عبد الرحمن رفيع يرقد على وسادة البنات

شاعر «اللغة الوسطى» و«الحكواتي» الذي حول قصائده إلى لوحات مسرحية

عبد الرحمن رفيع
عبد الرحمن رفيع
TT

عبد الرحمن رفيع يرقد على وسادة البنات

عبد الرحمن رفيع
عبد الرحمن رفيع

بين الأمل والرجاء، يرقد الشاعر الذي أبهج الناس ردحا من الزمن، وكانت صلة الوصل بين قديمهم الجميل وحاضرهم، ومثلت قصائده صورة متحركة للحارة الشعبية الخليجية وشخصياتها ويومياتها التي أداها شعرا بأسلوب مسرحي فكاهي.
الشاعر الذي تغزل بالبنات، حتى قبل أن يعرف جيله معنى الغزل، ورأى أن الدنيا تبقى مستوحشة «لولا البنات»: «فتّح عيونك وقل لي: مثل شنهو هالحياة؟ لولا الـبنات - شكثر كانت كريهة هالحياة»! لشاعر عبد الرحمن رفيع، يرقد حاليا على الفراش الأبيض في المستشفى العسكري بالبحرين، منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، تحفه قلوب جمهوره الذين وجدوا أنفسهم وذكرياتهم وأحلامهم الماضية في قصائده الشعبية.
إنه شاعر من الزمن الجميل، من الأيام الخوالي التي كانت تشع بعبق التراث، تشدك كلماته وأشعاره دون أن تشعر، إلى الحارة الخليجية حيث شخصيات الشاعر التي ظلت منتصبة طيلة 60 عاما في شعره ومساجلاته، حيث استطاع أن يحركها ويلاعبها بما يشبه المسرح الشعري المتقن الأداء، فبدت قصائده حافلة بالمشاهد المتحركة لشخصيات من البيئة المحلية تحكي وتساجل وتناقش وتدافع في حوارات هزيلة تارة وجادة تارة أخرى، ولكنها لاذعة من خلال الرسالة التي تحاول إيصالها. اختار أن تكون قصائده بهذا الشكل لكي تؤدي دورها في المتلقي، وهو القائل:
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس جديرا أن يقال له شعر
وهو الشاعر الذي انحاز للقرية، وأزقتها، وشخصياتها، وتشابك العلاقات بين أفرادها، وراح ينسج منها الحكايات على هيئة قصائد شعبية ممسرحة، تروي جانبا من الحياة اليومية، وتؤدي عملا استعراضيا أبطاله شخصيات نسجها عبد الرحمن رفيع في قصائده، مستخدما لغة ترتقي على العامية، وهي دون الفصحى، يصطلح على تسميتها بـ«اللغة الوسطى»، كما قال ذات مرة لـ«الشرق الأوسط» منتصف التسعينات من القرن الماضي، مستحضرا رسالته التي يحملها ويتفانى من أجلها، وهي الوصول للناس وإسعادهم.
وبحسب رواية للدكتور عبد الله الغذامي قالها في أمسية تكريم عبد الرحمن رفيع في صالون عبد المقصود خوجة، فإن الشاعر رفيع اشتكى في لقاء تلفزيوني في القاهرة مع فاروق شوشة: «من أن الناس صنفوه شاعرا عاميا، وهو في الأصل شاعر عربـي فصيح، ولكنه أخذ القصيدة الشعبية لكي يصل إلى الناس، أي أن قضيته هي الناس وليست مجرد القول».
ولد عبد الرحمن محمد رفيع في العاصمة المنامة عام 1936، وبعد إكماله دراسته الثانوية هناك اتجه لدراسة الحقوق بجامعة القاهرة في مصر. غير أنه قطع دراسته في السنة الثالثة، عائدا إلى بلاده ليعمل معلما. ولسنوات طويلة عمل في وزارة الدولة للشؤون القانونية، قبل انتقاله إلى وزارة الإعلام مراقبا للشؤون الثقافية. وفي مسيرته الشعرية أصدر 9 مجموعات شعرية فصيحة وعامية، أهمها: «أغاني البحار الأربعة) 1971: «الدوران حول البعيد» 1979، و«يسألني» 1981، و«لها ضحك الورد»، و«ديوان الشعر الشعبي» 1981، و«ديوان الشعر العربي»، و«أولها كلام» 1991.

الشعر المسموع
لا يمكن الدخول إلى مدرسة عبد الرحمن رفيع الشعرية، دون اصطحاب المدرس الشاعر. لأن شعر عبد الرحمن رفيع العامي أصبح مسموعا يعتمد على طريقة الشاعر (الحكواتي) على النمط الخليجي - البحريني (تحديدا) في نطق الحروف وإدغام الكلمات واستخدام الإيقاعات الصوتية، وغالبا فإن أحدا سوى الشاعر نفسه لن يُتقن أداء الإشعار التي ينظمها.
وهذا التلاقي والتطابق بين شخصية الشاعر والنصّ الشعري جعل الأخير رهينا لشفتي عبد الرحمن رفيع، لكنه كان الحائل دون الانتشار عربيا، والخروج بالنص من الإطار الخليجي إلى الفناء العربي.
في لقائه القديم معي سألته عما يشعر إزاء ذلك، فقال: «مشكلة شعري أنه مسموع أكثر منه مقروءا.. وهذه مشكلة العامية، فشعري يعتمد على الأذن، على طريقة الشعر القديم، عند العرب، في الجاهلية، حيث كانت الأذن سامعة والكُتّاب كانوا يعدون على الأصابع، فكان الإنسان العربي يعتمد على حاسة السمع:
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس جديرا أن يقال له شعرُ
سألت الشاعر رفيع: ولكن أحدا لن يفلح في قراءة أشعارك بالشكل الذي تؤديه أنت؟
فقال: لأن الآخر لم يتقمص العمل تماما، لكنني ألتزم باللغة الثالثة التي يصفها توفيق الحكيم باللغة الوسطى، أحاول أن استخدم كلمات متداولة ومفهومة، فلا أغوص في الأعماق الشعبية، ولكن اعتمد على لغة التخاطب المتداولة، اللغة البسيطة.

حارس الحارة
لا يفتأ عبد الرحمن رفيع يتحسر على الصورة القديمة للحارة التي كان يعيش فيها، وقصائده دائمة الشكوى من تبدل الأحوال، وكأنه نصّب نفسه حارسا للتراث، وحاميا للطراز القديم من أنماط الحياة، هو يقول:
كانت البنت في زمانا
في السكيك مول ما اتردد
لو اطلعت من بيتها مره
في السنة اتروح اتحمد
ولو اطبقوها من الدريشه
اتطل من الخوف اتبريد
وكنتُ سألته عما يقلقه من تبدل الأحوال، فقال: سواء قلقنا أم لم نقلق، فالزمن لا بد أن يأخذ مجراه، والزمن لا يرحم، وعجلة التطور تبقى سائرة، لكننا نحنُّ إلى ذلك التراث ونحاول أن نبقي على قيمنا التي تربينا عليها. فمثلا في قصيدة لي بعنوان «سوالف أمي العودة» أحاول أن أتذكر مفرداتنا التراثية، وأقارنها بنظائرها أو بدائلها المعاصرة وأمازج بينها على طريقة «الديالكتيك الهيغلي»؛ القضية ونقيضها، وجاء في تلك القصيدة:
يدتي أمي العوده: طيبه من نسوانا لول
اقعديت مره معاها قلت
لها سولفي عن أول
قلت لها يا يده سولفي لي عن الليله العظيمة
ليلة الزفة اللي راحت
وأصبحت أخبار قديمه؟
قالت الزفه خذوني مريم وبنا وحليمه
في وسط زوليه حمرا
بالغصب جني يتيمه
وقالو اسم الله عليها
وهالحسن الله يديمه
العروس فأيامنا جانت تستحي وعاجله وفطينه
والعروس في أيامنا هذي
تقضب الزوج من يمينه
رافعتن رأسها كأن فوق
ويها ايلود متينه
الشعر الفصيح
رغم أن عبد الرحمن رفيع، عرف بوصفه شاعرا شعبيا، إلا أن قصائده التي نظمها باللغة الفصحى لا تقل أهمية عن عشرات القصائد العامية، ولعل قصيدته: من هنا الخليج. تعد واحدة من أكثر القصائد الفصيحة التي يعتز بها الشاعر، وجاء فيها:
من حقبة النفط يصحو مرة أخرى
يُثري الحياة.. كما من نفطه أثْرى
قفوا جميعا له، إن الخليج بدا
من الجهالة، من أسمالها، يعْرى
خمسون عاما مَضَتْ، شاد الأساس بها
واليوم ينهضُ، حتى يدخل العصرا
ما عاد بائع نفطٍ، مثلما زعموا
بل رائد يصنع التاريخ والفكرا
هذا الخليجي، هيهات الوقوف له
أمام وثبته، لما نوى الإسرا
يريد إيصال ماضيه بحاضره
والشرق بالغرب، لا يُمنى ولا يُسرى

غازي القصيبي وشقة الحرية
كثر الحديث عن علاقة الشاعر عبد الرحمن رفيع، بصديقه الشاعر والوزير الراحل غازي القصيبي، وكلاهما تحدث عن هذه الصداقة علنا وفي أمسيات متعددة، وهناك من حاول أن يفتش عن شخصية عبد الرحمن رفيع في رواية القصيبي «شقة الحرية»، فقد ذكر وزير التجارة السعودي السابق الدكتور سليمان السليم أن «محمد كانو ومحمد صالح الشيخ، وسليمان السليم وخالد القريشي كانوا من رواد تلك الشقة» («الشرق الأوسط» 21 أغسطس/ آب 2010)، وفي مورد آخر يقول الوزير السليم: «كان سكان الشقة وروادها - كغيرهم - متنوعي التوجهات، لكن معظمهم كان متابعا لكرة القدم، وعندما فاز الأهلي على الزمالك (4 - 1) أقيم حفل مهيب في الشقة، حيث شمر عبد الرحمن رفيع عن ساعديه، وأدى تحية تشرشلية، لكن بـ4 أصابع، ثم ألقى قصيدة عصماء مطلعها: «تصبر يا زمالك فالهزيمة على ناديكم كانت أليمة» («الشرق الأوسط» 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2010).
وفي حين كان رفيع يقول إن «شقة الحرية» هي سيرة ذاتية، كان الدكتور سليمان السليم يصّر على أن «شقة الحرية.. ليست سيرة ذاتية، كما أنها ليست قصة خيالية. هي أقرب ما يكون لـ(دوكيو دراما)؛ سجل مضخم أو طبخة ببهارات مناسبة، أجاد غازي خلطتها لحقبة من حياة طلاب خليجيين في مرحلة من تاريخ مصر» («الشرق الأوسط» 9 أكتوبر 2010).
لكن من الثابت أن علاقة صداقة وطيدة ربطت بين القصيبي وعبد الرحمن رفيع، بدأت منذ الخمسينات حين كان القصيبي مقيما مع أسرته في البحرين، وقد بدأت هذه العلاقة وهما في الصف الأول الثانوي، وامتدت حتى وفاة القصيبي، والواضح أنهما تزاملا معا في الدراسة الجامعية في القاهرة، خلال مدة الخمس سنوات التي أقام فيها رفيع في القاهرة لدراسة المرحلة الثانوية ودراسة الحقوق بجامعة القاهرة، قبل أن يقطع دراسته في السنة الثالثة ويقفل عائدا للبحرين.
في تلك الفترة، كان رفيع يساجل صديقه القصيبي بالشعر في مناسبات متكررة، وقد أورد مشاهد من تلك المساجلات، قال مرة في أمسية أقيمت له في صالون عبد المقصود خوجة في جدة: «زاملت الدكتور غازي القصيبي خلال دراستنا بالقاهرة لمدة 4 سنوات، بل 5، حصلنا فيها على شهادات الثانوية العامة، ثم واصلنا دراستنا الجامعية؛ ففي أوائل أيام التحاقنا أقبلت فتاتان وجلستا أمامنا، فتساءلتُ لماذا اختارت هاتان البنتان هذا المكان؟ وكانت إحداهما كالحصان والأخرى صديقتها.. وكان غازي يكتب ما يعن له من الأبيات الشعرية خلال إلقاء الدكتور المحاضرة، ثم يعطيني إياها لقراءتها، وأقوم أنا بعد ذلك بالرد عليه. ومن تلك المحاورات هذه المقطوعات. كتب غازي:
إيه يا تافهة مغرورة
أي شَيْءٍ فيك يَدْعُو للغرورِ
أَتُراه الْوجه إذ غطيته
بدثار من صباغٍ وعطورِ
أم تراهُ الشَعر يا آنستي
إذ جعلتِ منه أذناب الحميرِ
فرددتُ عليه:
تلكَ حسناءُ على أهدابِها
يرقصُ الشوقُ وإعلاءُ الصُقورِ
تَركَتْ عقلك يهذي عندما
تتراءى مثل شَمسٍ في بدورِ
أنت مهما قُلتَ في تقبيحها
إنها تَسْطَع كالبدر المنيرِ
وفي أكثر من مناسبة روى عبد الرحمن رفيع جوانب من علاقاته الوطيدة مع القصيبي، شملت أيضا الفترة التي شغل فيها القصيبي سفيرا للسعودية لدى البحرين، ثم انتقاله إلى لندن.
وفي مساجلاته المتكررة مع غازي القصيبي يروي عبد الرحمن رفيع أنه تحدى صديقه القديم أن يأتيه بقصيدة في الأدب العربية تنتهي بتاء مفتوحة.. وبعد طول بحث عجز القصيبي أن يأتيه (كما يقول) بتلك القصيدة، لكن رفيع استخرج له قصيدة نظمها في الرباط في أغسطس (آب) 1993. يقول فيها:
أحورا ما أراه أم بناتا
فلم أر قبل حسنهم بتاتا
إذا قاموا لمشي أو لرقص
تفتت منهم قلبي فتاتا
وبات الليل يشكو من هواهم
ولم يكُ قبل ذلك قط باتا
لقد ذبحوا فؤادي ذبح شاة
فرفقا بي فقلبي ليس شاتا
رأيتهمو فنحت على شبابي
وسيفٍ في قد عشق السباتا
وقلتُ من التحسر ليت شعري
لقد ذهب الزمان بنا وفاتا
أطلعهم فأدعوهم بكفي
كما يدعو الكبار الطفلَ «تا.. تا»
ألا ليت الشباب يعود يوما
ولكن الشباب اليوم ماتا
وفي عام 2003، عين غازي القصيبي وزير للمياه والكهرباء، كتب إليه عبد الرحمن رفيع مهنئا:
وزير الماء عشت أبا سهيل
كي تروي لنا القفر الفقيرا
أراني لست أدري هل أهني
أم أني أسكب الدمع الغزيرا
أو يجدي البكاء على عذاري
ويرجع ماؤها عذبا نميرا
ولم يبقَ بجوف الأرض ماء
لكي تمسي على ماء وزيرا
وهو رثى القصيبي في قصيدة من أبياتها:
سأكتب عنه اليوم كي أظهر الفضلا
ومن ذا الذي في فضله يدعي الجهلا
سأكتب عن غازي فتى الشعر هائما
بحب «أوال» ينشد البحر والنخلا
ستبقى على ثغر الزمان رواية
وتبلى الليالي الفانيات ولا تبلى



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.