الشراكة بين السلطة.. والمثقف

ملامح الحداثة في الثقافة العراقية منذ الأربعينات

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الشراكة بين السلطة.. والمثقف

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر عن «منشورات الجمل» كتاب «تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق» للناقدة فاطمة المحسن وهو استكمال لموضوع بحثها السابق «تمثلات النهضة في العراق الحديث» ورؤيتها لمفهوم الحداثة العالمية الذي نشأ بفضل جيل من المثقفين العراقيين الذين اتصلوا مباشرة باللغات الغربية، ونهلوا من آدابها وعلومها مباشرة، كما تركز الناقدة على مصطلحات الطليعية والمثقف الثوري ودورهما في الحداثة العراقية من دون أن تهمل المثقف الأكاديمي وأهمية الأبحاث التي كتبها في ميادين مختلفة وعلى رأسها التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
يتألف الكتاب من خمسة فصول رئيسية أولها «ثقافة المؤسسة وتمردات الحداثة» الذي تركِّز فيه على مرحلة الأربعينات من القرن الماضي وتعتبرها مرحلة حاسمة في تاريخ العراق لأسباب متعددة أبرزها عودة الدارسين من الجامعات الغربية بعد حصولهم على الشهادات العليا، واستقطاب عدد من الفنانين البولونيين الهاربين من جعجعة الحرب العالمية الثانية أمثال ماوتشيك، جابسكي، زيكمونت وياريما إضافة إلى عدد من الكُتّاب والآثاريين والمستشرقين أبرزهم كنث وود، دزموند ستيوارت، أغاثا كريستي وزوجها ماكس مالون، وظهور حركة الشعر الحر بين التجمعات الطلابية في كلية الآداب والتربية بسبب دراساتهم للأنماط العالمية للكتابة الشعرية، ونزوح الأدباء من الموصل والبصرة وبقية المحافظات العراقية إلى بغداد ورفد صحفها ومجلاتها بالكثير من النتاجات الأدبية والمقالات والدراسات الرصينة، وتفاعل المرأة مع الرجل في المعاهد والجامعات العراقية الحديثة، ودخول النساء إلى تجمعات المثقفين العراقيين أمثال الرسامة مديحة تحسين عمر، نزيهة سليم، عالية القرغولي وروز ماري خيّاط. وتنظيم المركز الثقافي البريطاني ببغداد لعدد من معارض الفن التشكيلي لعطا صبري، حافظ الدروبي، أكرم شكري وجواد سليم مُجترحًا بذلك مظهرًا جديدًا من مظاهر الحداثة في المشهد الثقافي العراقي. وفي السياق ذاته حاول الرسامون والأدباء تجاوز القيم الأخلاقية السائدة فرسموا أماكن اللهو ومنازل اللذات العابرة فيما تناول الشعراء ثيمات جريئة كانت محجوبة أو مسكوت عنها في الأقل.
تختم فاطمة المحسن هذا الفصل بالإشارة إلى العنف الذي استشرى في العراق وأفضى إلى مغادرة غالبية ممثلي الجيل الخمسيني إلى خارج العراق مثل فرمان والتكرلي والبياتي وبلند الحيدري وعلي الشوك، بينما صمت في الغربة بعض المثقفين أمثال عدنان رؤوف وأنيس زكي حسن ونهاد التكرلي.
الطليعة الثقافية
تشير فاطمة المحسن إلى أن أحزاب اليسار تستعمل كلمة «طليعة» باعتبارها مُعبِّرة عن هموم الشعب وناطقة باسمه. ومع أن الجواهري كان متصدرًا المشهد الثقافي آنذاك إلا أن أدوات تعبيره ظلت كلاسيكية، وأن طليعيته كانت تستمد الكثير من لغة الماضي، بل إن صوته كان صوت الجماعة القديمة.
ثمة شراكة بين السلطة والمثقف كما ترى المحسن، فلقد سعى ذو النون أيوب والجواهري إلى الحصول على عضوية مجلس النواب استنادا إلى مكانتهما الأدبية، كما حصل عبد الحق فاضل وهو محام وأديب ومترجم على منصب دبلوماسي مرموق، وأصبح رفائيل بطي وزيرا في الخمسينات، وأشرف حسين الرحّال على الإذاعة الأمر الذي يكشف عن وجود مثل هذه الشراكة المعلنة.
نأى الرسام عن استنساخ المناظر الطبيعة، وابتعد النحّات عن تقليد النماذج المرئية، وعزف الشعراء المحدثون عن الموضوعات القديمة فكتب السياب «أنشودة المطر» 1953 وهي من أهم التجارب اللافتة في الحداثة الشعرية العربية رغم أن مشعل الحداثة حمله البياتي وبلند الحيدري إلى جانب السياب. أعرب عبد الملك نوري عن إعجابه المفرط بالأدب الإنجليزي وحاول اجتراح طريقة جديدة في كتابة القصة لكن وجوده الخاطف سرعان ما انتهى في الثقافة العراقية. كما ينطبق الأمر نفسه على الرسام محمود صبري الذي غادر العراق ثم تبنّى «واقعية الكم» وقدّم نتاجات شكّلت قطيعة مع ماضيه الفني.
لكن المؤلفة تذكر من ناحية أخرى أن المثقف العراقي كان بالضياع والعزلة والاغتراب وهو في وطنه فلا غرابة أن يشعر علي الشوك بأنه «مثقف معزول» لأنه غريب عن مجتمعه، ومغترب وهو في بيته ومدينته، ولهذا عاش البريكان عزلة مكتملة كان ينتصر عليها بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، كما كان يفعل نجيب المانع، ومحمود صبري، وجواد سليم ونهاد التكرلي وغيرهم. هذا الولع بالموسيقى سوف يتحول إلى كتابة انطباعية أو نقدية عنها على أيدي شعراء وكتّاب عراقيين مثال علي الشوك، نجيب المانع، صلاح نيازي، فوزي كريم وقتيبة الشيخ نوري.
لم تكْفِهم صفات الغربة والضياع والتشتت فبحثوا عن العبثية واللاجدوى والمنحى الوجودي وأسسوا مقاهي وجماعات فنية من بينها مقهى «الواق الواق» التي استمدتها مخيلاتهم من قصص «ألف لية وليلة» وجماعة «الوقت الضائع». ينتمي جيل عبد الملك نوري، ونازك الملائكة، وفؤاد ونهاد التكرلي، ورفعت الجادرجي وجواد سليم وقتيبة الشيخ نوري وغيرهم إلى الفئات المتمكنة ماديا ولكنهم كانوا يصرّون على أنهم يعانون من الضياع، ويمعنون في الهرب من الواقع. حاول بعضهم أمثال عبد الملك نوري وعائد خصباك ومهدي عيسى الصقر إبراز عيوب وتشوهات المجتمع البرجوازي، كما حاول التكرلي إبراز تصوراته الوجودية وتجسيد فكرة الإحساس بالضياع والشعور بالعبث.
تناولت المحسن في هذا الفصل الشخصية «الداندية» كإنسان «متأنق ومتشاوف ومترفع»، كما قدمت عددًا من الأدباء الأكاديميين العراقيين الذين اصطبغوا بالصبغة القومية ودخلوا في صراعات مريرة مع اليسار العراقي برمته، كما أشارت إلى منظمة «حرية الثقافة» ومؤسسة فرانكلين في الستينات التي دعمت عددًا من الأدباء والكتاب ونشرت ترجماتهم ومن بينهم السياب. وتُنهي المحسن هذا الفصل بالحديث عن تداخل الثقافة العارفة بالشعبية حينما كتب النوّاب بعض شعره بمحكية أهل الهور ونشر ديوانه الأول «الريل وحمد» الذي تحوّل إلى أيقونة ثقافية بعد أن قال عنه سعدي يوسف «أضع جبين شعري كله على الريل وحمد» ثم عززت هذا المنحى الشعبي لميعة عباس عمارة وغيرها من الشعراء بينما اعتبر القوميون إدخال المحكية إلى الأدب تجاوزًا على الفصحى وانتهاكًا لها.
ثقافة المدينة الحديثة
ترصد فاطمة المحسن في الفصل الثالث المعالم الجديدة لبغداد وصعود العوائل الميسورة بعد عودة أبنائها من الدراسة في الخارج أمثال محمد مكية ورفعت الجادرجي ودورهما في تحديث بغداد. يؤرخ خالد السلطاني ظهور العمارة الحديثة في العراق بين منتصف الأربعينات والخمسينات وأشار إلى عدد من المباني التي صممها مهندسون عراقيون مثل «سوفير» و«مشغل الهلال الأحمر» و«خان باشا». توقفت المحسن عند شارع الرشيد الذي يعتبر أنموذجًا للعمارة الهجينة والحداثة العراقية حيث يجمع هذا الشارع بين الجوامع ذات الطرز الإسلامية، والسوق العربي، والمقاهي العثمانية، والأبنية الحكومية الحديثة.
ترى المحسن أن الحداثة قد فرضت شروطها في مفصلين أساسيين وهما تقريب الأماكن وتوحيد الزمن. وتتوقف عند بعض الجماعات الفنية مثل «جماعة بغداد للفن الحديث» التي أصدرت بيانها الذي يتمحور حول مفهوم التراث والمعاصرة وجماعة البدائيين ورغبتهم في التجريب. كما تُعرّج على السرد في بعض الروايات المهمة لعبد الملك نوري وفرمان والتكرلي التي تدور في الأحياء الشعبية الفقيرة وقد اعتبرت الناقدة رواية «النخلة والجيران» أقرب إلى مرثية لبغداد القديمة الموشكة على الأفول. وتختم المحسن هذا الفصل بالحديث عن عفيفة إسكندر التي مزجت بين المرح واللذة والأنوثة الناعمة والغناء بالفصحى. كما توقفت عند المونولجست عزيز علي الذي كان يسخر من البرلمان والفساد وهيمنة الاستعمار عبر أغانيه الذكية التي أحبها المثقفون وعامة الناس على حد سواء.
المشروع الأكاديمي
تكمن أهمية الفصل الرابع «الدرس التعليمي والمشروع الأكاديمي» في عدد من الظواهر المفصلية أولها أن المناهج الدراسية الحكومية قد تعممت بصيغتها الحديثة بعد هزيمة «الكتاتيب» ووصول المدارس إلى البوادي والأرياف علمًا بأن الدولة لم ينافسها في نهضة التعليم سوى بعض المدارس اليهودية والمسيحية وهي قليلة جدًا في مجتمع غالبيته مسلمة.
صاغ البريطانيون المناهج الأولى للتعليم بمساعدة ساطع الحصري فتنوع الدرس البحثي المتصل بالطرائق الغربية. ركزت المحسن في هذا الفصل على أربع شخصيات أكاديمية مهمة أولها جواد علي الذي قدّم أطروحة نادرة عنوانها «المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية» 1938 التي تُرجمت إلى العربية عام 2005 وقد استعمل فيها الباحث المنهج الاستقرائي باعتباره جدلية تاريخية بين تصارع الروايات. لم يبتّ الباحث في الروايات ولم يدحضها ولكنه ينبه إلى مصدرها، وأزمنة القائلين بها، وأخطاء المؤرخين أنفسهم. وهدفه هو الفصل بين الحقيقة التاريخية والأسطورة. وقد اعتبرت المحسن هذا الكتاب بأنه يصل الدرس الثقافي بدقة المعلومة أو الرواية.
أما عبد العزيز الدوري فكانت أطروحته «تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري» الذي ربط فيه التاريخ بالسوسيولوجيا بالاقتصاد وهي أطروحة متفردة غير أنه في كتابه الثاني «دراسات في العصور العباسية المتأخرة» يرى أن النظر في التاريخ يقوّي ملكة النقد، ويوسع أفق التفكير، ويمهد لمعرفة نفسية الأمة. ورغم نزعته القومية واتهام بعض طروحاته بالتعصب للعرب والعروبة إلا أنه سجن في عهد البعث الثاني فقرر الخروج من العراق وعدم العودة إليه طوال ما تبقى من حياته.
لم تسلم الشخصية الثالثة على أهميتها من التعسف فرغم المنجزات والخدمات الجليلة التي قدّمها طه باقر للثقافة العراقية فإن البعثيين زجّوه في السجن فانقطع عن الكتابة لعقد ونصف العقد وهو صاحب المؤلفات الأربعة التي ظلت باقية في الذاكرة الجمعية العراقية وأبرزها ترجمته لملحمة «كلكامش» وتعريفاته المتواصلة بالأدب العراقي القديم والكتابة عن تراثنا اللغوي وما اكتنفته من أشياء دخيلة.
أما الشخص الرابع فهو علي الوردي الذي حاز على شعبية كبيرة نافست شعبية كبار الشعراء، بل أصبح أيقونة من أيقونات الثقافة العراقية، ويعتقد البعض أن سبب شهرته هو عدم تعاليه على قرّائه وقدرته على تحويل الأفكار والنظريات إلى حكايات وقصص جاذبة لا تخلو من الإثارة. تخلص المحسن إلى القول بأنه كان حداثيًا وطليعيًا وجريئًا جدًا في طريقة طرحه لوجهات النظر في الكتابة النقدية.
مجازات الحداثة
يمكن قراءة الملامح الجديدة للحداثة من خلال موضات الملابس، وقصّات الشعر، والفرق الموسيقية والغنائية، وارتياد صالات السينما، وظهور التلفزيون الذي أعلن عن حداثة جديدة في الحياة العراقية. ركزت المحسن على ظاهرة حسون الأميركي، الداندي الذي عوّضته الأفلام الأميركية عن الرحيل إلى عالم الغرب المسحور. ومغني الجاز إلهام المدفعي الذي كان يتحدث بلكنة مواطن إنجليزي تعلّم اللغة العربية وزاوج بين التراث والمعاصرة في أغانية. وفي الجانب الأدبي توقفت المحسن عند البيان الشعري الذي كتبه فاضل العزاوي ووقعه سامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى وانطوى على عدد من الرؤى والأفكار الجمالية التي أثارت سجالاً طويلاً بينهم وبين الأجيال السابقة واللاحقة. كما أصدر التشكيليون بيانهم الأول الذي جمع عددًا من التشكيليين العراقيين أبرزهم هاشم سمرجي ومحمد مهر الدين ورافع الناصري.
أشارت المحسن إلى أهمية جماعة كركوك ودورهم في صناعة الحداثة الأدبية والفنية ودخلوا في صراعات مع سامي مهدي الذي اتهمهم اتهامات شتّى بحجة انتمائهم إلى قوميات كردية وتركمانية وآشورية وحقيقة الأمر أن الكثير من الذين كتبوا الأدب الحداثي أو السوريالي على وجه التحديد كانوا عربًا أيضًا نذكر منهم فاضل عباس هادي، جليل حيدر، عبد القادر الجنابي، عبد الرحمن طهمازي، هذا إضافة إلى جماعة كركوك وأبرزهم فاضل العزاوي، سركون بولص، مؤيد الراوي، أنور الغساني وآخرين. تختم المحسن حديثها عن بعض الشخصيات النسوية الجريئة مثل عالية ممدوح التي وصفتها الناقدة بأنها أكثر جرأة من الأديبات اللبنانيات، كما توقفت عند سالمة صالح وبثينة الناصري وسعاد العطار ودورهن الواضح في المشهد الحداثي العراقي. بكلمة أخيرة يشكِّل هذا الكتاب إضافة جدية إلى الأبحاث العراقية الرصينة في الجانبين النقدي والفكري على حدٍ سواء.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».