العقوبات الأميركية.. مفترق الطرق

فرضت على السودان وإيران وسوريا وكوبا وكوريا الشمالية ولم تحقق المطلوب

العقوبات الأميركية.. مفترق الطرق
TT

العقوبات الأميركية.. مفترق الطرق

العقوبات الأميركية.. مفترق الطرق

في الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية استثناءات في العقوبات المفروضة على السودان (منذ عام 1996). وفي الشهر الماضي، أعلنت استثناءات في العقوبات المفروضة على كوبا (منذ عام 1963)، وذلك مع مبادرة الرئيس باراك أوباما بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا. وقبل ذلك، أعلنت استثناءات في العقوبات المفروضة على إيران (منذ عام 1980). هذه الاستثناءات أثارت جدلا كبيرا في الأوساط السياسية أميركيا وعالميا، وطرحت تساؤلات عن جدواها.. هل هي خطوة نحو إلغائها؟ هل الاستثناءات التي حدثت مؤخرا دليل فشل أم دليل نجاح؟ ما تأثير العقوبات على الدول التي طالتها، وما أثرها على الاقتصاد الأميركي. جملة تساؤلات عن جدواها سياسيا، ومدى فاعليتها.. معظم هذه الأسئلة ظلت بلا إجابات محددة بين مؤيد ومعارض.. لكن حقيقة واحدة تؤكد أن الولايات المتحدة تتجه الآن في اتجاه خلق بيئة مغايرة وخريطة سياسية واقتصادية جديدة تبدو فيها سياسة العقوبات أسلوب تخطاه الزمن.

تظل العقوبات الأميركية على كوبا هي الأطول، والأقل إنسانية. يسميها الكوبيون «بلوكيو» بالإسبانية «بلوكيد»، محاصرة بالإنجليزية. وهي شاملة: سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية. فرضت أول مرة في عام 1960، بعد عامين من الإطاحة بنظام باتيستات (صديق أميركا، وشركات الموز والتبغ) مع الثورة التي قادها فيدل كاسترو. في البداية، كانت عقوبات «إنسانية» (تسمح بالطعام، والأدوية). لكن، عندما أمم كاسترو شركات النفط الأميركية، توقف كل شيء. ثم عندما تحول كاسترو من الثورية إلى الشيوعية، قل، أو نفذ، آخر عطف عليه وسط الأميركيين.
تنفذ العقوبات على كوبا اعتمادا على خمسة قوانين: قانون التجارة مع العدو (عام 1917، منذ الحرب العالمية الأولى)، وقانون المساعدات الخارجية، وقانون تنظيم الودائع والمستندات، وقانون الديمقراطية الكوبية، وقانون هيلمز - بيرتون (معاقبة أي طرف ثالث، مثل البنوك والشركات الأوروبية.
وكما هو متوقع، تشدد الرؤساء الجمهوريون في العقوبات، ريغان، بوش الأب، بوش الابن، وأعلن بوش الأب قانون الديمقراطية الذي ينص على مواصلة العقوبات ما دامت حكومة كوبا ترفض السير على طريق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. لكنّ رئيسين ديمقراطيين هما كلينتون، وأوباما، تساهلا كثيرا.
في عام 2000، تساهل كلينتون، وأعلن قانون «مقاطعة إنسانية»، يسمح بإرسال المواد الغذائية والأدوية. وقبل شهرين، تساهل أوباما كثيرا جدا، وأعلن إعادة العلاقات الدبلوماسية، ودراسة إمكانية رفع تدريجي لكل العقوبات. عن هذا قالت نيرا تاندوم، الخبيرة في مركز «أميركان بروغريس» (المركز الرئيسي للفكر الليبرالي التقدمي)، لـ«الشرق الأوسط»: «يستحق الرئيس أوباما الثناء لوضع مصالحنا الوطنية فوق الحجج السياسية العقيمة التي تعبنا منها. بعد أكثر من 50 عاما من العبث، صار واضحا أن سياستنا نحو كوبا فشلت في تعزيز الديمقراطية هناك. لهذا، صار ضروريا وضع سياسة جديدة». وشرحت أن هذه السياسة يجب أن تقوم على عمودين: أولا: العلاقات الدبلوماسية، والتي يمكن أن تستمر بين دولتين تعاديان بعضهما البعض (مثلما كان الحال بين أميركا وروسيا خلال سنوات الحرب الباردة). ثانيا: تشجيع المجتمع المدني في كوبا للدفاع عن حقوق الإنسان لشعب كوبا (وأيضا، تشجيع منظمات حقوق الإنسان العالمية لتفعل نفس الشيء).
وأضافت: «ها نحن نشاهد عودة الآن غروس (جاسوس أميركي كان معتقلا في كوبا) إلى عائلته وأصدقائه. وها نحن نشاهد إطلاق سراح أكثر من 50 سجينا سياسيا في كوبا، وعودتهم إلى عوائلهم وأصدقائهم. ها نحن نشاهد تطورات إيجابية خلال أسابيع قليلة ربما أكثر من كل التطورات الإيجابية خلال خمسين عاما».
وحسب تقرير أصدره مركز «بروغريس»، صار واضحا أن عقوبات خمسين عاما كانت بدعم، ودفع، وضغط، من جالية كوبية صغيرة، لكنها قوية (لأنها تعتمد على رجال أعمال هربوا من كوبا إلى ولاية فلوريدا الأميركية). وفي وقت من الأوقات، نافس اللوبي الكوبي اللوبي الإسرائيلي في تأثيره على أعضاء الكونغرس. وصار واضحا أن النقاش داخل الولايات المتحدة حول العقوبات على كوبا لم يكن عما إذا هي إنسانية أو غير إنسانية (كانت غير إنسانية لقرابة أربعين عاما). بل حول جدواها.

* عقاب السودان
في عام 1993، أعلن الرئيس بيل كلينتون وضع اسم السودان في قائمة الإرهاب، بسبب دعم النظام العسكري الإسلامي (بقيادة الرئيس عمر البشير) للإرهاب والإرهابيين. وفي نفس العام، أغلقت السفارة الأميركية في الخرطوم. وفي عام 1997، فرضت الولايات المتحدة عقوبات شاملة (اقتصادية، وتجارية، ومالية، وثقافية). وفي عام 1998، في أعقاب تفجيرات السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، شنت الولايات المتحدة ضربات صواريخ «كروز» ضد منشآت في الخرطوم، واستدعت السفير تيم كارني، وفرضت عقوبات إضافية.
بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، دخلت الولايات المتحدة والسودان في حوار حول مكافحة الإرهاب، ووفرت حكومة السودان معلومات كشفت عن نشاطات إرهابية. لكن، لم ترفع الولايات المتحدة عقوبات الماضي. بل، في عام 2007، فرض الرئيس السابق جورج دبليو بوش عقوبات اقتصادية جديدة بسبب سياسات حكومة البشير في دارفور، وعرقلة عملية السلام مع جنوب السودان.
رغم ذلك، ظلت السياسات السودانية كما هي لم يتغير شيء.. لم تتوقف الحرب.. لم يهنأ أهل دارفور بالسلام، واستمرت السياسات الإقصائية، في السودان. ورغم ذلك ظلت الولايات المتحدة المانح الرئيسي للمساعدات الإنسانية إلى السودان منذ ثمانينات القرن الماضي. في عام 1989، أرسلت مساعدات «شريان الحياة». في عام 1991، أرسلت مساعدات إضافية للتخفيف من حدة نقص الغذاء الناجم عن الجفاف. في عام 2001، أرسلت مساعدات مباشرة إلى جنوب السودان. ثم إلى سكان دارفور، هناك وفي تشاد ودول مجاورة.
هذا بالإضافة إلى المساعدات العسكرية لحفظ السلام في دارفور. ومساعدات تنفيذ اتفاقية السلام، والإعمار والتنمية في جنوب السودان، لهذا، تختلف العقوبات الأميركية على السودان عن عقوبات كوبا وإيران، مثلا. وذلك بسبب تعقيدات العلاقات الأميركية مع السودان، خاصة دور أميركا في تقسيم السودان.
وقبل أسبوعين، أعلن دونالد بوث، مبعوث الرئيس باراك أوباما للسودان، رفع المقاطعة عن الهواتف الذكية، وأجهزة الكومبيوتر الجوالة، وغيرها من أجهزة الاتصالات والبرمجيات. أعلن هذا رغم أن مسؤولين أميركيين يواصلون إدانة سياسة الرئيس عمر البشير في دارفور. وكانت آخر إدانة بسبب عرقلة التحقيقات الدولية في تقارير بأن جنودا سودانيين مارسوا، في العام الماضي، سلسلة من الاغتصابات الجماعية على النساء في دارفور هناك.
يقول مسؤول في قسم العقوبات والمقاطعات في وزارة الخزانة لـ«الشرق الأوسط»: «تظل العقوبات الاقتصادية طويلة الأمد على السودان مستمرة. هذه هي العقوبات التي تدين السودان كدولة راعية للإرهاب، وتدين حكومة البشير لأنها تظل تشن هجمات على المدنيين، وتظل تتدخل في المساعدات الإنسانية إلى دارفور، وتظل تعرقل المساعدات الإنسانية لإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق». هذان هما الإقليمان اللذان تستمر فيهما حرب أهلية بين قوات الحكومة وثوار معارضين.
وقال مسؤول في مكتب المبعوث الأميركي لـ«الشرق الأوسط»: «إن فتح تصدير تكنولوجيا الاتصالات الشخصية إلى السودان سيفيد الشعب السوداني.. وسيشجع حرية التعبير، وسيساعد السودانيين للتواصل مع بعضهم البعض، وللوصول إلى الإنترنت، وللاتصال مع بقية العالم». هل هو تراجع لنجاح أهداف العقوبات أم لفشلها؟ سؤال يسهل الإجابة عنه.

* عقاب إيران
في العام الماضي، نشرت مجلة «تايم» الأميركية تقريرا عن العقوبات الأميركية على إيران، جاء فيه أنها لم تدمر إيران كما يقول الإيرانيون: أولا: مع قسوة العقوبات، توجد فيها استثناءات واسعة للسلع والخدمات الإنسانية. مثلا: تسمح ببيع السلع الزراعية، والأغذية، والأدوية، والأجهزة الطبية. ثانيا: تقيد حكومة إيران توفير العقاقير والأدوية، وكانت وزيرة الصحة السابقة، مرضية دستجردي، فضحت هذه الممارسات الفاسدة. وكشفت عن أن البنك المركزي الإيراني، في عام 2102، استخدم فقط 600 مليون دولار للأدوية والمعدات الطبية من جملة 2.5 مليار دولار خصصت في الميزانية السنوية. ثالثا: تبالغ حكومة إيران في تصوير تأثير العقوبات على خدمات الإنترنت الإيرانية. الحقيقة هي أن حكومة إيران تحجب ملايين المواقع، بما في ذلك أكثر من 50 في المائة من أشهر المواقع في العالم. وأيضا، تستعمل أجهزة إلكترونية لتكون سرعة الإنترنت بطيئة. وأيضا، تشوش إشارات الأقمار الفضائية لمنع بث الإذاعات والتلفزيونات الأجنبية. رابعا: تقول حكومة إيران إن العقوبات تحرم الطلاب الإيرانيين من الدراسة في الجامعات الغربية. لكن، الحقيقة هي أن الاتحاد الأوروبي لا يسمح فقط، بل يشجع، ذلك. بل يوفر منحا خاصة للطلاب الإيرانيين. وتسمح العقوبات الأميركية بإعفاءات لتسهيل بعثات الطلاب الإيرانيين. وصار هؤلاء يغادرون إيران بنسب متزايدة للدراسة في الولايات المتحدة.

* مؤيدو العقوبات
وسط النقاش الأميركي حول العقوبات، توجد منظمات وجماعات وخبراء يؤيدون العقوبات، على شرط أن تكون «إنسانية». من بين هذه منظمة «يونايتد إغيسنت نيوكليار إيران» (متحدون ضد إيران نووية) في واشنطن. ويرمز إليها بـ«ياني»، وهي أكبر منظمات اللوبي الأميركية المعارضة لإيران. وقالت جولي شين، خبيرة في المنظمة، لـ«الشرق الأوسط»: «تظل العقوبات الدولية المستهدفة، بالإضافة إلى الإعفاءات الإنسانية المسؤولة، تشكل ضغطا قويا على النظام الإيراني. لكن، إذا توقفت هذه العقوبات، وإذا توقفت احتمالات عقوبات إضافية، لن يكون هناك حافز أمام النظام الإيراني للتخلي عن برنامجه النووي». وأضافت: «الحقيقة المزعجة ليست عدم إنسانية العقوبات. الحقيقة المزعجة هي أن النظام الإيراني يستشري فيه الفساد، وسوء الإدارة، والقمع. وهو الذي يدمر الاقتصاد الإيراني، ويقيد الحريات. لهذا، فرض عقوبات على إيران، عقوبات محددة ومستهدفة ومتعددة الأطراف، هي سياسة غير عنيفة. وتظل تؤذي النظام».
هذا هو التفسير الذي تسير عليه الحكومة الأميركية. وهو يعكس أهمية منظمة «ياني» في واشنطن. وليس هذا غريبا، لأن المنظمة فيها خليط من سياسيين ودبلوماسيين يهود وغير يهود. وكان أسسها، قبل عشر سنوات تقريبا، ريتشارد هولبروك، مساعد سابق لوزير الخارجية، وفؤاد عجمي، أستاذ سابق في جامعة جونز هوبكنز (توفي الاثنان مؤخرا). ومؤخرا، قال وزير الخارجية جون كيري: «ليس التواصل مع إيران استراتيجية كافية. إذا لم تنجح الدبلوماسية، يجب أن تكون مدعومة بتهديدات احتمالات صعبة. بتصعيد العقوبات متعددة الأطراف. بالضغط على إيران قويا لتغير سلوكها».

* مبدأ العقاب
بينما يقول أميركيون، إن مبادئ الحرية والعدل الأميركية (ناهيك بالمصالح السياسية، والعسكرية، والاقتصادية) يمكن أن تخدم بالعقوبات «الإنسانية»، يجادل آخرون في العقاب كمبدأ، ويقولون إن أي عقاب لأي دولة هو «غير إنساني». كتب عن «الإنسانيين»، د. هنري هامبيغررا، أستاذ في جامعة كاليفورنيا، وعضو في منظمات «إنسانية» دولية منها منظمة «إنترناشونال بروغرس» (منظمة التقدم العالمية)، ويرمز إليها بـ«إي بي أو»، ورئاستها في فيينا. ومنظمة «حوار بين الحضارات»، ورئاستها في فيينا أيضا. و«رودس فورم» (ملتقي جزيرة رودس).
تحدث هامبيغررا عن مبدأ العقوبات. وقال إن منظمة «إي بي أو»، مثلا، تعارض كل أنواع العقوبات. بداية بعقاب كوبا، ثم إيران، ثم العراق. من قبل هجمات 11 سبتمبر،، عام 2001. ومن قبل الحروب ضد الإرهاب. وقال: «يوجد تناقض أساسي بين حقوق الشعوب وعقاب الشعوب. يعاقب شعب، متمثلا في نظام القضاء فيه، شخصا إذا ارتكب جريمة، حسب قانون معترف به دوليا. لكن، كيف يعاقب شعب شعبا آخر؟ عبر التاريخ، لا يوجد قانون دولي عن معاقبة شعوب لشعوب، ناهيك بهذا القرن الحادي والعشرين».
وقال إن العقوبات الاقتصادية، خاصة عقوبات اقتصادية شاملة، هي شكل من أشكال العقاب الجماعي التي تناقض تماما المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، والحق في الحياة، والحق في التغذية الكافية، والحق في الرعاية الصحية. هذه حقوق غير قابلة للتصرف.
وقال: «يحث هذا بقرار من مجموعة من الدول تسيطر على مجلس الأمن، من أجل الحصول على تغيير في السلوك السياسي لدولة أخرى». وأضاف أن في هذا تناقضا تاما مع اتفاقية جنيف عام 1949. وأنه، من المفارقات أن مجلس الأمن يفعل ذلك، بينما لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة تدين مبدأ عقاب الشعوب.
عن هذا، قالت جولي شين، خبيرة مركز «ياني» في واشنطن، المؤيد للعقوبات ضد إيران: «تقدر العقوبات الدولية المحددة، والتي تتضمن إعفاءات إنسانية مسؤولة، على أن تكون أداة فعالة للضغط على الدول التي تخالف القوانين الدولية».

* قائمة العقوبات الأميركية
* دول: كوبا (1962): عقوبات شاملة، لها صلة بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الشيوعي والغربي الرأسمالي.
إيران (1979): بدأت مع الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني، واحتجاز الدبلوماسيين الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران.
كوريا الشمالية (1950): بدأت مع بداية حرب كوريا بين روسيا والصين في جانب، والدول الغربية والأمم المتحدة في الجانب الآخر. والآن، بسبب برنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية والصواريخ عابرة القارات.
السودان (1993): مع وضع السودان في قائمة الإرهاب. ثم (2002) بسبب سياسة حكومة السودان في دارفور.
سوريا (1986): بدأت بسبب مقاومة سوريا لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وإيواء الفدائيين الفلسطينيين. ثم (2011) مع بداية الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد.
* شخصيات: من روسيا البيضاء: عرقلة التطور الديمقراطي، بداية بالرئيس ألكسندر لوكاشنكو.
من ساحل العاج: تمرد بدأ بعزل رئيس الوزراء الحسن وتارا، بقرار رئيس الجمهورية غباغبو، في صراع شبه ديني.
من الكونغو: عرقلة التطور الديمقراطي. الكونغو رقم 186 من 187 في قائمة خروقات حقوق الإنسان.
من العراق: قادة نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وفي الوقت الحاضر، شخصيات تقاوم الديمقراطية أو ارتكبت أعمال عنف.
من لبنان: شخصيات متورطة في قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري، وهجمات «حزب الله» ضد إسرائيل، ثم تحالف «حزب الله» مع نظام الأسد في سوريا.
من السودان: شخصيات في نظام الرئيس البشير، وهو نفسه، لانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور.
من جنوب السودان: بعد استقلال جنوب السودان، وبداية الحرب الأهلية هناك. بتهم القتل، أو تشجيع القتل، أو عرقلة العملية الديمقراطية.
من أوكرانيا: بعد بداية الحرب الأهلية هناك قبل عام، خاصة المؤيدين لروسيا.
من روسيا: بعد غزو واحتلال شبه جزيرة القرم، خاصة النخبة التي تحيط بالرئيس بوتين.
من اليمن: بدأت بالرئيس السابق على عبد الله صالح. ومؤخرا عبد الخالق الحوثي وآخرين.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».