بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

السيرة الذاتية ترصد أيام طفولة نائب الرئيس السوري والعمل السياسي وخلافات دموية سادت حزب البعث

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
TT

بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)

أثار كتاب «الرواية المفقودة»، الذي كتبه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وصدر مؤخرا، صدى واسعا، نظرا لما أحاط بالشرع من شائعات، منذ بدء الثورة السورية، تحدثت عن انشقاقه أو مغادرته سوريا أو حتى توتر علاقته بالنظام، وإلزامه بالإقامة الجبرية.
يخرج الكتاب وكأنما ليثبت أن الشرع لا يزال حرا، إن لم يكن في اتخاذ قرارات سياسية، ففي البوح ونشر كواليس مرحلة لا بد أنها كانت دقيقة أيام الرئيس حافظ الأسد، لكنها بالتأكيد ليست ما ينتظره القارئ الشغوف بما دار في السنوات الأربع الأخيرة، إذ تقف المذكرات التي يبدو أن الشرع كان يدونها أولا بأول عند وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتشييعه من «قصر الشعب».
المذكرات والشهادات التي حواها الكتاب ربما لا تكمن أهميتها فقط في بعض الأسرار التي يكشف عنها للمرة الأولى، وإنما أيضا في إبراز شخصية الرجل، ونهجه في التفكير، وخلفياته الفكرية، كما أسلوبه السلس في السرد، ومهارته في فن الكتابة الذاتية. وهو ما يتأتى، على ما يبدو، من حب قديم للأدب وقراءة للروايات، كما يذكر في كتابه.
وجه آخر، إذن، لفاروق الشرع السياسي، يكشفه الكتاب وهو طفل ومن ثم موظف في البنك العربي، وبعدها في شركة الكرنك، ومؤسسة الطيران حيث تعرف هناك على حافظ الأسد عام 1961 الذي كان طيارا مسرّحا ويعمل في مديرية النقل البحري.
ومن مفاجآت الكتاب أن يصدر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» الذي أنشأته قطر، رغم العلاقة السيئة بين قطر وسوريا في الوقت الراهن. ولمن يتساءل عن توقيت الإصدار فإن الجهة الناشرة توضح في مقدمة الكتاب: «كان هذا الكتاب كاملا بين أيدينا في أبريل (أبريل) 2011، لكننا قررنا التريث بسبب الأوضاع في سوريا، غير أن المدة طالت، ومؤخرا شعرنا بأنه لا يمكن التأجيل أكثر من ذلك، فنحن لا ندري ما تخبئ لنا الأيام، لذلك قررنا نشره بعد استئذان الكاتب».
يلتزم الكاتب بـ«الدقة والموضوعية» حسبما يقول، لكنه لا يعتبر ما يسرده «تسجيلا توثيقيا للأحداث بالمعنى الحرفي للكلمة»، بقدر ما هو وجهة نظر، وقراءة من زاوية رجل شارك وكان فاعلا في الحدث.
من النكبتين عامي 1948 و1967 وما قبلهما، يبدأ الكتاب. ولادة في ريف حماه عام 1938، وانتقال بين عدة بلدات، قبل عودة الأهل إلى مسقط رأسيهما في درعا وهو في التاسعة، ومشاركة في المظاهرات صغيرا، حين كان لا يزال في العاشرة بعد احتلال فلسطين. هذا الجانب الإنساني الذاتي الذي يتمفصل مع التاريخ ومعايشة المسار الحزين للمنطقة يُقرأ بمتعة، إذ سرعان ما نرى تطورات الأحداث السياسية في سوريا امتدادا لكل ما سبق. فمعظم شباب سوريا انخرط في السياسة «وتكونت دورة حياة سياسية وطنية في سوريا والمشرق العربي، لا سيما في أوساط الطلاب وبعض المعلمين والمدرسين». وتأتي الانقلابات العسكرية المتوالية بعد ذلك كنتيجة طبيعية للغليان والنقاشات السياسية المحتدمة حينها.
باكرا انخرط فاروق الشرع في حزب البعث الذي كان قريبه موفق الشرع من واضعي مداميكه الأولى في محافظة درعا. يعرج الكتاب على الأحداث الجسام التي مرت بها سوريا، وعلى الخلافات الدموية العميقة التي سادت حزب البعث في سنواته الأولى، وفترة تعيينه سفيرا في إيطاليا وتجربته هناك بدءا من عام 1976 وحتى عام 1980، ومن ثم تجربته بعدها كوزير للشؤون الخارجية، ومن بعدها كوزير للخارجية، وهي الفترة الأهم التي يسردها في كتابه. ويتحدث عن لقاء أحيط بتكتم شديد عقده الملك حسين في الأردن بين حافظ الأسد وصدام حسين دام 11 سنة، كان خلاله الملك يوصل الطعام للمجتمعين، كي لا ينكشف أمرهما. ولقاءات ومفاوضات أخرى استكملها الشرع وطارق عزيز لم تثمر عن نتيجة.
يتحدث الكتاب أيضا عن محاولة لـ«الإخوان» لاغتيال حافظ الأسد باءت بالفشل، وعن العلاقة بين رفعت الأسد وأخيه والتي غالبا ما كان يعتبر الرئيس أن أخاه مغرر به. لكن ما يبحث عنه القارئ هو ذلك الحيز الذي يستغرق نحو نصف الكتاب، عن المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي بدأت عربية جامعة في مدريد، وصولا إلى فشل المسار السوري، في جنيف، بين بيل كلينتون وحافظ الأسد.
لعلنا لا نعثر في الكتاب على أسرار كبيرة، بقدر ما هي التفاصيل السورية التي تروى للمرة الأولى بقلم أحد المشاركين الرئيسيين في تلك المفاوضات، فقد كلف الشرع بتشكيل الوفد السوري، وقيادة المفاوضات، وتم السعي السوري أولا لنقل المفاوضات من هولندا إلى مدريد، لتأمين أجواء مواتية للعرب كون هولندا أكثر قربا من إسرائيل. ويروي الكتاب أيضا المحاولات الشاقة التي قام بها الشرع لإبقاء التنسيق العربي - العربي مستمرا في مدريد طوال فترة المفاوضات مع محاولات مستميتة من قبل الإسرائيليين، لإبعاد الوفود العربية عن بعضها البعض، هذا غير كلامه عن نوع من الخدع كانت تمارس على هذه الوفود، حتى إن الشرع قام بجهد كبير جدا كي يبقي المفاوضات مع الوفود العربية في مكان واحد وهو ما كانت ترفضه إسرائيل.
ما لم تنجح به إسرائيل في مدريد حققته في أوسلو. يروي الشرع «كان هدف الإسرائيليين كسر التنسيق القائم بين دول الطوق، ومن ثم إلغاء شمولية الحل، وقد نجحوا في فصل المسار الفلسطيني». ويقول أيضا «شعرنا بأن لعبة ما حدثت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، تتمثل في أن رابين استخدم كريستوفر لإيهامنا بأنه تقدم على المسار السوري، لإرباك الفلسطينيين، والإيحاء لهم بأن يقبلوا بسرعة ما هو معروض عليهم».
يدافع الشرع عن موقف القيادة السورية حينها من القضية الفلسطينية، متحدثا عن علاقة صعبة مع ياسر عرفات «وحرصت دائما على أن تبقى الجسور مفتوحة بيننا، في أحلك اللحظات، وتحملت معاتبة القيادة لي على رفض القطيعة معه». ويدافع الشرع في كتابه عن الموقف السوري من القضية الفلسطينية قائلا «إذا ما كان لقائد فلسطيني أن يرمينا بالشبهات حول محاولة سيطرتنا على القرار الوطني الفلسطيني المستقل واحتكاره، فإنه لا يستطيع أن يرمينا بنقص ربط مصيرنا بمصير فلسطين. هذا تنطق به مجريات مفاوضاتنا ووثائقها المدونة لدينا ولدى الآخرين، وإلا هل كان حكام إسرائيل أغبياء إلى الحد الذي لا يعيدون فيه الجولان إلى سوريا مقابل التخلي السوري عن حقوق الفلسطينيين؟».
بعد اتفاق «وادي عربة» الذي يعتبره الشرع «سقوطا للجبهة الأردنية»، يتحدث عن «وديعة رابين»، ومن ثم المفاوضات الطويلة والشاقة التي كانت تصطدم باستمرار بترسيم حدود 4 يونيو (حزيران) 1967 وبالطلب السوري للاستفادة من مياه بحيرة طبريا التي لا تريد إسرائيل التخلي عنها. يروي الشرع تفاصيل طويلة ومسهبة حول المفاوضات التي دارت، بين الإسرائيليين والسوريين برعاية أميركية منذ عام 1991 وحتى فشل قمة جنيف عام 2000.
ولا يبدو أن علاقة سوريا بلبنان في فترة تولي الشرع الخارجية كانت مما يحب التدخل فيه. يظهر تكرارا ارتياحه لإسناد غالبية مهام هذا الملف لعبد الحليم خدام، متبرما من ألاعيب السياسيين اللبنانيين الذين يرى أن غالبيتهم على استعداد لتغيير وجهاتهم حيث تدعو مصلحتهم الذاتية والآنية.
ويقول عن الاتفاق الثلاثي الذي أفضت إليه اتصالات أجراها عبد الحليم خدام بين «القوات اللبنانية» و«حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، في ديسمبر (كانون الأول) عام 1985 «كانت اللعبة أعقد من تقديراتي، لم أستطع تفسير السرّ الحقيقي لعناد الجميل في تسلم الاتفاق على الرغم من تلهفه للقاء الرئيس الأسد، إلا بعد أسبوعين، وزادتني هذه المعرفة نفورا من الغوص في الشأن اللبناني الذي لا تنفع فيه الذمم واحترام العهود، فكل شيء قابل للانقلاب عليه والنكوص عنه. هذا ليس عمل وزير خارجية بل عمل رجال أمن يجيدون عمل الميليشيات. كان الجميل قد أخذ يومئذ بالعمل مع سمير جعجع لإسقاط الاتفاق الثلاثي».
ورغم بعض التفاصيل التي تهم المختصين أو محبي الاطلاع على كواليس ما يحدث في عالم السياسة، لعل الكتاب ذو أهمية، كما أنه مكتوب بلغة عذبة، فإنه قليلا ما يتحدث عن خبايا النظام السوري نفسه في تلك المرحلة.
ثمة كلام عن فساد وأخطاء تسود، وعن انزعاج للرئيس حافظ الأسد من أوضاع كان يصعب عليه إصلاحها، رغم رغبته في ذلك. لكن فاروق الشرع يبقى أمينا لصديقه الذي حكم برفقته، وينهي كتابه برحيله وتوريث ابنه بشار. يكتب عن أسلوب الرئيس حافظ الأسد في الاجتماع بالزوار وطقوسه بشيء من الإعجاب، كما يقدمه كصديق صدوق يوم جاء يزوره في المستشفى أثناء مرضه، رغم أنه قليلا ما يفعل ذلك.
لا يحاول فاروق الشرع في هذا الكتاب أن يتنصل، لا من حزب البعث ولا من النظام السوري، أقله في الفترة التي يكتب عنها. فهو صانع جزء من تلك المرحلة، كانت له مهامه التي يدافع عن موقفه منها، وموقف القيادة السورية يومها. وبالتالي فهو يكتب أشبه بمذكرات لرجل عاش قناعاته قدر استطاعته، في ظل نظام، يعتبره عروبيا مدافعا عن فلسطين.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.