الحضارة البشرية تواجه 12 تهديدًا مدمرًا

من بينها نظم الذكاء الصناعي والتغيرات المناخية الشديدة

الحضارة البشرية تواجه 12 تهديدًا مدمرًا
TT

الحضارة البشرية تواجه 12 تهديدًا مدمرًا

الحضارة البشرية تواجه 12 تهديدًا مدمرًا

قدم باحثون في مؤسسة «التحديات العالمية» الشهر الماضي، عرضا شاملا مثيرا للقلق لما يهدد الحضارة الإنسانية. وكان تعريفهم لانهيار الحضارة هو «الانخفاض الحاد في حجم السكان، والتراجع في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نطاق عالمي لمدة طويلة».
النبأ غير السار، هو أن قائمة التهديدات طويلة. وقد قمت بتقسيم سيناريو الدمار على أساس الأخطار التي يراها الباحثون، واحتمالات حدوثها في غضون مائة عام. أما الجانب المشرق من الأمر، فهو أن الاحتمالات كانت ضئيلة، مع ذلك لا بد أن يتم التعامل مع المخاطر بجدية.

أخطار الذكاء الصناعي

1- الذكاء الصناعي. قد يصبح من الصعب السيطرة على الآلات التي تعمل باستخدام تكنولوجيا ذات مستوى عال جدا، وقد تحتفظ تلك الآلات بموارد لتعزيز ذكائها، مما يترك مساحة صغيرة، أو ربما لا يترك أي مساحة، للجنس البشري. وهذا أمر يسبب ضررا كبيرا لنا.
* احتمالات محو الحضارة: من صفر إلى 10 في المائة

2- عواقب مجهولة. ما الذي نخشاه. هذه أمور غير واضحة؛ إذ إنها قد تتخذ بعض الأمور منحى سلبيا لا يخطر ببالنا. قد تكون هناك حياة لكائنات أخرى لكننا لم نتصل بأي منها، وربما دائما ما تدمر الحياة التي تحتوي على «مخلوقات ذكية» نفسها، أو قد يحدث ذلك بسبب شيء آخر، قبل اكتشافنا لأرجاء المجرة. وهذا لا يترك لنا سوى التكهن بالأسباب التي قد تكون قد أدت إلى دمار حياة ذكية أخرى.
* تقييم احتمال حدوث الخطر: 0.1 في المائة

3- علم البيولوجيا الصناعية. المشكلة أنه يمكن التحكم في مسببات الأمراض، بحيث تستهدف البشر أو جزءا أساسيا من النظام البيئي. وإذا أصبحت المنتجات البيولوجية الصناعية جزءا من اقتصادنا، فإن هذا سيزيد من ضعف موقفنا، فقد تصبح المدخل الذي تستخدمه الأجسام المعادية في الهجوم.
* تقييم المخاطر: 0.01 في المائة

مناخ متغير

4- تغير مناخي شديد. السيناريو السوداوي هو نشوب صراع عالمي نتيجة حدوث مجاعات، وقتل جماعي، وانهيار مجتمعي، وهجرات جماعية، مما يؤدي إلى انهيار الحضارة.
* الاحتمالات: تبلغ نسبة احتمال حدوث هذا خلال المائتين عام المقبلين 0.01 في المائة، بينما كل التقديرات الأخرى وضعت لفترة مائة عام.

5- التكنولوجيا المتناهية الصغر. كيف يتخذ هذا منحى ضارا؟ يمكن أن تتم صناعة الآلات متناهية الصغر التي تتجدد ذاتيًا بحيث تستهلك بيئتنا، وتدمر الإنسانية. من أسباب القلق الأخرى إمكانية استخدام التكنولوجيا متناهية الصغر في تصنيع قنابل نووية.
* احتمالات تدمير الحضارة خلال المائة عام المقبلة: 0.01 في المائة

6- حرب نووية. يمكن أن يؤدي اندلاع حرب نووية شاملة إلى حدوث شتاء نووي تنخفض فيه درجات الحرارة، ويكون مصير طبقة الأوزون هو الدمار. وستتعرض الموارد الغذائية في العالم إلى الخطر، ومن المحتمل أن يؤدي هذا إلى مجاعة هائلة.
* الاحتمالات: 0.005 في المائة

اصطدام مع كويكب

7- تأثير كبير لكويكب. يؤدي اصطدام هائل لكويكب، حجمه نحو 3 أميال، إلى دمار منطقة مساحتها تعادل مساحة هولندا. ويتسبب هذا في سحب هائلة من الغبار تؤثر على المناخ، وعلى الموارد الغذائية، مما يؤدي إلى عدم استقرار سياسي. النبأ السار هو أن كويكب بهذا الحجم لا يصطدم إلا كل 20 مليون سنة.
* احتمال حدوث الخطر: 0.00013 في المائة

8- وباء عالمي. يمكن أن تنتشر أمراض معدية بسهولة بسبب تقدم وتطور أنظمة النقل العالمية، والكثافة السكانية. قد يكون الوباء الجديد لا علاج له مثل الإيبولا، وذا طبيعة معدية مثل نزلات البرد الشائعة، وفترة حضانته مثل فترة حضانة مرض الإيدز، ومن المتوقع أن يؤدي إلى وفاة عدد هائل من البشر.
* الاحتمالات: 0.0001 في المائة

9- انفجار بركان هائل. سينطلق الهواء المضغوط والغبار في طبقات الجو العليا، مما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة في مختلف أنحاء العالم. سيكون هذا مثل شتاء نووي.
* الاحتمال: تبلغ فرصة حدوثه 0.00003 في المائة فقط

10- انهيار النظام البيئي. السيئ في الأمر أن الكائنات الحية ستنقرض بمعدل أسرع من أعلى معدل في التاريخ. وفي حالة انهيار النظام البيئي، قد يصبح استمرار بعض أنماط الحياة البشرية مستحيلا.
* الاحتمالات: أمر غير وارد

11- انهيار النظام العالمي. تواجه الأنظمة الاقتصادية والسياسية في العالم أخطارًا منهجية بسبب طبيعتها الدقيقة والمتشابكة. ويقول الباحثون إن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتوضيح أجزاء النظام التي من المحتمل أن تنهار وتدمر الحضارة. مع ذلك رأوا أن هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث في هذا الصدد.
* الاحتمالات: أمر غير وارد

12- حكم عالمي فاشل. مصدر الفلق هو ألا يتمكن القادة من القضاء على الفقر أو يقيمون دولة ذات نظام شمولي. ويمكن أن تيسر التكنولوجيا الحالية إقامة دولة ذات نظام شمولي.
* الاحتمالات: أمر غير وارد

* خدمة «واشنطن بوست»



مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.