قوات الحشد الشعبي تنسحب بعد بدء هجمات التحالف على تكريت

ميليشيا «عصائب أهل الحق»: انسحبنا لأننا لا نثق بالأميركيين * وزير الدفاع العراقي: العمليات بداية التوجه نحو الشمال والغرب

وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في طائرة سوخوي 25 الروسية في قاعدة جوية قرب بغداد أمس (رويترز)
وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في طائرة سوخوي 25 الروسية في قاعدة جوية قرب بغداد أمس (رويترز)
TT

قوات الحشد الشعبي تنسحب بعد بدء هجمات التحالف على تكريت

وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في طائرة سوخوي 25 الروسية في قاعدة جوية قرب بغداد أمس (رويترز)
وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في طائرة سوخوي 25 الروسية في قاعدة جوية قرب بغداد أمس (رويترز)

بعد ساعات من إعلان الرئيس العراقي فؤاد معصوم أن طيران التحالف الدولي على وشك توجيه ضربات على مواقع تنظيم داعش في مدينة تكريت المحاصرة منذ نحو 12 يوما، أعلن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي بدء معركة تحرير مدينة تكريت وذلك في وقت متأخر من مساء أول من أمس الأربعاء. وفي كلمة متلفزة له قال العبادي: «إنني أعلن اليوم البدء بالفصل الأخير من استكمال عملية تحرير محافظة صلاح الدين من يد تنظيم داعش كما وعدنا الشعب العراقي»، مؤكدا أن «ساعة الخلاص والانتصار قد حلت وحل الربيع لتعود صلاح الدين إلى حضن الوطن من جديد». وأضاف أن «الحكومة عازمة على تحرير كل شبر من أراضي العراق احتله تنظيم داعش، وسترفع راية العراق وفق التوقيتات التي خططنا لها سلفا عند إطلاق العمليات العسكرية».
من جهته أكد وزير الدفاع خالد العبيدي أن الضربات الجوية التي نفذت منذ ليل (أول من) أمس أثرت تأثيرا مباشرا على المجاميع «الإرهابية». وقال في مؤتمر صحافي خلال زيارته لقاعدة الرستمية إن «أسلوب التعامل مع التحالف الدولي ومعالجة الأهداف يأتي بناء على طلب القادة الميدانيين على الأرض». وأضاف أن «قيادة القوات على الأرض بيد قوات الجيش العراقي»، مبينا أنه «يوجد قائد واحد يتعامل مع العمليات المشتركة والتحالف الدولي»، مرجحا أن «تحسم الصفحة الأخيرة من معركة صلاح الدين قريبا»، موضحا أن «تحرير تكريت هو خط الشروع للتوجه نحو الشمال والغرب».
إلى ذلك أكد الناطق الرسمي باسم عصائب أهل الحق نعيم العبودي عدم مشاركتهم في معركة تكريت. وقال العبودي لـ«الشرق الأوسط» إن «فصائل المقاومة الإسلامية وعصائب أهل الحق وفصائل المقاومة الأخرى علقوا كل مشاركاتهم في المعارك التي تجري داخل تكريت». وأضاف العبودي أن «مشاركة طيران التحالف في المعركة هو سبب تعليق المشاركة في العملية».
وأوضح العبودي أن «فصائل المقاومة الإسلامية لا تثق بالولايات المتحدة الأميركية وأن التحرير الذي حدث في العراق هو بأيد عراقية بحتة 100 في المائة، والانتصارات الكبيرة التي تحققت هي انتصارات عراقية، وأن الأميركان يريدون قطف ثمار هذا النصر الذي تحقق من قبل أبناء الشعب العراقي وحدهم». وكانت كل من حركة النجباء وسرايا الدفاع الوطني وبدر وكتائب حزب الله والعصائب قد أعلنوا تعليق مشاركتهم في هذه المعركة.
واستأنفت القوات العراقية هجومها على مدينة تكريت بعدما عززت موقعها بالدعم الجوي القوي الذي قدمته الولايات المتحدة أخيرا لطرد مسلحي «داعش» الذين استولوا على هذه المدينة قبل 9 أشهر. وبعد تدخل التحالف انسحبت قوات الحشد الشعبي الشيعية من عملية استعادة تكريت، حسبما أعلن ضابط أميركي.
وشارك سلاح الجو الفرنسي لأول مرة في العمليات العسكرية في العراق ضد تنظيم داعش، وأعلن ناطق باسم رئاسة أركان الجيوش الفرنسية أن فرنسا شنت مساء الأربعاء للمرة الأولى ضربة جوية في منطقة تكريت التي تحاول القوات العراقية استعادتها من تنظيم داعش.
وقال الناطق: «وجهنا ضربة مساء (أول من) أمس في إطار مهمة التحالف في منطقة تكريت»، موضحا أنها المرة الأولى منذ الهجوم العراقي على تكريت. ولم يحدد المسؤول الطائرات الفرنسية التي نفذت الضربة أو الأهداف التي أصيبت.
وكانت واشنطن متحفظة على التدخل المباشر في المعركة التي تقودها فصائل شيعية مدعومة من إيران. لكن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بدت حريصة على تأكيد دورها كشريك رئيسي لبغداد في حربها ضد تنظيم داعش.
وشنت واشنطن الغارات بطلب من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، كما قالت القيادة الأميركية التي تشرف على هذه الضربات.
وأعلن مسؤول دفاعي أميركي لوكالة الصحافة الفرنسية: «الآن بدأت فعلا العملية لاستعادة تكريت».
وقال اللفتنانت جنرال جيمس تيري المشرف على القيادة المكلفة الجهود الحربية الأميركية إن «هذه الغارات تهدف إلى تدمير مواقع لتنظيم داعش بدقة وتفادي سقوط ضحايا أبرياء من العراقيين وتجنب إلحاق أضرار بالبنى التحتية».
وأضاف أن «ذلك من شأنه تعزيز قدرة القوات العراقية تحت القيادة العراقية على المناورة والانتصار على تنظيم داعش في منطقة تكريت».
وليس واضحا عدد المدنيين العالقين حتى الآن داخل مدينة تكريت، لكن متحدثا باسم الهلال الأحمر قال الأسبوع الماضي إن أكثر من 30 ألفا أو أقل الأعداد المتبقية في داخل المدينة. وعبرت واشنطن عن تحفظها الشديد على الدور الذي تلعبه المجموعات الشيعية التي اتهم بعضها بإساءات خطيرة.
وكان المتحدث باسم البنتاغون الكولونيل ستيفن وورن صرح في لقاء مقتضب مع الصحافيين في البنتاغون أول من أمس بأن الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة هو الشريك الأفضل للعراق. وأضاف أن العراقيين كانوا واثقين من النصر عند بدء الهجوم لاستعادة تكريت في مطلع الشهر الحالي، إلا أن «القتال في الشوارع أمر صعب وبطيء» والائتلاف يملك قدرات عسكرية لا تضاهى.
وتابع وورن: «أعتقد أنه من المهم أن يدرك العراقيون أن أكثر ما هم بحاجة إليه في معركتهم ضد تنظيم داعش هو شريك يمكن الوثوق به».
وأضاف أن «القدرات العسكرية المتطورة والمحترفة والتي يمكن الاعتماد عليها أمور من الواضح جدا أنها جزء من الائتلاف الدولي».
ودافعت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي عن جهود التحالف لإعادة سيادة العراق، التي كانت على شفا حفرة قبل 9 أشهر.
وقالت: «ما يقرب من 3 آلاف ضربة قتلت الآلاف من مقاتلي (داعش) وعددا كبيرا من القادة، ودمرت نحو 1500 عجلة ودبابة، وأكثر من مائة مدفع وقذائف هاون، ودمرت كذلك 3400 موضع قتالي ومعسكر تدريبي وساتر في العراق وسوريا».
وتصر الفصائل التي تحظى بدعم إيراني على أنها قادرة على أداء العمل بمفردها ودون دعم طيران التحالف وهددت بالانسحاب من العملية إذا تدخل طيران التحالف.
وقد أعلن قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال لويد أوستن خلال جلسة في مجلس الشيوخ أمس أن قوات الحشد الشعبي الشيعية العراقية انسحبت من الهجوم على مدينة تكريت شمال العراق.
وقال الجنرال أوستن بأن «الميليشيات الشيعية انسحبت من منطقة» تكريت، وأن نحو 4 آلاف عنصر من القوات الخاصة والشرطة العراقية يشاركون الآن في العملية الجارية لاستعادة المدينة من تنظيم داعش التي بدأت قبل 3 أسابيع.
وتريد واشنطن أن تكون القوات العراقية النظامية المستفيد الرئيسي من عودتها إلى الساحة العراقية التي انسحبت منها في 2011 بعد 8 سنوات من الاحتلال.
وأعطى الرئيس الأميركي باراك أوباما موافقته لشن الغارات شرط أن تضطلع القوات العراقية بدور أكبر في الهجوم بدلا من الميليشيات الشيعية التي تدربها وتسلحها إيران.



العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.