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية. لذا ربما تستخدم الولايات المتحدة عمليات التفتيش كغطاء لإقامة علاقات مع عناصر في الجيش الإيراني، وأجهزة الأمن، وربما يتم إغواؤها بالاستيلاء على السلطة؛ فالانقلاب العسكري هو أكثر طرق تغيير الأنظمة شيوعا في الشرق الأوسط على مدى الأعوام الـ150 الماضية. لذا يخشى الكثيرون في إيران أن تساعد إدارة أوباما في إرساء وضع يحل فيه النظام العسكري محل نظام الملالي، وهو ما يعيد آمال إيران التي يمتد عمرها لـ150 عاما إلى الوراء مرة أخرى.
ويقول المحلل حميد زمردي، مسؤول سابق في البحرية «سوف يرغب الجيش الإيراني في التوصل إلى اتفاق يمكنه من التمتع بنفوذ أكبر في السياسة الداخلية مع بناء إمبراطورية في الشرق الأوسط. كذلك سيحبون الحصول على أفضل وأحدث أسلحة وأشياء لا يستطيع تقديمها سوى الأميركيين». واستخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها طريقة عمليات التفتيش نفسها في العراق أثناء حكم صدام حسين وتمكنت من «تجنيد» عدد من الشخصيات البارزة في الجيش العراقي، كان من بينهم اثنان من أزواج بنات الحاكم المستبد صدام حسين. ويزعم مقدم فار، القائد في الحرس الثوري، أن الاتفاق سوف يمنح الجيش الإسرائيلي فرصة دخول «المواقع الحساسة» في إيران، وكذلك فرصة الاتصال بقادة إيرانيين. ويقول «لدينا مخاوف يجب التعامل معها بشأن البروتوكولات الإضافية الخاصة بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وعمليات التفتيش غير المعلن عنها، وإمكانية إطلاع جواسيس إسرائيليين وأميركيين على أسرارنا القومية».
ومع وضع الذين جاهروا بمعارضتهم لبيانات لوزان جانبا، فإن ما يهم المحللين هو صمت قطاعات مهمة في المؤسسة الإيرانية والمجتمع الإيراني بوجه عام. وأصدر اللواء حسن فيروز آبادي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، بيانا مميزا أعرب فيه عن أمله في أن تسفر محادثات لوزان عن اعتراف بـ«كل حقوق إيران».. ولا يمكن النظر إلى هذا التصريح باعتباره دعما. وكان صمت قادة عسكريين آخرين، من بينهم قادة بارزون في الحرس الثوري الإيراني، ملحوظا. وفجأة لم يعد أحد يسمع أي تعليق من أشخاص كثيري الظهور على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد. كذلك كان جواب آيات الله العظمى في مدينة قم، ومن بينهم أشخاص تابعون للحكومة، هو الصمت. وزعمت وسائل إعلام مؤيدة لرفسنجاني خلال الأسبوع الماضي أن ناصر مكارم الشيرازي، إحدى آيات الله العظمى، قد أشاد بـ«نتيجة» محادثات لوزان، وشكر الفريق الإيراني بقيادة ظريف. مع ذلك اكتفى مكتب آية الله ببضع دقائق لنفي ذلك الزعم رسميا. وحتى هذه اللحظة، الشخصية الدينية البارزة الوحيدة التي قدمت التهاني إلى إيران على محادثات لوزان هي البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية. والأمر الأبرز هو أنه حتى وقت كتابة هذه السطور، حتى خامنئي لم يصرح بأي شيء يتعلق بنتائج محادثات لوزان. ونشر محمد باقر قاليباف، عمدة طهران، مقال رأي يتجنب فيه القطع برأي محدد؛ فهو لم يرحب بنتائج محادثات لوزان، لكنه دعا الجميع لعدم استغلال هذا الأمر في «إحداث فرقة». ولا يمكن أيضا النظر إلى هذا الموقف باعتباره دعما.
ورجل الدين الوحيد، الذي أثنى على «النصر العظيم للإسلام في لوزان»، كان رفسنجاني، حيث ظل يتحدث كل يوم في محاولة لدعم تلميذه روحاني في وقت عصيب. كذلك لم يسمع أحد صوت محمد خاتمي، الرئيس السابق، وهو من رجال الدين من الرتب المتوسطة. وربما يرجع ذلك إلى منع ظهور اسمه، وصوته، وصوره، في وسائل الإعلام الإيرانية. كذلك وجه علي أردشير لاريجاني، رئيس المجلس التشريعي، وزعيم مجموعة نافذة لديها اتصالات جيدة بالغرب، خاصة بريطانيا العظمى، الشكر إلى الفريق الإيراني المفاوض، لكنه كان حذرا، وتفادى دعم ما رشح عن المحادثات من نتائج. أما صادق لاريجاني، شقيق علي، وهو ملا ذو مرتبة متوسطة، ورئيس السلطة القضائية؛ فرغم أنه شخص كثير الكلام، فقد كان متكتما على غير العادة. واتسم المناخ العام في البلاد بالترقب الحذر، فقد سئم الناس العقوبات، ويعانون من مصاعب ومشاكل اقتصادية. مع ذلك، لا يبدو أنهم قد اتخذوا موقفا واضحا بشأن سيناريو لوزان، ومن أسباب ذلك الروايات المتضاربة لكل من طهران وواشنطن، والقلق من احتمال «قيام الطرفين بترتيب الأمور» لخداع شعبيهما.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.