يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

رئيس مجلس الخبراء الجديد يحذر دائمًا من خطر التلوث مع العالم الغربي

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح
TT

يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح

تصدر إشارات متضاربة من طهران فيما يخص استراتيجيتها بشأن الاتفاق المرتقب والمتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. أسندت الولايات المتحدة سياساتها نحو إيران على أمل «التغيير الإيجابي» في ميزان القوى المحلي داخل النظام الحاكم الإيراني.. ولكن إلى أي مدى يعد هذا الأمل واقعيا؟ جاءت إحدى الإجابات عن ذلك التساؤل الاثنين الماضي عندما اجتمعت مجموعة مكونة من 80 من كبار ملالي السياسة الإيرانية خلف الأبواب المغلقة في طهران، وانتخبوا فيما بينهم رئيسا جديدا لتلك الهيئة الغامضة المعروفة باسم «مجلس الخبراء».
ولكن، قبل أن نعرف مقدار أهمية هذه الخطوة، دعونا نرَ ما الذي يفترض على المجلس المذكور فعله، ومن هو الرجل الذي سوف يترأس مجلس الخبراء في دورة العام المقبل.

يمتلك المجلس، الذي يتألف من 86 عضوا من كبار الملالي الذين يمثلون كل الأقاليم الإيرانية، سلطة تنصيب وعزل المرشد الإيراني الأعلى والإشراف على أدائه في منصبه، ومحاسبته ومساءلته حين الاقتضاء كذلك.
وفقا للدستور الخميني الإيراني، فإن المرشد الأعلى يمثل سلطة الله على الأرض ويتمتع بصلاحيات هائلة، وأكثر من أي رئيس دولة آخر في جميع أنحاء العالم. وكثير من مواد الدستور الخميني، المصادق عليه في عام 1979، توضح بجلاء أن المرشد الأعلى هو، أيضا، زعيم الملالي حول العالم، سواء ارتضوا بذلك أم لا.
من الناحية النظرية، على أدنى تقدير، يمكن للمرشد الأعلى ذي النزعة الخمينية تقرير ما هو من الإسلام وما ليس منه في أي وقت من الأوقات. وكل ما يصدر منه أو يقوله يعد من قبيل «فصل الخطاب» مما يعني «إغلاق باب المناقشة تماما»، ما لم، بطبيعة الحال، ينقض مجلس الخبراء قراره، وهو الأمر الذي لم يحدث قط حتى الآن.
ومن الناحية العملية، يسيطر المرشد الأعلى على خزانة أموال الجمهورية الإسلامية، وهي من أغنى الخزائن السيادية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. (لقد أشرف المرشد الإيراني الأعلى خلال العقود الثلاثة الماضية على إنفاق ما يقرب من تريليون دولار من عائدات النفط الإيرانية). ويتعين على المرشد الأعلى التصديق النهائي على الميزانية الوطنية للبلاد، ويحتل منصب القائد العام للقوات المسلحة والقوات الأمنية في الدولة. كما يتعين حصول كل تعيين في منصب وزاري، أو حكومي، أو دبلوماسي، على موافقته الشخصية. وعلى الرغم من اعتلاء رئيس الجمهورية الإسلامية سدة الحكم بطريق الاقتراع العام بين الناخبين، فإنه لا يمكنه تولي مهام منصبه من دون صدور مرسوم موقع بذلك الشأن من قبل المرشد الأعلى.
وكما قال السيد رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي ذات مرة في فترة الثمانينات، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الإسلامية هو «كل شيء»، أما المسؤولون الآخرون فليسوا إلا لاعبين يؤدون أدوارا مثل الوزراء أو السفراء وخلافه.

هويات متعددة
لكن من هو الرئيس الجديد لمجلس الخبراء الإيراني؟
إنه آية الله محمد يزدي، وهو عضو بالمجلس يبلغ من العمر 84 عاما، وأحد ملالي الثورة الإيرانية البارزين، الذي تمكن من الجمع بين مهنة رجل الدين والشخصية السياسية رفيعة المستوى. يتمتع يزدي بشخصية متعددة الجوانب، فلقبه يشير إلى انحداره من أسرة تعود أصولها إلى مدينة يزد التاريخية العظيمة، التي تقع على حافة الصحراء الإيرانية، وهي آخر المدن الإيرانية اعتناقا للإسلام.
وحتى يومنا هذا، فإن مدينة يزد، حيث يوجد أكبر معبد للنار في العالم، تعتبر «المدينة المقدسة» من قبل أتباع الديانة الزرادشتية في جميع أنحاء العالم.
على الرغم من ذلك، فإن السيد يزدي، الذي ولد في مدينة أصفهان، لم يكد يعيش قبل أي وقت مضى في مسقط رأس أجداده. ومع ذلك، لا يمكن اعتباره أصفهانيا حقيقيا كذلك، نظرا لأنه إبان مرحلة المراهقة من عمره، قد انتقل إلى مدينة قم، وهي مركز الدراسات الدينية الشيعية، حيث تلقى تعليمه كي يصبح رجل دين شيعيا. وهناك، كان من بين أساتذته شخصيات دينية بارزة مثل آية الله الكلبايكاني، وآية الله المرعشي النجفي، وروح الله الخميني، المؤسس المستقبلي للجمهورية الإسلامية.
أكسبه عزوفه عن ربط هويته بأي مدينة أو إقليم بعينه اسما مستعارا وصفه خصومه فيه بالـ«شارد». ولقد انتخب عضوا في المجلس الإسلامي، وهو البرلمان الخميني. ويأتي أعضاء مجلس الخبراء من مختلف الأصقاع والأقاليم الإيرانية مثل مدينة قم المقدسة، ومن طهران العاصمة، وحتى من مدينة كرمانشاه، وهي مقاطعة كردية إلى حد كبير ولم يقم السيد يزدي بزيارتها ولا حتى على سبيل السياحة.
كان يزدي في الأربعينات من عمره حينما استولى الملالي على السلطة في عام 1979. ولم يكن عاقدا عزمه بشكل واضح على المسار الذي سوف ينتهجه في حياته المهنية، فقرر، عملا بالأحوط، أن يلعب مع كلا الفريقين؛ فعلى الجانب السياسي أصبح الرجل من الأعضاء المؤسسين وزعيما لرابطة رجال الدين المقاتلين، وهي مجموعة من الملالي الساعين إلى اعتلاء المناصب الحكومية الرفيعة. ثم أصبح قائما بأعمال إمام صلاة الجمعة في طهران، وتمكن من أن يكون عضوا في مجلس صيانة الدستور، وهو جهاز سيادي رفيع المستوى يملك حق الاعتراض على القوانين التي يمررها برلمان البلاد.
في الوقت ذاته، مع كل ذلك، استفاد الرجل من أهميته وبروزه الجديد في تأمين نفسه مدرسا للاهوت في مدينة قم المقدسة بهدف ترقية رتبته من «حجة الإسلام» إلى رتبة أرقى وهي «آية الله».
يتمتع يزدي ببراعة في إدارة حياته المهنية، حيث نجح في تأمين قطعة لنفسه من كل فطيرة من دون تعريض نفسه لسقطات وغدرات الصراعات السياسية. وعلى طول حياته الدينية والسياسية عقد صداقات مع الملالي الأصغر منه سنا، مثل: حجة الإسلام علي حسيني خامنئي، وهو آية الله العظمى المستقبلي، والإمام الأكبر، والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.

صداقة مثمرة
أمن استثمار الرجل لصداقته مع الخميني فوائد جمة له عندما عين في عام 1989، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، رئيسا للقضاء الإسلامي، وهو أحد أكبر خمسة مناصب في نظام الخميني الحاكم، وتولى السيد يزدي ذلك المنصب لمدة عشر سنوات.
يأتي فوز السيد يزدي الاثنين الماضي برئاسة مجلس الخبراء بمثابة مفاجأة كبرى لكثيرين، وعلى الأخص نظرا لأنه لم يلمح إلى أنه من بين المرشحين للمنصب حتى الساعة الأخيرة قبل بدء الجلسة المغلقة.
يقول المحلل الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين، المقرب من المرشح المهزوم علي أكبر هاشمي رفسنجاني: «لم يكن ذلك متوقعا أبدا. لقد أصابني ذهول كبير إثر فوز السيد يزدي».
جاء فوز يزدي بتأثير ساحق؛ فقد حاز أصواتا تساوي تقريبا ضعف ما حازه السيد رفسنجاني، بواقع 47 إلى 24 صوتا، مما يؤكد فشل الحملة الانتخابية التي امتدت لشهور من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني لتعزيز مرشحهم ووصفه بأنه «الفائز الحتمي».
قال السيد يزدي إنه لم يعلن عن نيته للترشح لأي شخص كان حتى ميعاد بدء انعقاد الجلسة، مضيفا: «نظامنا يختلف تماما عن النظم المتبعة في الدول الكافرة، حيث ينظمون الحملات الانتخابية. في نظامنا يقترب الإمام الغائب من القلوب المؤمنة ويهديها إلى السبيل القويم».
تفيد تصريحات يزدي بأنه لم يخبر خامنئي حول نيته الترشح للانتخابات، فهل هذا معقول أو مقبول؟ قد نعجز عن الوصول إلى الإجابة الشافية.
ومع ذلك، يتفق أغلب المحللين على أن مرشح خامنئي لقيادة مجلس الخبراء كان آية الله محمود هامشي شهرودي الذي صمد خلال الجولة الأولى من التصويت، ولكنه قرر الانسحاب حينما بدا واضحا أنه لن يفوز خلال الجولة الثانية. وبالتالي، وحتى مع عدم حصول يزدي على الموافقة المسبقة من خامنئي، فمن الواضح بجلاء تحويل أنصار خامنئي أصواتهم ناحية السيد يزدي خلال الجولة الثانية من الاقتراع.
صارت سعادة خامنئي بفوز يزدي برئاسة المجلس واضحة للعيان يوم الثلاثاء بعد يوم من الانتخاب، من واقع تعليق المرشد الأعلى على نتائج الانتخابات؛ حيث قال: «تظهر الإنجازات الماضية والحاضرة لآية الله يزدي على أنه أبرز الشخصيات القادرة على تولي تلك المهمة التي اختير لها».
كما تبدو سعادة يزدي مضاعفة بذلك الفوز نظرا لأن رفسنجاني، وهو الرجل الذي هزم في الانتخابات، ظل واحدا من أقدم وألد أعداء يزدي السياسيين.
رغم الخلافات السياسية، فإن هناك نقاط التقاء مشتركة بين الرجلين؛ حيث ينتمي كل منهما إلى الجيل نفسه مع كون رفسنجاني أصغر من يزدي بعام أو اثنين. وكل منهما نشأ في أسرة زراعية من الأسر المتوسطة الغنية التي عاشت على حافة الصحراء الإيرانية الكبرى. (ومسقط رأس رفسنجاني يعود إلى بهرمان بالقرب من كرمان). كلا الرجلين يعتمر العمامة البيضاء، مما يدل على نقاء أصولهما الإيرانية. أما الملالي الذين يزعمون انتسابهم لأصول عربية عبر النسب بالأئمة الشيعة فيعتمرون العمائم السوداء. حاول كل من يزدي ورفسنجاني تأمين طريق سياسي - ديني مزدوج لنفسه. أما الخلاف الوحيد، فيكمن في أن يزدي شدد على الجانب الديني من حياته المهنية، بينما ركز رفسنجاني على المنحى السياسي منها.
ادعى يزدي لنفسه دائما الاحتفاظ باللقب الديني، بينما بدأ رفسنجاني في استخدام لقب «آية الله» قبل أكثر قليلا من عقد من الزمان. أما مزاعم يزدي الدينية فهي أكثر قبولا وتصديقا من رفسنجاني، وذلك لأن يزدي أشرف على دورة دينية في مدينة قم المقدسة، بينما لم يعمل رفسنجاني في التدريس الديني قط.

التجارة والفساد
يعد كل من رفسنجاني ويزدي من رجال الأعمال الناجحين، وتمكنا من تكديس الثروات الهائلة منذ قيام الثورة. وفي أوقات مختلفة نالت اتهامات الفساد كلا الرجلين؛ ففي عام 2009، وجه السيد محمود أحمدي نجاد، الذي تولى رئاسة البلاد، اتهاما على الهواء في مناظرة تلفزيونية إلى رفسنجاني وعائلته بالتصرف وكأنهم منظمة مافيا محلية، وزعم امتلاكه «جبلا من الأدلة» لتأكيد اتهاماته.. ولكنه لم يفعل. وقام الفصيل الموالي لرفسنجاني بالانتقام عندما قام عباس باليزدار، وهو عضو في اللجنة القضائية بالمجلس الإسلامي، بتوجيه اتهامات بالفساد وغسل الأموال إلى يزدي. ولكنه، أيضا، لم يتقدم بأي أدلة.
وحيث إن توجيه الاتهامات بالفساد ضد الخصوم السياسيين يعد من الممارسات الاعتيادية في أغلب دول الشرق الأوسط، فيجب ألا تؤخذ الاتهامات ضد يزدي ورفسنجاني بمزيد من الأهمية. المؤكد في الأمر، رغم ذلك، هو الاختلاف العميق القائم بين منهج كلا الرجلين حول دور الدين في السياسة. يبدو أن يزدي مقتنع بصورة أكيدة أنه ينبغي على السياسة، وكل شيء آخر في واقع الأمر، أن يكون في خدمة الدين، على الرغم من الرواية الرسمية المقدمة من قبل الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، يعتقد رفسنجاني أن الدين ينبغي أن يكون في خدمة السياسة. ومن زاوية يزدي، يجب أن ينشأ حكم الدولة من داخل المسجد. أما رفسنجاني، فيرى أن الدولة، خصوصا في «نسختها المحمدية النقية»، ينبغي أن تحتل مركز القيادة. كما أن هناك موضع خلاف وحيدا وأخيرا بين الرجلين.. يبدو أن رفسنجاني يأخذ جزءا كبيرا من الخطاب الديني للنظام الحاكم على محمل الجدية.. على سبيل المثال، فهو يتعامل من باب الاستعارة والكناية فقط مع المقولة الشائعة لدى الشيعة بأن الله قد خلق الكون بأسره لأجل «آل البيت»، أما يزدي، فيصر من خلال خطاباته وكتاباته على الحقيقة الحرفية للمقولة. بالنسبة إلى رفسنجاني، يعتبر الدين آلية من آليات السيطرة على الجماهير غير المتعلمين من خلال قواعد للسلوك تفرض عليهم فرضا من قبل الدولة. أما يزدي، فيعتبر أن الدين للجميع؛ المتعلم منهم والأمي، والغني منهم والفقير.
كثيرا ما ينظر إلى رفسنجاني باعتباره الأب الروحي للحركة الإصلاحية الإيرانية، حيث يفضل الانفتاح على العالم الخارجي ما دام ذلك لا يمثل تهديدا لقبضة الملالي على مقاليد السلطة في البلاد. تعلم الرئيس الأسبق اللغة الإنجليزية وأرسل أولاده للدراسة في الخارج، بما في ذلك كندا وبلجيكا وبريطانيا. وقاد رفسنجاني النظام الحاكم خلال فترتي رئاسته للجمهورية الإسلامية عبر عدد من العواصف الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته الذي كان يسعى فيه للحوار مع الإدارات الأميركية المتعاقبة.
وظل رفسنجاني على الدوام مهتما بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

قناة سرية مع واشنطن
فتح رفسنجاني خلال فترة الثمانينات قناة سرية مع إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان في واشنطن، وأرسل نجله مهدي ليعقد صفقة مع الجنرال أوليفر نورث الذي تولى منصب مستشار رئيس الولايات المتحدة لاحقا.
في المقابل، حذر يزدي دائما من «خطر التلوث» الناجم عن تفعيل الاتصالات مع العالم «الكافر».
عارض يزدي، بوصفه عضوا بارزا في «رابطة رجال الدين المقاتلين»، ترشح رفسنجاني في كلتا المناسبتين عندما انتخب الأخير رئيسا للبلاد. وفي وقت لاحق، عارض يزدي أيضا الترشيحات الرئاسية لكل من محمد خاتمي، وحسن روحاني، الذي ينظر إليه الملالي من الصف الثاني على أنه محسوب على الفصيل الموالي لرفسنجاني. ما لعب يزدي دورا مؤثرا في التصويت لترشح رفسنجاني للحصول على مقعد في المجلس الإسلامي، وفي الآونة الأخيرة، رئاسة الجمهورية. يقول المحلل الإيراني أحمد خفراني: «ليس الدين إلا صفقة تجارية بالنسبة إلى رفسنجاني. أما بالنسبة إلى يزدي، فإن عمله هو الدين». ساند يزدي، خلال الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في عام 2009، المرشح محمود أحمدي نجاد، بينما ألقى رفسنجاني بثقله داعما للمرشح مير حسين موسوي، خصمه السابق. وعندما زعم المرشحون الخاسرون بوقوع عمليات تزوير واسعة النطاق، أيد رفسنجاني مزاعمهم بينما وصفها يزدي بأنها جزء من الفتنة التي أشرفت عليها إسرائيل والولايات المتحدة. إن دل كل ذلك على شيء، فهو يدل على أن الخيار الذي تعامل معه مجلس الخبراء كان خيارا واضحا بين استراتيجية إغلاق فصل الثورة الإسلامية لصالح التطبيع في الداخل والخارج من ناحية، واغتنام الفرصة لإقامة «قوة إسلامية عظمى» تقودها إيران من ناحية أخرى.
في حين أن خطابات رفسنجاني يملؤها الرثاء حول المخاطر التي تواجه النظام الخميني، لا تزال لهجة يزدي تعلو بالظفر والانتصار. ويحذر رفسنجاني من أنه ما لم تغير إيران مسارها، فإنها لا تتجه إلا صوب المتاعب بكل تأكيد.
في المقابل، يصر يزدي على أن خصم إيران الحقيقي والوحيد، الولايات المتحدة الأميركية، تعاني من انهيارها الأخير، وأن انتصارات الجمهورية الإسلامية الباهرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن تشير إلى تحول استراتيجي في موازين القوى على المستوى الإقليمي، على أدنى تقدير.
من المثير للاهتمام، التفاف الملالي الأكثر تطرفا حول عباءة يزدي، من ذوي العيون اللامعة إثر الهيمنة الإيرانية الموعودة على منطقة الشرق الأوسط.

انتصار مباغت
بالتالي، قد يظهر يزدي بوصفه حالة وسطا بين رفسنجاني، داعية التسوية والتطبيع، وآية الله محمد تقي مصباح يزدي الذي يدعو إلى «تصدير الثورة الإسلامية» إلى كل الدول ذات الأغلبية المسلمة. (لا تربط مصباح يزدي علاقة بمحمد يزدي). ولكن، ما أهمية انتصار محمد يزدي المباغت؟
يميل المحللون المؤيدون لرفسنجاني إلى التقليل من أهمية انتخاب يزدي استنادا إلى حجتين: لأولى، التي يعرضها صادق زيبا كلام، وهو كاتب عمود صحافي في صحيفة «الشرق» اليومية الموالية لرفسنجاني في طهران؛ حيث يدفع بأنه قد تم انتخاب يزدي لعام واحد فقط، حيث إن مجلس الخبراء بكامله سوف يخوض انتخابات جديدة على مستوى الأعضاء بحلول فبراير (شباط) 2016.
وأضاف: «لا نعلم لمن ستكون الأغلبية في انتخابات العام المقبل، ولن يكون من قبيل الحكمة شطب اسم رفسنجاني». أما رفسنجاني ذاته فقد ذهب إلى أبعد من ذلك لما زعم أنه مستمر في ممارسة «نفوذه الحقيقي» على المجلس؛ حيث قال الأسبوع الماضي إن «المهمة الحقيقية للمجلس هي اختيار المرشد الأعلى المقبل وقتما تسمح الظروف بذلك. وفي مثل تلك اللحظات، سأقول كلمتي بصفتي عضوا في المجلس. ولست في حاجة لأن أكون رئيسا للمجلس لكي أدلي برأيي». غير أن معلقين آخرين، رغم ذلك، اعتبروا تحليل رفسنجاني للوضع بأنه من قبيل الأمنيات الحالمة. يقول حسين راسم، وهو محلل سياسي سابق لدى السفارة البريطانية في طهران إن «الرسالة الرئيسية لتلك الانتخابات تكمن في رفض الصقور تخفيف قبضتهم على السلطة في أجهزة الدولة الرئيسية. وحينما يأتي اليوم، فإن فرص اعتلاء خليفة متشدد لآية الله خامنئي سدة الحكم في البلاد، «تستمر قوية حتى الآن». يعتبر انتخاب محمد يزدي، وبصورة أكثر إلحاحا، من قبيل الانتكاسات لسياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما حول إيران، التي تستند إلى مساعدة من يوصفون بالمعتدلين على إحكام السيطرة على كل مقاليد السلطة في طهران وتوجيه مسار الجمهورية الإسلامية تدريجيا نحو الحياة الطبيعية.
لمح أوباما إلى أنه يعتقد أن مثل ذلك المسار قد يستغرق 10 سنوات ليكتمل، وهي الفترة ذاتها المحددة للاتفاق النووي الذي يجري التفاوض بشأنه مع طهران.
خلال ذلك العقد من الزمان، قد يكون خامنئي، البالغ من العمر 76 عاما ويقال إن حالته الصحية معتلة، خارج المشهد السياسي أو يدفع إلى مغادرته من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني. تعود مصادر الشائعات واسعة الانتشار حول «الوفاة الوشيكة» لخامنئي، إلى شخصيات وثيقة الصلة بفريق رفسنجاني، وهي تكهنات حول عواقب إجراء خامنئي جراحة سرطان البروستاتا.

سيناريو التغيير
يبدو السيناريو الذي يحاول الفصيل الموالي لرفسنجاني بيعه لباراك أوباما على هذا النحو: يسيطر رفسنجاني على مجلس الخبراء وبالتالي يعقد السيف المسلط على عنق خامنئي. وفي عام 2016، يفوز فصيل رفسنجاني بالأغلبية في انتخابات كل من مجلس الخبراء والمجلس الإسلامي في حين لا يزال يقبض على زمام السلطة في مؤسسة الرئاسة من خلال حسن روحاني المحسوب على فصيل رفسنجاني.
أعرب رفسنجاني علنا في أكثر من مناسبة أنه دائما ما يفضل نظام القيادة الجماعية؛ حيث تكون وظيفة «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية موزعة بين 3 و5 من الملالي بدلا من واحد. من شأن ذلك الإصلاح أن يعمق من مكانة الرئيس المنتخب عن طريق السماح له بالعمل بصفته رئيسا حقيقيا للسلطة التنفيذية في الحكومة، وفي الوقت ذاته السماح أيضا للمجلس الإسلامي (البرلمان) بالعمل بصفته سلطة تشريعية حقيقية وليست مصطنعة. كما يجري دمج مجلس صيانة الدستور مع مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي ظل رفسنجاني رئيسا له لما يقرب من 20 عاما.
طالما نظر أنصار رفسنجاني إليه باعتباره النسخة الإيرانية من الزعيم الشيوعي الصيني دينغ شياو بينغ الذي ساعد في قيادة جمهورية الصين الشعبية إلى الخروج من الأزمة الثورية في اتجاه الحياة الطبيعية على الصعيد السياسي والتنمية الاقتصادية. كثيرا ما سلط رفسنجاني الضوء على نزعته البراغماتية، مشيرا إلى استعداده للتضحية بالآيديولوجية في مقابل الحفاظ على ممارسته للسلطة. في عام 1989، حينما جرى انتخابه رئيسا للبلاد، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، فاجأ كثيرين بقوله إنه مع كثير من الملالي السياسيين «على استعداد لنزع عباءاتهم التقليدية وارتداء الملابس العادية إذا كان ذلك ضروريا ويصب في خدمة الشعب الإيراني».
كتب رفسنجاني بنفسه السيرة الذاتية لأحد رؤساء الوزراء الإيرانيين من القرن التاسع عشر ويدعى ميرزا تقي خان أمير كبير، الذي يعتبره أنموذجه السياسي المثالي. ومن الأعمال البارزة التي يذكر بها أمير كبير كانت محاولته تقديم العلوم وقواعد الحكومات الغربية إلى قاجار إيران في وجه المعارضة الشديدة من جانب الملالي الرجعيين. وبدلا من محاولته تأسيس شخصية دينية لذاته، استخدم رفسنجاني وسائل الإعلام في الترويج لنفسه تحت اسم «جنرال البناء»، مؤكدا على التنمية الاقتصادية بدلا من التقوى الدينية.
وهكذا، يشمل سيناريو رفسنجاني حول التغيير، انخفاضا تدريجيا في النغمة الدينية للنظام الحاكم لصالح الخطاب الجديد الذي يعنى بالنمو الاقتصادي، والتقدم العلمي، والإصلاح الاجتماعي.
أما يزدي، على الناحية المعاكسة، فيعتقد أن خفض وتيرة الثيمات الدينية يمكن أن يؤدي إلى سقوط حتمي للنظام الحاكم.
إذا كان الناس يسعون وراء النمو الاقتصادي والإنجازات العلمية، فلماذا ينبغي الحصول عليها من الملالي بدلا من خبراء الاقتصاد والعلماء؟
على أي حال، فإن المهم بالنسبة ليزدي، وقبل كل شيء، هو بناء مجتمع يستند على القيم الدينية وتحكمه الشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي)؛ حيث قال: «إننا لم نقم بالثورة من أجل الأسباب الاقتصادية؛ بل اندلعت ثورتنا على أيدي أناس متعطشين للإسلام»
عانى سيناريو رفسنجاني دوما من عدد من العيوب.. أولا، ليس هناك ما يضمن سهولة إقصاء خامنئي عن واجهة المشهد في إيران. ووفقا لكل الروايات، لا يزال الرجل أبرز الشخصيات وأكثرها شعبية في النظام الإيراني الحاكم وبشكل متزايد داخل دائرة الدعم الضيقة حوله. وفي أي انتخابات يجري تنظيمها على يد النظام الحاكم وبالتالي تعتبر مغلقة في وجه الغرباء، فإن خامنئي أو أي شخصية يؤيدها سوف تفوز بتلك الانتخابات ضد أي شخصية أخرى مدفوعة من قبل فصيل رفسنجاني.
كذلك، ليس من سبب يدعو إلى عدم نجاة خامنئي من جراحة سرطان البروستاتا، فإذا ما قدر له طول العمر مثل سلفه الخميني، فلا يزال أمام خامنئي ما لا يقل عن 10 سنوات في الحكم، وهي الفترة ذاتها التي تصورها الرئيس أوباما في مسعاه لعقد اتفاق مع الملالي.
يعتقد المحلل الإيراني حميد زمردي أن انتخاب محمد يزدي يوم الاثنين الماضي يظهر أن العجلة الأولى من آلية التغيير التي يقودها رفسنجاني قد انفرط عقدها، ويقول: «حتى مع دعم أوباما لموقف فصيل رفسنجاني عن طريق منحه مظهرية (الانتصار الدبلوماسي)، فليس من ضمان بأن العجلات الأخرى لآلية التغيير المتداعية سوف تأتي بجديد في انتخابات عام 2016».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».