من تشارلز لوتون إلى جوني ديب .. ممثلون خاضوا غمار الإخراج مرة وتوقفوا

بعض أهم أدوارهم وردت في تلك الأفلام التي أخرجوها

جوني ديب في «الشجاع»  -  مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة»  -  جيمس كان
جوني ديب في «الشجاع» - مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة» - جيمس كان
TT

من تشارلز لوتون إلى جوني ديب .. ممثلون خاضوا غمار الإخراج مرة وتوقفوا

جوني ديب في «الشجاع»  -  مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة»  -  جيمس كان
جوني ديب في «الشجاع» - مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة» - جيمس كان

عندما سألت جوني ديب، قبل بضع سنوات عن السبب الذي لم يعاود فيه تجربة الإخراج، أطرق رأسه ناظرًا إلى حافة الطاولة التي فصلت بيننا ثم رفع رأسه، وقال: «لم تكن تجربة ذلك الفيلم مفيدة بالنسبة لي كما رغبت بها أن تكون. هي بالتأكيد تجربة أكثر من أي شيء آخر وبعدها قررت أن علي أن أكتفي بدوري كممثل».
الفيلم هو «الشجاع» الذي وقف فيه جوني ديب وراء الكاميرا كما أمامها. كان أنجز فيلمًا تشويقيًا لجانب آل باتشينو عنوانه «دوني براسكو» ويستعد لفيلم ساخر بعنوان «خوف وازدراء في لاس فيغاس» عن رواية شخصية لهانتر س. تومسون، عندما توخّى تحقيق هذا الفيلم الذي لعب فيه دور هندي لأول مرّة. على عكس فيلمه الأحدث «ذا لون رانجر» (2013) كان ذلك فيلما جادا حول أزمة مواطن أميركي (هندي الأصول) يوافق على تمثيل دور القتيل في فيلم صغير لكي يساعد عائلته الفقيرة. مثل «ذا لون رانجر» سقط الفيلم في عروضه نقديًا وتجاريًا بعد أن شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان «كان» ذلك العام. ديب لم يخرج أي فيلم بعد ذلك إلى اليوم.

* حضور قوي
تجربة جوني ديب ليست وحيدة من نوعها. هناك ممثلون كثر قاموا، لدوافع وطموحات فنية غالبًا، بالانتقال للوقوف وراء الكاميرا، ثم - على عكس ما حصل مع البعض الآخر مثل كلينت إيستوود ومل غيبسون وجودي فوستر - لم يستمروا في هذا النهج وتوقفوا تمامًا عنه بعد تجربة واحدة.
هذا لا يعني أن الأفلام كانت رديئة. في الحقيقة بعض أهم علامات بعض الممثلين وردت في تلك الأفلام التي أخرجوها. هذا واضح في تجربة الممثل الراحل تشارلز لوتون عندما انبرى لتحقيق فيلم شارك في كتابته الروائية جيمس آجي عنوانه «ليلة الصيّاد» سنة 1955. خلفية هذا الممثل الإنجليزي (1962‪ - ‬1899) امتدت من عام 1929 عندما اشترك في تمثيل فيلم بريطاني عنوانه «بيكاديللي». موهبته في أداء أدوار تعكس قوة الشخصية، كحاله عندما ظهر في دور الكابتن القاسي في «تمرد على باونتي» لفرانك لويد عام 1935 وفي دور الأحديب في «أحديب نوتردام» لويليام ديتريل سنة 1939، ممتزجة بموهبته الأدائية ذات الحضور الدرامي المسرحي النشأة ساعده في تبوأ مكانة عالية بين ممثلي الأدوار المساندة والرئيسية مما نتج عنه أوسكار أفضل ممثل سنة 1957 عن فيلم بيلي وايلدر «شاهد الادعاء».
«ليلة الصيّاد» كان تتويجًا لرغبته الانتقال إلى الإخراج، حكاية متطرّف ديني يخرج من السجن ويضرب طوقًا حول عائلة يضمر لها الشر. الممثل روبرت ميتشوم خطف من الفيلم دلالاته.
على رغم من التوقعات التي أحاطت به (وتحول ممثل إلى مخرج لم يكن أمرًا يمر سريعًا من قِبل الإعلام حينها) فإن الفيلم سقط تجاريًا وعاد لوتون للتمثيل وحده.
بعد سنوات قليلة، 1961 تحديدًا، قام مارلون براندو بالتجربة ذاتها. اقتبس رواية لتشارلز نيدر (الوحيدة التي تحوّلت إلى فيلم) حول شريكين في سرقة المصارف هما ريو (براندو) وداد (كارل مالدن) يفترقان بعد آخر سرقة. الثاني يسرق الأول ويتركه في الصحراء ليموت. لكن ريو يعيش ويصل إلى بلدة على الحدود المكسيكية حيث تبوأ داد وظيفة شريف خافيًا خلفيّته.

* المرأة التي اختفت
الحلم بتحقيق فيلم وتوسيع دائرة تعامل الفنان مع السينما دفع بممثلة غير معروفة اسمها باربرا لودن لتقديم فيلم ما زال يُثير إعجاب الجيل الجديد من النقاد منجذبين إلى براعته وأسلوبه.
لودن لعبت تحت إدارة (زوجها) إيليا كازان في «نهر متوحش» (1960). كان ذلك أول أفلامها وترتيبها بين أسماء الممثلين كان سابعًا (قبلها لي ريميك ومونتغمري كليفت بين آخرين). بعد عام عاد إليها كازان وقدّمها في دور مساند (الاسم الرابع بعد وورن بيتي ونتالي وود وبات هينغل) في «رائع فوق الحشائش». ربما أسرعت لودن في نقلتها الفنية، لكنها وجدت نفسها بلا عمل سينمائي يُذكر، ولو أنها ظهرت على مسارح برودواي في تلك الفينة، قبل أن تقوم سنة 1969 بتحقيق فيلم بعنوان «واندا» تم عرضه في العام التالي، في ذلك الفيلم لعبت شخصية امرأة تمارس الجريمة (سرقة، قتل، ..إلخ) على خطى بوني باركر (فاي داناواي) في «بوني وكلايد» (آرثر بن 1967). واندا (كما قامت هي بدورها) امرأة فقدت أي حب للحياة، وذلك بصم سلوكها حيال الجريمة وخلوّها من مراجعة ذاتية أو ضميرية. الفيلم عرض في العام التالي في مهرجان فينسيا ونال جائزة أفضل فيلم أجنبي (كانت هناك آنذاك جائزة بهذا الاسم) لكنه كان بداية أمل ونهاية مشوار بالنسبة إليها. بعده لم تظهر مطلقًا لا وراء الكاميرا ولا أمامها.
وفي النماذج الأقرب إلينا، نجد الممثل جيمس كان ومغامرته لتحقيق فيلم نجيب عنوانه «اختباء في موقع مكشوف».
«كان» من وجوه السبعينات الذين شقوا طريقهم بأدوار ناجحة في أواخر الستينات، أمثال آل باتشينو وروبرت دينيرو ودستين هوفمان وجين هاكمان ووورن بيتي. ظهر «كان» في دور الشقيق الأكبر لآل باتشينو في «العراب» وهو الشقيق الذي ينتهي مقتولاً بعدما غدر به وسهّل للعصابة المناوئة قتله زوج شقيقته. لا يوجد، على الأرجح، من لا يتذكر كيف سقط الممثل تحت وابل الرصاص عند ذلك الحاجز. حين أخرج «كان» فيلمه الوحيد «اختباء في موقع مكشوف» Hide in Plain Sight سنة 1980 أحسن الاختيار. الحكاية مأخوذة عن قصّة واقعية جرت أحداثها قبل سنوات قليلة عندما اكتشف رجل أن زوجته السابقة اختفت من دون أثر مع ولديهما فانطلق يبحث عنها ليجد أنها متوارية عن الأنظار لأن زوجها الثاني تعاون مع البوليس مما شكّل خطرًا عليه وعلى عائلته.
المادة مثيرة للاهتمام وتصلح لموضوع فيلم أفضل. تجربة كان في التمثيل لم تمكّنه من استيعاب الشروط التي على الفيلم استحواذها قبل إطلاق كلمة «أكشن». لذا يبدو السيناريو مكتوبًا كما لو كانت هناك مسافات زمنية بين كل كتابة وأخرى. الإخراج يدفع في سبيل ذروة معيّنة ثم ينكفئ عنها قبل لحظات من وقوعها. هذا كان كافيًا لكي يقلع كان عن محاولاته بعد ذلك.
لكن أحد التجارب الناجحة فنيًا كانت للبريطاني غاري أولدمان الذي عرض له مهرجان «كان» في دورته سنة 1997 فيلمه الوحيد حتى الآن، كمخرج، وهو «لا شيء بالفيلم» Nil by Mouth عن سيناريو كتبه وأنتجه وأخرجه ولم يمثّل فيه. دراما اجتماعية ذات منحى إنساني من بطولة راي وينستون الذي يعاني من شغف العيش في الجزء غير المتوهج من مدينة لندن.
أحد أفضل الأفلام التي صنعها ممثل كان «أب» أو «Da»: دراما إنسانية حول أميركي يعود إلى منزل والده في آيرلندا ليكون بصحبته قبل وفاته. المخرج كان مات كلارك الذي كان اقتطع لنفسه نصيبًا كبيرًا من الأدوار المساندة قبل أن يقوم، سنة 1988، بتحقيق فيلمه الوحيد كمخرج. مات كلارك لا يزال يظهر في السينما والتلفزيون، لكن فيلمه الوحيد اندثر.

* ومن غير الممثلين أيضًا
* الاكتفاء بعمل واحد كان سمة بعض السينمائيين من غير الممثلين الذين صنعوا أفلاما جيّدة ثم غابوا من دون أثر يذكر: ليونارد كاسل حقق دراما صادمة في Honeymoon Killers سنة 1962. جيمس ويليام غويريكو أنجز فيلمًا رائعًا بعنوان Electra Glide in Blue في عام 1973 وفي عالمنا العربي قام الناقد سيد سعيد بتحقيق فيلم جيّد ومهم عنوانه «القبطان» قبل 19 سنة ولا يزال فيلمه الوحيد.



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.