إجماع عربي على إنشاء القوة المشتركة.. ورؤساء الأركان يجتمعون خلال شهر لبحث التفاصيل

العربي عدها «ميلادًا جديدًا للجامعة».. وشكري: لا مجال لإضاعة مزيد من الوقت وسط التحديات

د. نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية (يسار) وسامح شكري وزير الخارجية المصري في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في اختتام القمة العربية بشرم الشيخ أمس (أ.ب)
د. نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية (يسار) وسامح شكري وزير الخارجية المصري في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في اختتام القمة العربية بشرم الشيخ أمس (أ.ب)
TT

إجماع عربي على إنشاء القوة المشتركة.. ورؤساء الأركان يجتمعون خلال شهر لبحث التفاصيل

د. نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية (يسار) وسامح شكري وزير الخارجية المصري في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في اختتام القمة العربية بشرم الشيخ أمس (أ.ب)
د. نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية (يسار) وسامح شكري وزير الخارجية المصري في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في اختتام القمة العربية بشرم الشيخ أمس (أ.ب)

احتفى الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، بقرار تشكيل قوة عربية مشتركة في المؤتمر الختامي للقمة العربية العادية الـ26، التي أنهت أعمالها أمس بمدينة شرم الشيخ. وقال العربي إن القوة العسكرية العربية تعد «ميلادا جديدا للجامعة»، فيما أشار شكري إلى أنها تؤكد أن الهوية العربية تتخطى اللغة والتاريخ المشترك لتعطينا زمام الحاضر وصنع المستقبل، مشددا على أن النقاشات التي شهدتها أعمال القمة، التي تترأس بلاده دورتها الحالية، لم تكن تعبيرا عن خلافات، «لكنها سبيل لإثراء العمل المشترك وتحصينه».
وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية إن صيانة الأمن القومي العربي كانت أهم ما صدر عن هذه القمة، وعد مبدأ إنشاء قوة عسكرية عربية بمثابة حلم وميلاد جديد للجامعة العربية. وأضاف العربي أنه كلف ببحث إجراءات تشكيل القوة، مع فريق من قادة الأركان بعد شهر، على أن تعرض النتائج على الترويكا العربية التي تضم الكويت الرئيس السابق للقمة العربية، ومصر الرئيس الحالي، والمغرب الرئيس المقبل للقمة العربية، ثم يتم عرض ذلك على باقي القادة العرب، ويحال الأمر بعدها إلى مجلس الدفاع العربي المشترك.
وشدد الأمين العام على أنه لا توجد وسيلة لإرغام أي دولة على المشاركة في القوة، مضيفا أن رؤساء الأركان سيجتمعون خلال شهر لبحث كل التفصيلات في ظل الموافقة الجماعية على مبدأ إنشاء القوة.
وبالنسبة للعراق وموقفه من القوة العربية المشتركة، قال العربي إن الموقف العراقي في هذا الصدد لا ينبع من معارضة الفكرة، وإنما تحفظ من جهة الشكل، انطلاقا من الحاجة إلى مزيد من التشاور، لافتا إلى أنه سيتم الاتصال بكل الدول الراغبة في إعداد الآليات المتعلقة بهذا الموضوع.
وقال الأمين العام إن العالم يتجه الآن إلى إنشاء وحدات جاهزة للتدخل السريع في الدول الراغبة في المشاركة في حالة الحاجة إلى ذلك، مضيفا أن حق الدفاع الشرعي العربي موجود في ميثاق الجامعة العربية والأمم المتحدة، وأن الوضع الحالي ليس تهديدات من دول، وإنما من تنظيمات، وأنه إذا كانت هناك تهديدات بشكل آخر مستقبلا، فسيكون لكل مقام مقال.
وأوضح العربي أن «تشكيل مثل هذه القوة سيكون رادعا، والأمر لا يتعلق بإعلان حرب»، مشيرا إلى أن مجلس الأمن والسلم العربي أنشئ منذ سنوات و«ظل حبرا على ورق، ولذلك تقدمت الأمانة العامة للجامعة العربية بمشروع جديد، ويمكن أن تكون القوة المقترحة قوة ردع أو حفظ سلام أو للإغاثة الإنسانية أو مراقبين، من خلال المرونة في استغلالها في ضوء طبيعة التهديدات». ونوه العربي بأنه لأول مرة «الدول العربية تقرر أن يكون هناك رد فعل جماعي إزاء التهديدات»، مضيفا أن التكامل الاقتصادي هو أيضا من متطلبات الأمن القومي العربي. ودعا إلى استكمال إجراءات إقامة الاتحاد الجمركي العربي. وأشار الأمين العام أيضا إلى الانتهاء من النظام الأساسي لمحكمة حقوق الإنسان العربية، لافتا إلى أنه «عند تصديق 7 دول عربية (على النظام الأساسي) ستدخل المحكمة حيز التنفيذ». وحول الأزمة السورية، قال العربي إن الجامعة العربية بذلت كل ما يمكن أن تفعله إزاء الموضوع السوري قبل إحالة الموضوع إلى الأمم المتحدة، مشيرا إلى أن أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون ذكر أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن فشلا في إيجاد حل.
وقال الأمين العام للجامعة إن الموضوع السوري بحث في الاجتماع الوزاري في 9 مارس (آذار) الحالي، مضيفا أن كل الأطراف قد فشلت حتى الآن، وأنه سبق التوصل إلى ضرورة أن يكون هناك تغيير يتعين أن يقرره الشعب السوري نفسه.
وفي ما يتعلق بالأزمة اليمنية، قال العربي إنه «كانت هناك تطورات منذ شهور وقتال في اليمن». وشدد على دعم الشرعية، فضلا عن ظهور روح جديدة لدى الجامعة والدول العربية التي قررت اتخاذ رد فعل جماعي لدعم الشرعية من خلال عمليات «عاصفة الحزم»، «انطلاقا من الشعور بضرورة أن نعمل معا في روح من التكافل والتكامل».
وشدد العربي على أن الجامعة العربية لا تنظر أبدا إلى «الخلاف المذهبي»؛ سنة وشيعة، على الإطلاق في تعاملها مع القضايا، لافتا إلى أن «إثارة الموضوع لها أغراض سياسية من بعض الدول لإثارة الفتنة، والمسلمين يتبعون كتابا واحدا، ولا يجب أبدا أن نسقط في هذا الفخ».
وحول دعوة محمود عباس في كلمته أمام القمة العربية لإنشاء ترويكا عربية للتوجه إلى الكونغرس الأميركي للتحرك إزاء القضية الفلسطينية، قال العربي إن بيان الرئيس الفلسطيني أظهر ازديادا في تأييد القضية الفلسطينية على مستوى العالم، وأن عودة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي عقبة يجب التغلب عليها، كما أن هناك عدم تفاهم بين الإدارة الأميركية وإسرائيل وأنه تجب الاستفادة من ذلك. ولفت إلى أن هناك آليات يجب التمسك بها، وهناك لجنة للتشاور، وأخرى لمبادرة السلام العربية توقفت منذ 3 سنوات. وفي ما يتعلق بالقيام بزيارة للولايات المتحدة، قال إنه «يمكن تحديد ذلك».
من جانبه، قال وزير الخارجية المصري خلال المؤتمر المشترك إن «هذه القمة شهدت الكثير من القرارات التي تغطى الكثير من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، سواء السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فضلا عن إعلان شرم الشيخ»، مشيرا إلى أن القمة تميزت «بالإرادة والتصميم على مواجهة التحديات التي يواجهها الأمن القومي العربي بكل حزم ووعي لما تمثله هذه التحديات من تهديد لبقاء الأمة وأمنها واستقرارها وتطلعات بنائها». وشدد شكري على أن النقاش الذي دار خلال القمة «لم يكن معبرا عن الاختلافات بقدر كاف كسبيل لإثراء العمل العربي المشترك أو لاستجلاء عدد من النقاط التي من شأنها أن تحصن قراراتنا من التأويلات عند تنفيذها»، لافتا إلى أن مصر حرصت خلال إدارتها لأعمال هذه الدورة «على أن يكون هذا هو منهجنا في الوصول إلى التوافق، إيمانا منها بضرورة أن تكون القرارات الصادرة عن القمة معبرة عن إرادة حقيقية حتى يمكن تحقيقها بشكل ملموس، فلا مجال لإضاعة مزيد من الوقت، فيما تجهز علينا التحديات من كل حدب وصوب».
وشدد شكري على أن قرار تشكيل قوة عربية كان أحد أوجه مواجهة الأمة العربية للتحديات التي تواجه أمنها القومي، وللتأكيد على «وجود هوية عربية تتخطى مجرد اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، لتعطينا زمام الحاضر وصنع المستقبل». وأوضح وزير الخارجية أن الأزمة والتطورات الخاصة بالأوضاع في اليمن كانت في صدارة الاهتمامات من جانب القادة خلال القمة؛ حيث حرص جميع القادة على تأكيد دعمهم للرئيس اليمنى الشرعي ولوحدة واستقرار وأمن اليمن باعتباره جزءا من الأمن القومي العربي بما يتطلب اللجوء إلى تقديم دعم سياسي وعسكري عربي لاستعادة الشرعية الدستورية استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
وأشار إلى أن القمة حرصت أيضا على متابعة الأوضاع الخطيرة في كل من سوريا وليبيا وتأكيدها على ضرورة دحر التنظيمات الإرهابية فضلا عن اعتزام الدول العربية الاستمرار في إيلاء القضية الفلسطينية الأهمية التي تتناسب مع محوريتها بالنسبة للأمة العربية التي يزداد إصرارها على حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، اتساقا مع مبادرة السلام العربية والشرعية الدولية.
وأوضح شكري أن «مصر وهى تترأس هذه الدورة تدرك حجم التحديات التي تواجهها الأمة العربية، ولكنها عازمة على العمل بكل جد كعهدها دوما مع الأشقاء العرب، لا لكي تجتاز التحديات فحسب، بل لتكون هذه الدورة برئاسة مصر نقطة انطلاق لتفعيل الرؤى العربية للتأثير في الحاضر ولصياغة المستقبل».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.