مساعد رئيس «أمن الدولة» السابق: عناصر بمخابرات غزة حصلت على الجنسية المصرية خلال حكم مرسي

اللواء خيرت لـ «الشرق الأوسط» : طرد ضباط موالين للمتطرفين من الخدمة بعد رصد ترددهم على تركيا

اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
TT

مساعد رئيس «أمن الدولة» السابق: عناصر بمخابرات غزة حصلت على الجنسية المصرية خلال حكم مرسي

اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)

سيل من المعلومات الخطيرة يكشف عنه أحد قادة جهاز أمن الدولة المصري المهمين، هو اللواء عبد الحميد خيرت، الذي ظل يعمل في الجهاز سنوات طويلة بما فيها فترة هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على البلاد بعد عام 2011. من بين المعلومات قيام الإخوان بإبعاد عشرات القيادات الأمنية، من رتب «اللواءات» و«العمداء» و«العقداء»، عن العمل، بعد أن كانوا يمثلون بخبرتهم عصب الجهاز الأمني، وقيام الإخوان أيضا بتعطيل عمل الإدارات الخاصة بمنع تهريب الأسلحة من الخارج.
ويقول إن هذا الأمر تسبب في تدفق ألوف الإرهابيين على البلاد، خاصة في سيناء، قادمين من دول عربية وأجنبية، ودخول الآلاف من قطع الأسلحة المهربة من ليبيا والسودان، بما فيها صواريخ مضادة للطائرات.
ويعرف جهاز أمن الدولة أيضا بـ«الأمن الوطني»، أو «المخابرات الداخلية». وعمل اللواء خيرت مساعدا لرئيس الجهاز اللواء مجدي عبد الغفار، الذي أصبح منذ نحو أسبوعين وزيرا للداخلية. ويسلط خيرت الضوء، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على تفاصيل دقيقة قامت بها جماعة الإخوان لتعطيل عمل إدارات أمنية رفيعة كانت مختصة لعقود بملاحقة المتطرفين والإرهابيين ومهربي الأسلحة.
يبدو أن هذا السلوك اتبعته الجماعة في دول وصلت فيها للسلطة بعد «ثورات الربيع العربي» كتونس وليبيا. لهذا يقول اللواء خيرت إن ملاحقة الإرهاب - في مثل هذه الدول - سيكون صعبا ويستغرق وقتا، مشيرا إلى أنه، مع ذلك، تمكن جهاز الأمن المصري من توقيف 313 خلية إرهابية نوعية خلال الأشهر الأخيرة.
وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* جرى فصل ضباط شرطة من وزارة الداخلية لارتباطهم بجماعات متطرفة، لكن هل يمكن أن يكونوا وراء بعض التفجيرات النوعية التي وقعت في البلاد، وهل ما يقال عنهم مبني على معلومات أم مجرد تحليل وتكهنات، برأيك؟
- دعنا نقل إنه تحليل أقرب للمعلومة بحكم الخبرة الأمنية. اقترن هذا الأمر بتصعيد وتغيير في الحركة في الشارع وارتبط باحترافية في اختيار أماكن تنفيذ التفجيرات.. هذا التصعيد بدأ خلال الفترة الأخيرة، أي خلال الشهر أو الشهرين الأخيرين. وهذه هي الفترة التي جرى فيها استبعاد عدد من الضباط الذين يعملون في وزارة الداخلية وعددهم نحو 31 ضابطا، من رتبة الملازم إلى رتبة العقيد.
* وعلى أي أساس جرى استبعادهم من العمل بجهاز الشرطة؟
- حدث ذلك بناء على معلومات وأدلة مادية، وبعض هؤلاء الضباط جرى تصويره أثناء مشاركته في اعتصام جماعة الإخوان المسلمين في ساحة رابعة العدوية (في صيف 2013) وهو الاعتصام الذي نظمه أنصار مرسي. كما أنه جرى رصد بعض الضباط ممن سافروا إلى تركيا، وأنت تعلم موقف تركيا المنحاز لجماعة الإخوان.. ما دامت هناك أدلة، وما دام هذا الضابط أو ذاك كان يمارس نشاطا وهو في الخدمة بوزارة الداخلية، فمن الوضع الطبيعي جدا أنه بعد أن يخرج من الخدمة يستمر في ممارسة النشاط نفسه الموالي للجماعة التي ينتمي إليها.
* وفقا لمعلوماتك هل هؤلاء الضباط الذين جرى فصلهم من أفرع معينة بوزارة الداخلية؟
- هم كانوا موزعين على مستوى مديريات الأمن في أنحاء الجمهورية.. ستجد من بينهم ضباطا كانوا يعملون في مديرية أمن القاهرة، وآخرين عملوا في مديرية أمن محافظة الشرقية، وفي مديرية أمن محافظة الإسكندرية.. كما أن بعضهم كان يعمل في مصلحة السجون. هم كانوا منتشرين على مستوى الجمهورية.
* هل من بينهم من كان يعمل في مديرية أمن محافظة سيناء؟
- لا..
* وما مدى خطورة مثل هؤلاء الضباط الذين جرى فصلهم من الخدمة؟
- من خلال الخبرة.. من كان يصدر بحقه قرارا بالاستبعاد من العمل في الشرطة أو الجيش لأسباب أمنية، كان يلتحق بعد خروجه من الخدمة، كوضع طبيعي، بالجهات أو الجماعات التي خرجوا من الخدمة بسبب تعاملهم معها في السابق. لذلك هذا يجعلنا نقول إن الذين خرجوا من الخدمة لم يستمروا كضباط، ولكن تحولوا إلى عناصر نشاط لا بد من متابعتها بكل دقة من جانب السلطات، لأنها تشكل خطورة بما لديها من خبرات ومعلومات وأفكار عن كيفية العمل الشرطي والأمني، ولذلك لا بد أن يظل هؤلاء الناس تحت المتابعة الدقيقة.
* البعض يتحدث عن أن التنظيم الدولي للإخوان يشارك في محاولة بث الرعب في مصر من خلال أحداث عنف وتفجيرات.. ما رأيك؟
- أتذكر لقاء عقده خيرت الشاطر (نائب مرشد الإخوان) مع مجلس شورى التنظيم، أثناء وجود الإخوان في الحكم بعد 2011. كان لقاء يحمل في طياته معاني كثيرة جدا، لأنه يستوقفك في نقاط كثيرة.. قال فيه الشاطر: «نحن تمكنا من الحصول على معلومات خاصة بمصر لم نكن نستطيع الحصول عليها لولا وجود محمد مرسي في قصر الرئاسة».
* وماذا يعني هذا؟
- ببساطة شديدة يعني أن كل المعلومات التي تخص مصر كانت بين يدي الإخوان.. بحكم أن الجماعة كانت في السلطة ورئيس الجمهورية من الإخوان ويطلب ما يريد من معلومات دقيقة من وزير الزراعة أو وزير الصناعة أو وزير الكهرباء أو غيره.. بهذا أصبح لدى الإخوان معلومات عن كل مصر، عدا الجيش والشرطة. هذه المعلومات خرجت خارج مصر للتنظيم الدولي وبعض أجهزة المخابرات الأجنبية التي تدعم الإخوان.
* وما تداعيات ذلك على الوضع الراهن الذي تمر به مصر؟
- نحن في مصر نواجه إرهابا.. وتداعيات حصول الإخوان على معلومات عن أجهزة الدولة، هو أن مصر أصبحت تواجه جماعة إرهابية تحت يديها معلومات خاصة بالبلاد كلها.. هذا زاد من صعوبة المواجهة مع الإخوان.
* هل توجد تفاصيل بشأن هذه المعلومات التي يمكن أن تكون جماعة الإخوان قد استخدمتها ضد الدولة؟
- نحن نجحنا، كدولة وكأجهزة أمنية، في أن نحرر قضيتين بهذا الشأن.. هما قضية اتهام الرئيس مرسي بالتجسس وتعامله مع جهاز المخابرات الأميركي، وقضية اتهامه بالتجسس بشأن إرساله مستندات خاصة بالأمن القومي المصري، لأحد أجهزة المخابرات العربية. هو يحاكم اليوم بتهم منها بيع البلد وأسراره لأجهزة مخابرات هي في حد ذاتها لها أجندة خاصة تهدف إلى التأثير على دور مصر وحجمها في المنطقة.
* حين كنت تعمل نائبا لرئيس جهاز الأمن الوطني، هل لاحظت أن الجماعة تريد أن تتمكن من الدولة وأن تطرد عناصر من الشرطة أو من الجيش؟
- هذه لم تكن مجرد مساع من جانب جماعة الإخوان، بل هذا أمر حدث بالفعل.. بعد وصول الجماعة للأغلبية في البرلمان ومع بدء هيمنتها على السلطة بعد 2011، قامت باستبعاد قيادات أمن الدولة (جهاز الأمن الوطني).. كنا 23 قيادة من رتب اللواءات.. هذه الرتب الكبيرة كانت العصب.. كانت خلاصة الخبرة في جهاز الأمن الوطني. بالإضافة إلى استبعاد بعض الرتب الأخرى من العمداء والعقداء، ممن كانوا في الجانب المختص بمكافحة ومراقبة النشاط المتطرف والإرهابي عبر عشرات السنين.
* وما السبب في رأيك؟
- السبب أن جماعة الإخوان كانت تريد عزل جهاز الأمن الوطني عن الواقع.. كانت توجيهات الإخوان هي عدم المراقبة أو الاستدعاء أو المكافحة أو حتى العمل على أي قضية لأي أحد من عناصر القوى المتطرفة. لهذا أصبح الفرع المختص بمثل هذا النوع من النشاط مشلولا عن العمل خلال حكم الإخوان. كانت الفكرة أو الحكمة من جانب الإخوان أن يكون جهاز الأمن الوطني فاقدا للذاكرة خلال فترة زمنية معينة، حتى تستطيع الجماعة وضع بنية أساسية لنظام الحكم الإخواني. في ذلك الوقت، أي بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، رأينا أيضا توجيه اتهامات أمام القضاء بحق القيادات من ضباط المباحث الجنائية، بأنهم كانوا وراء قضايا القتل (للمتظاهرين)، لأن موضوع ضبط الأسلحة المهربة من الخارج كان من مهمة المباحث الجنائية، بينما كان موضوع ملاحقة الإرهابيين مهمة الأمن الوطني. كان مخطط الإخوان شل الأجهزة المختصة بدخول الأسلحة والإرهابيين.
* برأيك كيف استفادت الجماعة في ذلك الوقت من عزل نشاط جهاز الأمن الوطني؟
- خلال تلك الفترة بدأت الجماعة في إدخال المتطرفين إلى سيناء لتأسيس جيش خاص من الإرهابيين حتى تستطيع من خلاله مواجهة الجيش المصري، إضافة إلى إدخال كميات كبيرة من الأسلحة إلى سيناء، سواء عن طريق الحدود مع ليبيا أو السودان. جماعة الإخوان، بالتنسيق مع الأميركيين، كانت تريد أن تنقل الإرهابيين من أفغانستان إلى سيناء.. ودخل هؤلاء الإرهابيون بالفعل بعد أن جرى رفع أسماء المطلوبين منهم من قوائم ترقب الوصول من الخارج، أو من قوائم منع الدخول. كل هؤلاء عادوا مرة أخرى لمصر.. وجرى إصدار عفو رئاسي من الإخوان عن قيادات محكوم عليهم في السجون، كما أن بعض الأشخاص ممن كانوا ممنوعين من الدخول من الشيشان، دخلوا لمصر، سواء كانوا من المصريين أو الأجانب. أعداد كبيرة من الإرهابيين دخلوا سيناء. كما دخلت مصر كميات ضخمة من الأسلحة. والآن نعثر على أسلحة مضادة للطائرات وغيرها في سيناء. كل هذا كان تجهيزا لحرب جيوش وليس لمجرد حرب إرهابية. كما جرى في ذلك الوقت منح الجنسية المصرية لنحو 80 ألف فلسطيني ثبت أن جميعهم كانوا من قطاع غزة فقط.
* لكن هناك من لاحظ أن جهاز الأمن الوطني، ورغم التضييق عليه من الإخوان، قام بعمليات فيها نوع من التحدي لتعليمات الجماعة وقتها.. ما تعليقك؟
- هذا صحيح.. أشهر قضيتين كانتا في عهد مرسي، قضية «خلية مدينة نصر الإرهابية» وقضية «هروب الإخوان من السجون» المتهم فيها مرسي نفسه.. بالنسبة لخلية مدينة نصر المرتبطة بتنظيم القاعدة، وضع جهاز الأمن الوطني نظام حكم الإخوان في موقف صعب.. قام بتعرية الجماعة ووضع مرسي أمام المسؤولية. هل سيعلن أن الدولة تواجه المتطرفين، أم إنه سينحاز إلى جانب الخلية الإرهابية؟ الأمر الثاني كان قضية الهروب من السجون المعروفة باسم قضية «وادي النطرون».. جهاز الأمن الوطني أشرف على التحريات التي تقول إن حماس هي المسؤولة عن اقتحام السجون وتهريب مرسي وقيادات إخوانية أخرى.. وخلال حكم مرسي كان جهاز الأمن الوطني يجهز لقضية تخابر الإخوان مع أجهزة مخابرات أجنبية. كما تمكن بعد التخلص من حكم الإخوان من ضبط نحو 313 خلية إرهابية من الخلايا النوعية.
* قلت إن الجماعة كانت تجهز لمحاربة الجيش المصري.. لماذا برأيك؟
- الخلاصة أن الإخوان لم يكونوا يثقون في الجيش منذ زمن بعيد.. جماعة الإخوان تعلم أنه لا يمكنها أن تعطي ثقتها للقوات المسلحة، لأن العقيدة بينهما مختلفة.. عقيدة القوات المسلحة هي عقيدة الوطن.. أما الإخوان فعقيدتهم ضد الوطن.. لهذا كانت الجماعة تريد أن تكوِّن جيشا للاعتماد عليه لحماية نظام الإخوان وتستطيع من خلاله مواجهة الجيش المصري، وتكون لديها قوة تستطيع من خلالها أن تنشر فكرها وآيديولوجيتها.
* هل يوجد تقدير لعدد المتطرفين الذي دخلوا سيناء في عهد الإخوان؟
- من الممكن أن يصل العدد إلى 20 ألفا؛ من بينهم مصريون، وعرب وأجانب.. بعضهم تدرب في سوريا وعادوا، والبعض الآخر جرى تدريبهم على يد حماس التي كانت تتولى هذا الأمر.
* أشرت إلى أنه جرى منح ألوف الفلسطينيين من غزة الجنسية المصرية في عهد الإخوان.. ما حقيقة هذا، وما الهدف من ورائه؟
- الخطورة كانت في أن 100 في المائة ممن حصلوا على الجنسية المصرية كانوا من عائلات من قطاع غزة فقط. كان عددهم نحو 80 ألف فلسطيني. الخطورة أيضا أنه بمجرد حصولهم على الجنسية أصبح من حقهم تملك أراض في سيناء.. كانت هذه هي الخطوة الثانية.. هؤلاء لهم عائلات في داخل غزة، وبالتالي كان المخطط أنه بعد أن يتملكوا الأرض في شمال سيناء، وبمجرد أن يتم نزع السلك الفاصل بين الجانبين، يصبح الفلسطينيون داخل سيناء وبالتالي تحل القضية الفلسطينية على حساب أرض سيناء. الأمر الثاني أننا فوجئنا أن بعضا من عناصر الشرطة الحمساوية في غزة معهم الجنسية المصرية، وأناس من المعروفين بأنهم من أجهزة مخابرات غزة معهم الجنسية المصرية أيضا.. ولهذا قامت القوات المسلحة بالرد على هذه الخطط الإخوانية واتخذت قرارا مبكرا بمنع تمليك الأراضي في سيناء أثناء وجود مرسي في الحكم.
* كيف؟
- القوات المسلحة رأت الخطورة الحالية، وهي أن البلد أصبح يباع علانية، وأنه بمجرد أن يحصل كل فلسطيني من الـ80 ألفا الذين حصلوا على الجنسية المصرية، على 20 فدانا بسيناء، فأنت هنا تتحدث عن مساحة إجمالية مهولة من الأراضي قد تصل إلى مليوني فدان. هذا كلام في منتهي الخطورة. وبالتالي أصدرت القوات المسلحة قرارها بأن منطقة سيناء منطقة عسكرية ممنوع التملك فيها إلا بقرار من الجيش. لهذا عملية غلق الأنفاق وهدم بعض البيوت المحاذية للحدود مع غزة في الوقت الراهن، تأتي ضمن خطة مدروسة لإفشال مخطط الإخوان وتبعاته، ومنها أيضا الأمر بإعادة فحص أوراق من حصلوا على الجنسية المصرية من الفلسطينيين في عهد مرسي.
* المواد التي يستخدمها المتطرفون في مصر في تسعينات القرن الماضي كانت تعتمد على شراء المتفجرات الموجودة لدى عمال المحاجر، فمن أين تأتي المواد التفجيرية في الوقت الراهن؟
- لا بد أن نفرق بين العبوات بدائية الصنع والعبوات الاحترافية.. المتفجرات التي نراها في الشوارع هذه الأيام بدائية الصنع، وهذا يعود إلى أن العناصر التي تقوم باستخدامها ما زالت عناصر جديدة ومستقطبة حديثا، والدليل على ذلك أمران؛ الأول أنك يمكن أن ترى أن العبوة انفجرت في من كان يقوم بزراعتها، وهذا يعني أنه غير متمرس. والأمر الثاني أنه حين تلقي السلطات القبض على هذا العنصر وتستجوبه يعترف مباشرة بارتكابه لهذه الحوادث. هذا يعطيك الإحساس بأن جماعة الإخوان استقطبتهم حديثا وتريد أن توظفهم سريعا في أعمال التفجيرات. هذا عكس العبوات الاحترافية التي تقوم بها جماعة مثل «أنصار بيت المقدس» أو من يطلق عليهم «داعش». هؤلاء أشخاص مدربون ويستخدمون عبوات «تي إن تي» شديدة الانفجار.
* البعض لم يعد يفرق بين التفجيرات المنسوب ارتكابها لعناصر من جماعة الإخوان، وتلك التي تقوم بها جماعات أخرى مثل «أنصار بيت المقدس».. ما رأيك؟
- في نهاية المطاف ستكتشف أن كل من يقف وراء هذه العمليات التفجيرية هم أساسا من جماعة الإخوان أو كانوا في الجماعة، دون الخوض في المسميات. لكن من خلال ما جرى رصده ومن خلال اعترافات كثير من المتهمين، فإنه يوجد نوعان من المجموعات؛ الأولى تقوم برصد الأهداف، سواء كانت هذه الأهداف ضباط جيش أو شرطة أو قضاة أو إعلاميين، وبعد أن تحدد أماكن المطلوب استهدافهم، تقوم بإرسال هذه المعلومات إلى المجموعة الثانية وهي «جماعة أنصار بيت المقدس».. تأخذ العنوان وتبدأ في تحديد نوع العنصر الذي ستنفذ العملية بحقه، وهي اغتيال الهدف.
* هل توجد أدلة على هذا التعاون؟
- هذا الكلام جاء من خلال اعترافات من جرى القبض عليهم، وليس مجرد اجتهادات أو محاولة للربط بين الإخوان والجماعات الإرهابية؛ بل هي اعترافات مسجلة.. يجمعون المعلومات ويسلمونها لـ«أنصار بيت المقدس» لتنفيذ العملية. أما قصة تصنيف أن هذا إخواني وهذا جماعة أخرى.. هذا التصنيف لم يعد موجودا. في السابق حين كنا نتحدث ونقول إن جماعة الإخوان جماعة متطرفة، تحمل فكرا متطرفا، لم يكن أحد يصدق هذا الكلام، لأن الجماعة كانت في ذلك الوقت تقدم نفسها بشكل مختلف وأنها حركة سلمية دعوية، ونجحت في التدليس على المواطنين، هذا على الرغم من أن الفكر التكفيري والفكر المتشدد مرتبط بفكر حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان عام 1928.
* إذن أنت مع النظرية التي تقول إن جماعة الإخوان تخلت عن السياسة وعن العمل السلمي؟
- الجماعة تسعى بقدر المستطاع للحصول على أي مكسب يعطيها الأمل في إعادة التنظيم من جديد، حتى لو كان ذلك سيتم بعد 50 سنة، فليس لديها مانع، لأن التنظيم يحتضر في الوقت الراهن.
* وما المشكلة التي تواجه الإخوان الآن، برأيك؟
- في السابق كانت الجماعة تحاول أن تلعب لعبة تقول فيها إن النظام يقوم باضطهادها، وإنها جماعة سلمية.. وغيرها، لكن في الوقت الحاضر الخلاف والصراع أصبح بين الإخوان وباقي الشعب، وبالتالي خسرت الجماعة كثيرا من الأشياء. الدولة نفسها ليست لديها خصومة مع أحد. كثيرون يعتقدون أن الدولة لها خصومة مع جماعة الإخوان أو غيرها من التيارات.. هذا مستحيل.. الدولة أكبر من كل هذا الكلام.. لا يمكن أن تقارن الجماعة بالدولة.
* هناك من يقول إن الدولة عليها أن تستمع لما يطالب به الإخوان؟
- الدولة ليست لديها خصومة مع جماعة الإخوان.. كل ما تريده الدولة أن تلتزم هذه الجماعة وغيرها من تيارات، بالقانون والدستور. من يلتزم بهذا، فالدولة لا تقف في طريقه.. يوجد كثير من الشخصيات الإخوانية في بيوتهم ويذهبون لأعمالهم ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، والسلطات الأمنية لا تقترب منهم.. هذا لأن هذه الشخصيات لا تقوم بأعمال تخالف القانون.
* أحيانا يقع صدام بين مثل هؤلاء وسلطات الدولة؟
- أنت صاحب فكرة.. حسنا حرية الفكر مكفولة للجميع، لكن أن تقوم بتحويل الفكرة إلى حمل السلاح، فهنا أنت حولت نفسك إلى شخص يخالف القانون، خاصة حين تكون في هذه المخالفة استباحة لدماء الناس.
* أشرت إلى أن الإخوان أصبحوا في مأزق تاريخي كبير كجماعة.. كيف؟
- يوجد خطر يواجه الإخوان يتلخص في الآتي.. في السابق كانت الجماعة تستبيح دم ضابط الشرطة أو ضابط الجيش.. فكان الوضع أمام الرأي العام هو أن الإخوان يستهدفون فقط القوى التي تواجه الإرهاب، لكن اليوم، حين نشاهد مثلا إحدى العمليات الأخيرة التي وقعت أمام المركز التجاري بالإسكندرية، وجرى فيها استهداف حافلة نقل ركاب وقتل فيها عدد من المواطنين العاديين، فهذا يعني أن الجماعة تقصد، وبشكل متعمد، استهداف المواطنين. بالتالي هذا الأمر حول الجماعة إلى طرف تقوم ضده مظاهرات شعبية.. مظاهرات تطالب بالقصاص من الإخوان.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.