لماذا يلجأ الكتاب للنشر خارج بلدانهم؟

مصر ولبنان يتصدران مراكز النشر في العالم العربي

جانب من الندوة
جانب من الندوة
TT

لماذا يلجأ الكتاب للنشر خارج بلدانهم؟

جانب من الندوة
جانب من الندوة

كيف تكون التجربة الأولى للأديب العربي مع دور النشر؟ ولماذا يتجه الكثيرون منهم إلى النشر خارج أوطانهم؟، وهل لا بد أن ينتقل الأديب للإقامة في بلد يعتبر مركزا للنشر مثل مصر أو في لبنان أو الإمارات التي تلقى فيها حركة النشر والتوزيع رواجا أكثر من غيرها؟ وهل تؤثر الجوائز على تعامل دور النشر والتوزيع مع الأديب الفائز بها؟
كانت تلك هي الأسئلة المحورية التي تطرقت إليها ندوة بعنوان «الأدب العربي بعيدا عن مراكز النشر» عقدت أخيرا ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الأدبي الأول، وأدارها الكاتب الصحافي محمد شعير، رئيس تحرير مجلة «عالم الكتاب»، وتحدث فيها أدباء من 3 دول عربية هم: السوداني حمور زيادة، والأردني فادي زغموت، والكويتي إبراهيم الهندال.
تحدث الهندال، صاحب المجموعة القصصية «بورخيس وأنا» عن تجربته في النشر قائلا: «في دول الخليج تحقق الكتب والروايات مبيعات جيدة لكن لا تحقق الانتشار خارج نطاق الخليج، لذا فإن الكاتب الكويتي عادة ما يلجأ لدور النشر اللبنانية أو المصرية لكي يحقق الانتشار، لأن الدور الكويتية لا تقوم بعملية التوزيع بشكل جيد». وأضاف: «أرى أن الدعاية الجيدة للكتاب وقدرة الدار على الدعاية والترويج لإصداراتها تساعد الكاتب أو الأديب على الانتشار السريع، وهو ما تتميز به الدور المصرية واللبنانية». وركز على تأثير الجوائز على حركة النشر، ولفت إلى أن «الجوائز التي أطلقت في أنحاء العالم العربي عامل مساعد أسهم في زيادة الإقبال على الكتاب الكويتيين»
ويرى الهندال أن أبرز أسباب انتشار الكتاب أو الرواية هو ثمنها «لا يزال انتشار الكتاب متوقفا على ثمنه، فالكتاب الذي قيمته 20 جنيها يحقق مبيعات أفضل من الكتاب الذي ثمنه 50 جنيها».
والتقط الخيط الأديب الأردني فادي زغموت متحدثا عن مأساة نشر روايته الأولى «عروس عمان» الصادرة عام 2012. قائلا: «كنت قد بدأت التدوين والكتابة على مدونتي عام 2006. وما إن أنهيت الرواية قررت أن أكتب لدار نشر لبنانية لأن دور النشر هناك من أنشط الدور في العالم العربي، ولم أتلق ردا، فقررت أن أذهب لدور نشر أردنية، وتلقيت رد خلال أسبوع من دار (فضاءات) وطلبوا مني شراء 200 نسخة، وبالفعل قمت بذلك وخلال أسبوع نشرت الرواية، إلا أنها لم توزع في المكتبات! فبدأت أذهب للمكتبات وأطلب منهم أن يعرضوا روايتي، وبالفعل وافقت إحدى المكتبات وعرضت 7 روايات».
وتحدث زغموت عن أهمية الدور الذي تلعبه الإنترنت في حركة النشر، وضرورة استغلال الكاتب لها وعدم الاستهانة بها: «توصلت إلى أنه علي أن أقوم بالترويج لروايتي وبدأت بالفعل القيام بذلك عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وقمت بالترويج لها عبر مدونتي وصفحات فيسبوك وإنستغرام، ووجدت أن المكتبة طلبت مني المزيد من النسخ، وهكذا طلبت مني عدة مكتبات أخرى إلى أن نفدت الطبعة الأولى في 5 أشهر».
وخاض زغموت تجربة أخرى مع دار نشر «جبل عمان» الأردنية، في نشر ذات الرواية لتحقيق الرواج خارج الأردن، إلا أنه اكتشف بعد 3 سنوات أنها لم توزع خارج الأردن. قائلا: «كنت أطمح أن يكون لي جمهور أوسع من نطاق الأردن وأرغب أن توزع الرواية في الخارج».
ويتفق الأردني زغموت مع ما طرحه الكاتب الكويتي إبراهيم الهندال أن على الكاتب أن يتوجه لمراكز النشر في العالم العربي سواء لبنان أو مصر، مركزا على أهمية دور الإعلام وتواصل دور النشر مع الصحافيين للترويج لإصداراتهم. فقد لجأ زغموت في روايته الثانية إلى «دار الآداب» اللبنانية وبالفعل صدرت عنها روايته «جنة على الأرض» عام 2014. وهي رواية خيال علمي، وبالفعل وجد أن «الدور اللبنانية لديها خبرة طويلة في مجال تسويق وتوزيع الكتاب» ووجدت الدار أرسلت خبرا للصحف، وأقامت حفل توقيع ساهم أيضا في الترويج للرواية، كما أنه على هامش معارض الكتاب عقدت لقاءات تلفزيونية مع عدد من القنوات اللبنانية مما ساهم في مزيد من الترويج.
وأضاف: «وحينما زرت مصر، تعرفت على صديقة نصحتني بأن أكتب خبرا صغيرا على أن تتوسط وترسله لصديق لها يعمل صحافيا، ومن هنا ذاع صيت الرواية في مصر، لذا اكتشفت أنه على الكاتب أحيانا أن يروج لنفسه خارج وطنه إذا أراد أن يصل لجمهور أكبر»
واتفق أيضا معهم الكاتب السوداني المقيم بالقاهرة حمور زيادة، صاحب رواية «شوق الدرويش» التي وصلت للقائمة القصير لجائزة البوكر 2015. وأول سوداني يحصل على جائزة نجيب محفوظ للرواية لعام 2014.
وأثار زيادة نقطة هامة ألا وهي الوجود الجسدي للأديب داخل أحد مراكز النشر، متحدثا عن تجربته في الإقامة بالقاهرة، قائلا: «قد لا يشعر الكاتب في مصر أو لبنان بمسألة الهامش والمركز، لأنه لا يشعر بالتهميش أو لا يجد صعوبات في النشر والتوزيع، وعلينا أن نعترف أنه بالفعل هنالك مركزية في دور النشر، وهو أمر واقع».
وعن المزايا التي تتيحها مصر وسطوة ووهج الإعلام فيها، قال حمور: «مصر تتميز بمسألة أنها تتيح للكاتب الانتشار رغم المقولة الشهيرة (القاهرة تكتب وبيروت تطبع) أرى أن مصر تتفوق حتى في مسألة القراءة وتحقق أكبر عدد من الطبعات لأي إصدار، وذلك نظرا لعدد سكانها الكبير فيها 90 مليونا لو قرأ منهم 10 في المائة فقط أي كتاب فإنه سيحقق مبيعات هائلة».
وأضاف: «مصر بها أكبر صناعة إعلام وبها اهتمام كبير بالأدب والثقافة، مهما اشتكى المصريون من ذلك وتدهور الفعاليات الثقافية لكن أنا كشخص جاء من الهامش أرى أن مصر ما زالت تتصدر المشهد الثقافي في الوطن العربي، ففيها قراء ونقاد وندوات وإعلام مرئي ومسموع بل إن عدد الكتاب لا يقل عن عدد القراء».
ويروي زيادة عن تجربته في الكتابة في السودان قائلا: «اتجهت للكتابة الفعلية في بداية مرحلة الشباب عام 1997. بعد أن كنت أقرأ لمحمد سالم (المغامرون الخمسة)، وكوميكس تان تان، وبدأت أكتب متوجها نحو الواقعية الاشتراكية، وفي السودان لم أكن أعرف أين يمكنني أن التقي بالمثقفين؟ على عكس مصر بالطبع. بالمصادفة التقيت أحدهم في سوق الكتب القديمة بالخرطوم، ووجدت أن هناك مكانا صغيرا يسمى (نادي اليونيسكو) يلتقي في نحو 6 مثقفين سودانيين يتبادلون النقاش والتجارب الأدبية، ناهيك عن أنه لا توجد دور نشر أصلا، ووزارة الثقافة السودانية لا تقوم بنشر أي أعمال أدبية، وعادة ما يلجأ الكتاب والشعراء إلى إرسال منتوجهم لبعض المقربين والأصدقاء بديلا عن نشر كتبهم».
ويضيف «في السودان عندما تقول فلان كاتب، أي إن له كتبا قرأوها إلكترونيا، وهناك كتاب يكتبون منذ السبعينات ولا يجدون من ينشر لهم! ويتجهون لنشر بعض إبداعاتهم في الصحف والدوريات. وهناك 3 مكتبات كبرى فقط في السودان هي التي يمكن أن تجد فيها الإنتاج الأدبي العربي ولكن بأسعار باهظة لأن تكلفة الشحن إلى السودان باهظة الثمن جدا».
وعن أول تجربة نشر، ذكر زيادة: «كانت أول تجربة لي مجموعة قصصية (سيرة أم درمانية) ذهب لدار الأحمدي بالقاهرة، وطلبوا مني أن أدفع 5 آلاف جنيه لقاء نشر الرواية وكان ذلك عام 2008. وأرسل بضع نسخ منها للسودان، لكنها لم تلق أي رواج. بعدها ذهبت لدار ميريت ووجدت ترحيبا كبيرا من مالكها محمد هاشم، وتحمس لنشر روايتي الأولى (الكونج)، ثم تلقفتني دار العين بعدها لتطبع (شوق الدرويش). أتصور أنه لولا وجودي في مصر لما كنت حصلت على جوائز أو وجدت رواياتي مثل هذا الرواج». واستشهد زيادة بعدد من الكتاب السودانيين الذين يعيشون خارج السودان سواء في قطر أو في الإمارات وكيف أنهم حققوا نجاحا لم يحققوه وهم بالسودان: «للأسف هناك كثير من الكتاب السودانيين مثل عادل مك هم علامات في الأدب العربي، لكن لم يحظوا بأي احتفاء إعلامي لعدم احتكاكهم بالوسط الثقافي في مراكز النشر مثل مصر».
وردا على سؤال «الشرق الأوسط» للكتاب الثلاث المشاركين في الندوة حول تأثير منتديات القراءة مثل «غود ريدز» على التقليل من قدر مسألة الهامش والمركز في النشر وانتشار الأعمال الأدبية؛ اتفق كل من الهندال وزغموت وزيادة، حول أهمية تلك المنتديات في الترويج لأعمالهم بل والتواصل الشخصي مع جمهور القراء، والمساهمة في التعرف على كيفية تلقي الجمهور لأعمالهم.
لكن حمور زيادة ذهب إلى أن مسألة التقييم على تلك المنتديات تخضع لذائقة القراء المختلفة بطبيعتها، لذا لا تكون محض اهتمام كبير له، ولا تؤثر في دفعه للكتابة أو التوقف عنها، قائلا: «أحيانا أجد هجوما غير مبرر من قبل البعض، ولكن دوما أقول: أنا أنتمي لمدرسة الحكائين، وسوف أظل أكتب حتى يقتنع الجميع أنني كاتب جيد، ففكرتي تكمن أنني لا أكتب رواية لكي أعالج فكرة أو أوجه رسالة للإنسانية؛ أنا أكتب لأحكي حكاية قد تعجب البعض أو لا، وهي مسألة تتوقف على اختلاف الذائقة الأدبية، وسأظل أكتب إلى أن يجد كل قارئ على اختلاف ذائقته أيا من رواياتي هي روايته المفضلة».



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.