موجة التصحيح المالي قادمة.. فكيف التعامل معها؟

البورصات تنتعش ولكن.. الأزمات السياسية واليونان وسوق النفط مشكلات عالقة

بورصات العالم تنتظر موجة تصحيح قريب (إ.ب.أ)
بورصات العالم تنتظر موجة تصحيح قريب (إ.ب.أ)
TT

موجة التصحيح المالي قادمة.. فكيف التعامل معها؟

بورصات العالم تنتظر موجة تصحيح قريب (إ.ب.أ)
بورصات العالم تنتظر موجة تصحيح قريب (إ.ب.أ)

فيما تحقق البورصات الدولية إنجازات قياسية لعدم وجود بدائل استثمارية مجدية، يخشى البعض من وقوع انهيار تصحيحي في توقيت قريب. ما السيناريوهات المحتملة لموجة التصحيح التالية وما مصادر الخطر في أسواق المال حاليا؟
فبعد أن كسرت بورصة لندن حاجز السبعة آلاف نقطة، وهو الأعلى في تاريخها، خلال الشهر الحالي بينما يتم التداول في البورصات الأميركية والأوروبية عند حدود قياسية. كثير من الخبراء لا يرون مبررا اقتصاديا لهذه المكاسب خصوصا مع تدني أسعار النفط التي تشير إلى تراجع معدلات الإنجاز والنمو حول العالم، خصوصا في الصين. ولذلك يرجح كثير منهم أن تتعرض أسعار الأسهم لموجة تصحيح قريبة قد تكون حادة هذه المرة.
ولن تكون تلك مفاجأة لكثير من المستثمرين لأن أول قواعد الاستثمار في الأسهم تشمل توقع هزات تصحيحية تنخفض فيها الأسعار ما بين 10 إلى 20 في المائة بين الحين والآخر. ولكن المخاوف هذه المرة بلغت حد نصيحة شركات استثمار واستشارة لزبائنها بسحب استثمارات الأسهم مؤقتا وانتظار التصحيح قبل دخول البورصات للشراء مرة أخرى.
أحد هؤلاء هو سباستيان ليون مدير الاستثمار في شركة «تروجان» في لندن الذي قال إنه بدأ انسحابا منظما من الأسهم نحو الذهب والنقد والسندات ذات العوائد الثابتة. وهو يرى السوق حاليا مماثلة لما كانت عليه قبل انهيار «الدوت كوم» ويستعد لذلك باستراتيجية مماثلة لما اتبعه بنجاح سابقا. وهو يؤكد أن صناعة الاستثمار لا تحذر المستثمر الصغير بما يكفي من المخاطر المحتملة.
من ناحية أخرى يرى البعض أن موجة الارتفاع لن تنتهي قريبا وأن بدائل الاستثمار الأخرى تبدو غير جذابة وبعضها غير مجد. فمعدلات الفائدة على الودائع الادخارية في المصارف بلغت أدنى حدودها التاريخية، كما أن أسعار العقار متضخمة في الوقت الحاضر بحيث لا يبدو الشراء من أجل التأجير استثمارا جذابا. ولا يرى البعض بديلا عن الاستثمار في الأسهم.
وانعكس تراجع الفوائد على سوق السندات التي لم يعد الاستثمار فيها جذابا بالمرة، بل إنه يهدد بقية أركان السوق لأن معدلات الفوائد على بعض السندات كادت أن تصل إلى الصفر. فما حجم المخاطر المحتملة من انهيار تصحيحي في البورصات وكيف يمكن التعامل مع مثل هذا الوضع؟
يمكن القول إن أفضل وسيلة لمتابعة تطورات السوق هي مراقبة ما يفعله الأثرياء أنفسهم والقرارات الاستثمارية التي يتخذونها. كثير من الأثرياء يتخلصون الآن من ملكية الأسهم، ومنهم المستثمر الشهير وارين بافيت. وتقوم الشركة الاستثمارية «باركشير هاثاواي» التي يملكها بافيت بخفض ملكيتها للأسهم الأميركية، خصوصا تلك التي تعتمد على قرارات الشراء من المستهلك.
وهذا الشهر باعت الشركة 19 مليون سهم تملكها تتبع شركة جونسون أند جونسون كما خفضت ملكية أسهم الشركات الاستهلاكية بنسبة 21 في المائة.
الملياردير جون بولسون الذي بنى ثروته على توقع الأزمة الائتمانية في عام 2008 ينسحب هو الآخر من سوق الأسهم، وباع مؤخرا 16 مليون سهم في البنك الاستثماري جي بي مورغان تشيس بالإضافة إلى كامل ملكيته من أسهم شركات سارا لي وفاميلي دولار.
أما جورج سورس فقد باع معظمهم ما يملكه من أسهم البنوك ومنها سيتي كورب وغولدمان ساكس. وهو يستعد باحتياط هائل لدخول الأسواق مرة أخرى واستئناف الشراء فور تراجع الأسعار، الذي يتوقعه خلال العام الحالي.
من أفضل الكتب الاقتصادية مبيعا في أميركا حاليا كتاب اسمه «ما بعد الصدمة» لمؤلفه روبرت ويدرمير، التي ظهرت طبعته الأخيرة المعدلة مؤخرا، ويتوقع فيه تراجع أسعار الأسهم في البورصات الدولية بنسب قد تصل إلى 90 في المائة، في السيناريو الأسوأ. وكان ويدرمير قد توقع بنجاح في عام 2006 انهيار أسعار العقار الأميركي والأزمة الائتمانية الذي جاءت في عام 2008.
ويرجح ويدرمير أسباب توقعاته بمثل هذا الانهيار بالإشارة إلى سياسة الاحتياطي الفيدرالي لطباعة أوراق البنكنوت تحت شعار التيسير الكمي (الذي أقبلت عليه أوروبا أيضا) في محاولة لإنعاش الاقتصاد الأميركي. وهو يعتقد أن التأثير الأوضح لمثل هذا الضخ المالي هو ارتفاع مفاجئ للتضخم.
وفق هذا السيناريو سوف تفقد السندات قيمتها وترتفع أسعار الفائدة بشدة وتنعكس سلبيا على تكاليف القروض العقارية مما قد ينتج عنه انهيار قطاع العقار أيضا. وقد يدفع هذا الوضع الشركات إلى الحد من تكاليف اقتراضها التي تزيد عن هوامش أرباحها مما يدفعها إلى خفض عوائد الأسهم وتسريح العمالة. وهذا قد يكون أحد أسباب تخلص الأثرياء من الأسهم في الوقت الحاضر، بحيث يمكن أن يتحمل صغار المستثمرين كل الخسائر المحتملة.
من المخاطر المحتملة الأخرى أيضا استمرار تراجع الدولار الذي فقد 16 في المائة من قيمته في العام الماضي وتصاعد الديون الحكومية الأميركية قياسيا. وفيما تستمر دورات الأعمال في المتوسط نحو 3 سنوات بين هزات التصحيح المالي، فإن الموجة الحالية مستمرة في التصاعد لمدة 7 سنوات متتالية ويرى البعض أنها استنفدت طاقتها. ويعتبر الاقتصاديون أن احتمالات التصحيح المالي هذا العام أكبر مما كانت عليه في عام 2013.
وهناك عدد من السيناريوهات التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث تصحيح مفاجئ منها:
> أزمة اليونان الاقتصادية وحجم الديون الهائل المتراكم على اقتصادها إلى درجة قد تؤدي إلى فشل المفاوضات الحالية للبقاء ضمن منطقة اليورو. وإذا خرجت اليونان سوف تتغير فرضيات متعددة حول اليورو وتشتد المضاربة على الدولة التالية. وتنعكس مثل هذه الصدمة على الأسواق المالية فورا.
> أزمة أوكرانيا: ليس من المتوقع أن تؤدي أزمة أوكرانيا إلى حرب بين روسيا والغرب ولكن الفوضى في أوكرانيا وتشديد العقوبات على روسيا التي تعاني بالفعل من أزمة اقتصادية خانقة خصوصا مع تراجع أسعار النفط، يمكن أن يؤدي إلى تفاعلات سلبية على الأسواق المالية.
> الصين: هناك تراجع واضح في نسب نمو الصين، ينعكس على الأسعار المتدنية للنفط والمواد الخام الأخرى. وإذا انضمت المنطقة الآسيوية إلى الصين في تراجع معدلات النمو يمكن أن تكون بدايات انهيار أسواق المال من آسيا.
> تراجع أسعار النفط: ينظر البعض في الغرب إلى تراجع أسعار النفط على أساس أنه عامل إيجابي لأنه يوفر للمستهلك مبالغ يمكن أن ينفقها في مجالات أخرى. ولكن انعكاسات تراجع الأسعار تطال الكثير من صناعات الطاقة فالاستثمار في الطاقة البديلة شبه مجمد حاليا وكذلك مجال التنقيب واستخراج النفط من مناطق عالية التكلفة. ويشير تراجع الأسعار إلى ضعف ما في الهيكلية الاقتصادية العالمية التي انعكست بالفعل على مجال المواد الأولية وقد تعم على قطاعات أخرى.
> السياسات المالية: لا تتوافق أسعار البورصات القياسية حاليا مع السياسات المالية التي ما زالت تعتبر أن الاقتصاد الغربي لم يخرج من مرحلة الكساد بعد. الدليل على ذلك أن أسعار الفائدة المتدنية وسياسات التيسير الكمي ما زالت سارية المفعول في أوروبا. وإذا زادت أسعار الفائدة، وهو أمر وارد في أميركا هذا العام يمكن أن ينعكس ذلك سلبيا على أسعار الأسهم. وتشبه المرحلة الحالية إلى حد كبير ما شهدته الأسواق في نهاية التسعينات وقبل انهيار عام 2000. وتتسم المرحلة الحالية بدرجة كبيرة من عدم استقرار الأسعار. وكانت أسعار النفط قد شهدت تراجعا بين عام 1996 و1998 قبيل انهيار البورصات في عام 2000. وعندما جاء التصحيح حينذاك أعاد معدلات الأسعار إلى ما كانت عليه في عام 1996، أي إلى 4 سنوات قبل هوجة «الدوت كوم» التي شهدت أفرادا يتركون أعمالهم للتفرغ لبيع وشراء الأسهم على الإنترنت.
ولكن انهيار عام 2008 كان أسوأ وأكثر حدة لأنه أعاد مستوى أسعار الأسهم إلى ما كانت عليه في عام 1995. وبعضها لم يتعاف إلى مستويات عام 2007 إلا مؤخرا. الآن وقد مر على موجة ارتفاع البورصات أكثر من 7 سنوات، فإن موجة التصحيح قد تأتي أعمق من المتوقع وأكثر ألما للمستثمرين.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.