العلاقات بين تونس وليبيا.. العسل المرّ

مسلسل «الزوابع» الإعلامية والسياسية.. والخيارات الصعبة

العلاقات بين تونس وليبيا.. العسل المرّ
TT

العلاقات بين تونس وليبيا.. العسل المرّ

العلاقات بين تونس وليبيا.. العسل المرّ

يزور تونس اليوم عبد الله الثني رئيس حكومة برلمان طبرق، شرق ليبيا، بعد الزوبعة الإعلامية والسياسية التي أثارتها تصريحات وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش عن «التعامل مع الأمر الواقع في ليبيا» بفتح قنصليتين تونسيتين في طرابلس وطبرق و«التزام الحياد في الخلافات الليبية- الليبية». تصريحات البكوش تلك أثارت ردود فعل متناقضة وغير مسبوقة في تونس وليبيا بين مُساند ومتحفظ ومنتقد، رغم نفي الحكومة لتلك التصريحات لاحقا.
وكان أكثر ردود الفعل إثارة على موقف رئيس الدبلوماسية التونسية تصريحات «وزير إعلام حكومة طبرق» عمر القويري الذي لوح بالاعتراف بحكومة في جبل الشعانبي على الحدود الجزائرية التونسية، إذ تقود بعض المجموعات الإرهابية منذ أعوام هجمات ضد قوات الجيش والأمن التونسيين. فإلي أين تسير العلاقات التونسية الليبية في أجواء التصعيد هذه ومسلسل «الزوابع» الإعلامية والسياسية؟
كشفت تصريحات السياسيين التونسيين والليبيين عن وجود تيار معارض بشدة لتصريحات وزير الخارجية التونسي الجديد داخل النخب السياسية في تونس وليبيا. وبلغ الأمر ببعض السياسيين في البلدين حد اتهام الطيب البكوش بـ«خرق ثوابت الدبلوماسية التونسية» التي التزمت منذ تأسيس الدولة الحديثة من قبل الزعيم الحبيب بورقيبة مبدأ الحياد ومنهج «الدبلوماسية الناعمة» على حد تعبير الكاتب والمحلل السياسي التونسي ياسين بن محمد في صحيفة «الفجر» القريبة من حزب حركة النهضة الإسلامي.
ورغم الصبغة «الإسلامية» لبعض وسائل الإعلام التونسية فقد انتقدت مواقف الطيب البكوش وذكرت بكونه «الأمين العام لحزب نداء تونس» العلماني، واعتبرت أنه «أساء التعبير عن موقف الحياد» وأنه «استفز بعض أطراف الصراع في ليبيا».

* انتقادات.. وشرعية
* وصدرت أكثر الانتقادات لمواقف الخارجية التونسية من قبل السياسيين الليبيين والتونسيين المعارضين سياسيا لتوجهات «التيارات السياسية الإسلامية التي تهيمن على المنطقتين الغربية والوسطى مدعومة بقوات (فجر ليبيا) و(غرف ثوار ليبيا) وميليشيات متهمة بالإرهاب، بعضها مرتبط بـ(القاعدة) وعصابات (داعش)»، حسب تعبير زهير مخلوف عضو البرلمان التونسي والقيادي في حزب الشعب ذي الميول القومية العربية الناصرية.
ويتهم المغزاوي وأنصاره وعدد من الساسة البارزين في المنطقة الشرقية بليبيا حكومة طرابلس بالتحالف مع «المتطرفين دينيا» وبخدمة أجندات بعض العواصم العربية والإقليمية، بينها أنقرة. ويطالب عدد من الساسة التونسيين والليبيين وزارة الخارجية التونسية بأن «تحترم قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر برلمان طبرق «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي بعد الانتخابات الديمقراطية التي نظمت في صيف 2014.. على الرغم من ضعف نسبة المشاركة في تلك الانتخابات وقرار إحدى المحاكم الليبية الذي قضى بحله.

* استياء تونسي
* في المقابل انتقد وزير الشؤون الخارجية الطيب البكوش المعترضين على الموقف «الحيادي من النزاعات الليبية- الليبية»، الذي عبر عنه والذي أعاد فيه التعبير عن مواقف مماثلة سبق أن صدرت عن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وعن زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي وزعماء عدة أحزاب معارضة تونسية مثل أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري ومحمد عبو زعيم التيار الديمقراطي. وبرر رئيس الدبلوماسية موقف حكومته الحيادي بين الأطراف السياسية التي تتنازع الشرعيات في طرابلس وبنغازي بـ«الواقعية» و«البراغماتية» وواجب «التعامل مع الواقع في ليبيا كما هو، أي وجود حكومة في طبرق وأخرى في طرابلس».
وانتقد وزير الخارجية التونسي بقوة تصريحات وزير الإعلام «في حكومة طبرق» عمر القويري، التي أورد فيها أن حكومته ستكون على ذات المسافة مع حكومة قصر قرطاج و«حكومة الشعانبي». وقال البكوش: «إن تصريحات ما يسمى بالوزير الليبي غير مسؤولة»، وأضاف: «ما قاله كلام غير مسؤول، وهو من أسخف ما سمعت، وأمثال هؤلاء لن نقبلهم في بلادنا».
كما انتقد المختار الشواشي الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية التونسية «تهجم ممثل حكومة طبرق على تونس التي تستضيف منذ سنوات نحو مليونين من الأشقاء الليبيين بصرف النظر عن مواقفهم السياسية والحزبية». واستغرب الناطق باسم الخارجية التونسية «خلط المسؤول الليبي بين المجموعة الإرهابية في جبل الشعانبي وواقع ليبيا التي توجد فيها منذ أكثر من عام أكثر من حكومة وأكثر من برلمان وسلطات كثيرة».
في الأثناء صدرت في بعض وسائل الإعلام التونسية انتقادات حادة للمسؤول الليبي في حكومة طبرق وتساءلت عن الأسباب التي جعلت كبار المسؤولين في الحكومة التونسية لا يأمرون بطرده من تونس عندما تهجم عليها ولوح بالاعتراف بمجموعات صغيرة جدا من الإرهابيين في شكل «حكومة الشعانبي» و«قصر الرئاسة في الشعانبي» على غرار قصر قرطاج وحكومة تونس. كما أشار المختار الشواشي إلى أن وزير الخارجية التونسي لم يتحدث عن الاعتراف بحكومتين ليبيتين، ولكن عن التعامل مع الواقع الليبي كما هو، وعن إعادة فتح القنصليتين التونسيتين القديمتين في كل من طرابلس وبنغازي خدمة لمصالح عشرات آلاف التونسيين المستقرين في مختلف مدن ليبيا شرقا وغربا.

* اعتذار ليبي
* في الأثناء صدر «اعتذار» عن الناطق الرسمي باسم حكومة طبرق أبو بكر بعيرة عن «تصريحات عمر القويري»، وقيل إنه أسيء فهمهما.. ودعا المتحدث الليبي إلى عدم الإساءة إلى العلاقات الأخوية المميزة بين الشعبين التونسي والليبي، لكن «توضيحات الناطق باسم حكومة طبرق» لم تقلل الاحتقان بين الجانبين التونسي والليبي بسبب ما سماه البعض «تدخلا في شؤون تونس» وسماه الطرف المقابل «اعترافا من قبل تونس بحكومة وبرلمان غير شرعيين في طرابلس على الرغم من الاعتراف الأممي ببرلمان طبرق فقط»، كما أدلى وزير الإعلام في حكومة طبرق الليبية عمر القويري بتصريحات جديدة عبّر فيها عن رفض حكومته تصريحات وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش بخصوص «اعتراف» تونس بحكومتين في ليبيا، وقال: «الاعتراف بالحكومة غير الشرعية ومساواتها مع (الإرهابيين) لا يجوز، خصوصا وهو يعطي مؤشرات سلبية جدا للخارجين عن الشرعية». في إشارة إلى قوات «فجر ليبيا» و«غرف ثوار ليبيا» التي تسيطر على الأغلبية الساحقة من التراب الليبي برا، خصوصا في المناطق الغربية والوسطى، بينما تسيطر قوات «الكرامة» الموالية للواء خليفة حفتر على غالبية الأجواء الليبية وعلى مناطق في المنطقة الشرقية، بينها شرق مدينة بنغازي.
وتمادى «الوزير الليبي» في حوار مع صحيفة «آخر خبر» الجزائرية قائلا: «أبشركم بقيام إمارة إسلامية بجبل الشعانبي، وسنتعامل بحياد وسنكون على مسافة واحدة من حكومة قصر قرطاج ومع حكومة قصر الشعانبي». وانتقد عمر الغويري تصريحات الرسميين التونسيين التي أعلنوا فيها عن كون تونس «تقف على ذات المسافة مع حكومة عبد الله الثني شرق ليبيا وحكومة عمر الحاسي ومقرّها العاصمة طرابلس».

* دعوات لغلق الحدود
* في هذا المناخ المشحون وبعد تعاقب حالات الكشف عن مخازن أسلحة تهرب من ليبيا إلى تونس بواسطة «السياح الليبيين» - وبينها مخزن من الأسلحة المتطورة وقع الكشف عنه قبل أيام في مدينة بن قران الحدودية - تتوافد على تونس مجموعات عن مجالس الأعيان والأحزاب السياسية والمسؤولين الأمنيين والعسكريين لدعم مسار الحوار والتفاوض بين مختلف الفرقاء الليبيين.
وإذ رحب عدد من الساسة العلمانيين والإسلاميين التونسيين بجهود الحوار السياسي الليبي- الليبي في تونس والجزائر والمغرب، فإن مزيدا من الإعلاميين والمحللين السياسيين أصبحوا يطالبون سلطات بلدهم بـ«غلق الحدود التونسية الليبية برا وجوا، وبتشديد مراقبة مئات آلاف الليبيين المقيمين في تونس لأن الإرهاب يزحف على تونس وبقية الدول المغاربية عبر ليبيا»، على حد تعبير الكاتب والإعلامي سفيان بن فرحات والجامعي علية العلاني.

* محاولات الانقلاب على البكوش
* وإذ تتراوح العلاقات التونسية الليبية بين التصعيد والتهدئة وظفت أطراف سياسية في الحزب الحاكم في تونس - بزعامة الباجي قائد السبسي والطيب البكوش - الخلافات الليبية- الليبية لاتهام زعيم حزب الوطن الليبي الملياردير عبد الحكيم بالحاج بالتدخل في الشؤون السياسية التونسية، وبينها التطورات داخل حزب «نداء تونس»، إذ تتبادل مجموعتان من كبار مسؤوليه اتهامات بـ«الخيانة والتورط في الممارسات الانقلابية» تحت تأثير من أثرياء تونسيين لديهم علاقات مشبوهة مع بعض «أمراء الحرب في ليبيا».
وفي الوقت الذي نظم فيه عشرات من القياديين البارزين في الحزب الحاكم التونسي هجمات على الأمين العام للحزب الطيب البكوش ومقربين منه، بينهم المستشار السياسي لرئيس الجمهورية محسن مرزوق ورئيس ديوانه رضا بالحاج وعلى الوزير الأزهر العكرمي، شن الطرف المقابل في قنوات تلفزية ووسائل إعلام كبرى اتهامات لأثرياء تونسيين وشخصيات ليبيةـ بينها عبد الحكيم بالحاج بـ«الضلوع في محاولات التأثير في الشأن الداخلي التونسي وتنظيم انقلاب على قيادة حزب نداء تونس».

* حكومة وحدة وطنية
* لكن لئن تطور ملف العلاقات المميزة بين تونس وليبيا من «ورقة رابحة جدا اقتصاديا وأمنيا» إلى «عبء ثقيل» فإن مؤشرات جديدة ترجح سيناريو «احتواء الأزمة الليبية بمساعٍ تونسية».
في هذا السياق صرح أبو بكر مصطفى بعيرة الناطق الرسمي باسم برلمان طبرق لـ«الشرق الأوسط» بأن «أغلب الأطراف السياسية في ليبيا أصبحت مقتنعة بضرورة التوافق وحقن الدماء وتكوين حكومة وطنية جديدة ترأسها شخصية وطنية يقع التوافق حولها بمساعدة نائبي رئيس حكومة، على أن ينتمي المسؤولون الأُوَل الثلاثة إلى الأقاليم الليبية الثلاثة: الشرق والغرب والجنوب.. كما يشترط في المسؤولين الثلاثة أن لا يكونوا من بين الذين تحملوا مسؤوليات في الحكومات والبرلمانات السابقة التي ثبت فشلها».
هذا المنعرج السياسي الليبي- الليبي وتعاقب توافد ممثلي مجالس الأعيان والبلديات والقبائل والأحزاب الليبية على تونس قد يرجح حسب بعض الخبراء في العلاقات الدولية - مثل السفير التونسي في طرابلس سابقا صلاح الدين الجمالي - سيناريو تحسين العلاقات الليبية التونسية مجددا.. «لأن تونس محكومة بإكراهات كثيرة»، من بينها إقامة توازنات في علاقاتها بين الدول الشقيقة والصديقة التي تدعو إلى التدخل العسكري في ليبيا - مثل إيطاليا ومصر والإمارات - وتلك التي تعارضه مثل الجزائر وفرنسا.
في المقابل يعتقد الخبير في العلاقات الدولية والوزير التونسي السابق حاتم بن سالم أن «ملف العلاقات مع ليبيا دقيق جدا بالنسبة إلى تونس في ظل استفحال الجماعات الإرهابية في ليبيا وتونس وتزايد التنسيق بينها وتعاقب الاكتشافات لأسلحة قادمة لتونس من ليبيا». لكن بن سالم والجمالي وثلة من الخبراء الاقتصاديين التونسيين يحذرون في نفس الوقت من التضحية بمصالح ملايين التونسيين والتونسيات الذين يستفيدون منذ عقود من الشراكة الاقتصادية والتجارية والمالية المميزة بين تونس وليبيا.. وهي شراكة كانت توفر لتونس نحو ثلث مواردها السنوية من العملات الأجنبية إلى جانب مساهمتها في إدخال ديناميكية كبيرة جدا على قطاعات السياحة والخدمات الطبية والتجارية.
وسواء تمكن الجانبان التونسي والليبي خلال محادثات الفرقاء الليبيين وزيارة رئيس حكومة طبرق عبد الله الثني من «احتواء الأزمة والخلافات الثنائية» أو لا، فإن قدر البلدين البحث عن «توافق جديد» لأن تونس هي المنفذ الرئيسي لغالبية الليبيين بحكم وجود ثلاثة أرباع السكان غرب ليبيا وجنوبها.. أي أن الجانبين محكومان بالتمادي في تناول الإنتاج المشترك لعسل الجنوب التونسي والغرب الليبي.. وإن كان «العسل المر».. و«الخيار الذي لا بديل عنه».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.