رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد يقول لـ «الشرق الأوسط» إن أصحاب المال الفاسد يهددون استقرار البلاد

محمد السعيد
محمد السعيد
TT

رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد
محمد السعيد

قال رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري، محند سعيد أوبلعيد المعروف اختصارا بـ«محمد السعيد»، إن مبادرة «التوافق الوطني» التي يسعى إليها أقدم أحزاب المعارضة «هي الأكثر واقعية في الظروف التي تمر بها البلاد لأن أصحابها لا يشترطون رحيل النظام».
وأوضح وزير الإعلام الأسبق في مقابلة مع «الشرق الأوسط» جرت بمكتبه في العاصمة، أن مطلب قطاع من المعارضة إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، بحجة أنه عاجز عن أداء مهامه بسبب المرض، «طرح غير جدي». واقترح أن يفضي «مؤتمر التوافق» المرتقب قبل نهاية الشهر الحالي، إلى صيغة لتفادي الخوض في قضية شغور السلطة، تتمثل في تنازل الرئيس عن بعض من صلاحياته للبرلمان. وفيما يلي نص الحوار.

* يثير مسعى التوافق جدلا حاليا بين مؤيد ومعارض. أنت كيف تنظر له وهل ستشارك في مؤتمر التوافق المرتقب قبل نهاية الشهر؟
- نحن نؤيد مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، وقد التقينا بقيادتها والاتصالات جارية لإنجاحها. إنها ندوة للوفاق وليس للإجماع لأننا لا يمكن أن نحقق الإجماع حول الرؤية السياسية للمستقبل، وإنما نحقق توافقا حولها. المهم أن الفكرة انطلقت من الإجماع الذي جرى الحديث عنه أيام ثورة التحرير (1954 - 1962)، وحتى في تلك الفترة لم يكن هناك إجماع حول ضرورة تفجير ثورة ضد المستعمر.
أنا أعتقد أن هذه المبادرة هي الأكثر واقعية، لأنها الأكثر قابلية للتطبيق في الظروف الحالية. فهي لا تشترط رحيل النظام ولا ترى التغيير إلا مع النظام. وهذا هو عين الصواب. فماذا تملك المعارضة من أدوات حتى تفرض على النظام أن يرحل؟. وما هو وزن أحزاب الموالاة لو زال عنها تأييد النظام لها؟ إن إنجاز التغيير مسألة تتعلق بميزان القوى، وهذا الميزان هو حاليا لصالح السلطة مادات الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة غير قادرة على تأطير الشارع، وليس هناك ما يوحي في القريب المنظور بغير ذلك.
صحيح أن جبهة القوى الاشتراكية لم تقدم ورقة مكتوبة بخصوص التوافق، فهي تقترح لقاء في مرحلة أولى لتبادل الآراء انطلاقا مما هو قائم اليوم، وهو الدعوة إلى التغيير، بمعنى التوافق حول التغيير ولكن مع قبول السلطة اليوم كأمر واقع. ومن هذا الواقع وبالاتفاق مع السلطة، نحاول أن نصوغ رؤية لمستقبل الجزائر، تكون محل أكبر قدر من التوافق. هذه هي رؤية جبهة القوى الاشتراكية لندوة الوفاق الوطني. وفي مرحلة أولى لا توجد خطة معينة للتوافق، وإنما تأتي الخطة في مرحلة ثانية أي في الندوة الثانية، ممكن بعد 3 أو 4 أشهر، وحينها سننتقل إلى التفاصيل بعد أن نكون قد اتفقنا على المبادئ الأساسية للرؤية المستقبلية للجزائر.
* ولكن أهم أحزاب السلطة وهو «جبهة التحرير الوطني»، متحفظ بشدة على المسعى، فيما تحرص جبهة القوى الاشتراكية على حضور ممثلين عن السلطة في مؤتمر الوفاق.
- تعهد عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير في آخر لقاء جرى مع قيادة جبهة القوى الاشتراكية، بحضور ندوة الوفاق. ولكن تسربت أخبار مفادها أن سعداني لا يقبل الجلوس مع شخصيات غير حزبية، وأنه لن يجلس إلا إلى الأحزاب المعتمدة. وقد استفسرت قيادة «القوى الاشتراكية» حول هذه القضية، وقيل لي أن سعداني لم يبلغها خلال لقائها به، أنه لن يحضر الندوة.
* هل التحفظ الذي عبر عنه أمين عام جبهة التحرير، إزاء مسعى الوفاق يعكس موقفا سلبيا من السلطة بخصوص مؤتمر الوفاق؟
- من الصعب أن نتصور أن جبهة التحرير تتصرف بصفة مستقلة ومنفصلة عن السلطة، فهذا الحزب يأتمر بأوامر السلطة وكل ما يصدر عنه وراءه رئاسة الجمهورية بكل تأكيد. ولكني لا أتفق مع من يقول بأن مسعى جبهة القوى الاشتراكية فشل، لأن ندوة الوفاق لم تعقد بعد. الحديث عن الفشل والنجاح يكون عندما تعقد الندوة، لنرى مستوى المشاركة فيها. أنا نصحت الأصدقاء في الحزب بعدم التسرع في تحديد موعد للندوة، وقلت لهم إن الأولوية هي لتوفير حظوظ النجاح. وفي كل الأحوال، حتى لو أجلت الندوة فلا يعني ذلك علامة فشل، فالأهم هو البحث عن شروط نجاحها، ولا ضير لو انتظر أصحابها شهرا آخر.
* قطاع من المعارضة أو ما يسمى تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، اقترح تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بحجة أن هناك شغورا في السلطة، يتعلق بمرض الرئيس. هل توافق هذا الطرح؟
- للأسف، أنا مضطر إلى القول إن هذا الطرح غير جدي. فانتخابات الرئاسة لم يمر عليها عام وقد شارك فيها بعض من يطالبون اليوم بانتخابات مبكرة. الانتخابات جرت وأفرزت رئيسا وانتهى الأمر، أما من يشكك في نزاهتها فهذا أمر مألوف منذ أن دخلنا عهد التعددية عام 1989، فالحزب الذي يخسر يقول إن الانتخابات مزورة وإن فاز فيها يقول عن نفسه إنه شرعي.
أنا لا أوافق من يتحدث عن وجود شغور في منصب الرئيس، عمليا لدينا رئيس يمارس صلاحياته لكنه يعاني من عارض صحي يمنعه فقط من المشي على رجليه. فهو يستقبل مسؤولين أجانب ويعقد مجلس الوزراء. صحيح أن الجزائر تعيش وضعا استثنائيا لم تعرفه أبدا من قبل، بسبب مرض رئيس الجمهورية - عجل الله بشفائه - وما ترتب عن ذلك من فوز الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من دون المشاركة المباشرة فيها. فهذا الوضع جديد لم نتعود عليه. ولكن ليس هناك إخلال صريح بالدستور حتى نتحدث عن شغور في الحكم. والغريب أن بعض المنادين بذلك شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع ذات الرئيس ولم يطالبوا بتنحيته، فماذا تغير في ظرف أشهر قليلة؟ لا شيء. فالمؤسسات قائمة بأدائها المعهود والرئيس يمارس نشاطه، ولو بوتيرة أقل.
* ولكن الرئيس لم يلق خطابا منذ شهور طويلة، ولم يسافر إلى الخارج لتمثيل الجزائر في المؤتمرات والاجتماعات، وذلك بسبب المرض؟
- هذا صحيح إذا دخلنا في تفاصيل هذه القضية، ولكن دستوريا تتوفر في الرئيس شروط أداء مهامه، فقد أدى القسم الدستوري أمام الرأي العام. وهذه الإشكالية يمكن أن نجد لها حلا، إذا نجحت ندوة الوفاق الوطني، ويكون ذلك بمراعاة الطارئ الصحي للرئيس، وبالتالي بعض الصلاحيات التي يملكها، توزع على بعض مؤسسات الدولة كالبرلمان.
وإن كنت أعارض تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فأنا أدعم أي مبادرة لتنظيم انتخابات برلمانية قبل أوانها، لأن البلاد بحاجة إلى مؤسسة تشريعية منتخبة حقيقة أو على الأقل بنسبة ضعيفة من التزوير. وبالمعطيات الحالية في البلاد، يصعب إجراء انتخابات نظيفة لانعدام الثقة بين المواطن والسلطة، زيادة على تغلغل المال الفاسد في الحياة السياسية وتغوله. ورموز هذا الوضع غير الطبيعي كدسوا ثرواتهم بأموال الدولة، وترعرعوا في أحضانها وتغولوا برعايتها ويسعون الآن للسيطرة عليها حفاظا على مصالحهم. وبهذه الكيفية يشكل هؤلاء عاملا يهدد استقرار البلاد.، بل أصبحوا مصدر خطر لأن تخوفهم من انقلاب الوضع عليهم، يجعلهم في تحالف طبيعي غير معلن مع الخارج.
وإذا أردت أن تتأكد من ذلك، ابحث عن ثرواتهم في الخارج وقارنها بنسبة استثمارها في الداخل، فتجدها ضعيفة، وهذا دليل على أنهم غير مطمئنين للمستقبل في بلادهم، ولا تجد في هذا الوضع إلا من جمع المال بطرق ملتوية غير نظيفة، ولا تجد في السلطة من يدعمه إلا المستفيد منها. والحمد لله أن الشعب يعرف كل شيء، وليس غافلا كما قد يتصور البعض.
* من المسؤول عن هيمنة المال الفاسد؟ هل هو النظام الذي تتهمه المعارضة بشراء الذمم بأموال ريوع النفط؟ أم المجتمع المدني العاجز عن التصدي لهذه الظاهرة؟
- النظام مسؤول بطبيعة الحال لأن المال بين يديه، لكن الذي استفاد من المال تقع عليه مسؤولية فساد هذا المال. فالمستفيدون منه يوظفونه لأغراض غير شريفة، ويحرصون على ممارسة نفوذهم بواسطة المال، لتعيين أشخاص في السلطة لتوفير الحماية لأنفسهم. وصاحب المال في وقتنا الحالي، عينه دائما على الخارج لأن حليفه موجود في الخارج ويوفر له الحماية، لهذا أغلب رؤوس الأموال محل شبهة فساد موجودة في الخارج.
لقد أنعم الله علينا بأموال ضخمة طيلة الـ15 سنة الماضية، بفضل ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. والمستفيد من المال بغير وجه، استثمره لتحصين مواقعه للحصول على المزيد من المشاريع التي تدر الأرباح وبطرق ملتوية، وعينه على مستقبله في الخارج. والشعب مسؤول عن هذه الوضعية، فقد اقتنع الناس بأن كل مشكلاتهم تحل بدفع رشى، وأصبح التعامل بالرشوة في مجتمعنا أمرا عاديا، وهذا أخطر من الرشوة التي تمارس على مستوى أعلى.
* بعد تهاوي أسعار النفط، لاحظ مراقبون ارتباكا من جانب الحكومة بخصوص الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة انكماش مرتقب لمداخيل البلاد من العملة الصعبة. كيف ترى تصرف الحكومة مع أزمة أسعار النفط؟
- إذا ثبت أن الحكومة مرتبكة فهذه كارثة، لأن الأسعار تحددها دائما تقلبات السوق النفطية. والحكومة التي تملك رؤية مستقبلية للاقتصاد، تعد سيناريوهات للتعامل مع كل الأوضاع، فإذا حدث ارتباك كما تقول فهذا يعني أننا لم نعد السيناريوهات اللازمة لمثل هذه الأوضاع. ولكن يفترض أن الجزائر اتعظت من تجربة منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما واجهت أزمة خانقة بعد سقوط أسعار النفط، ولكن الحقيقة أنها لم تستخلص الدروس وأخشى أن تتكرر أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 (انتفاضة شعبية ضد غلاء المعيشة وندرة مواد الاستهلاك، أفضت إلى انفتاح سياسي). وإن تكررت تلك الأحداث، فإن الانزلاق سيكون أخطر وعلى نطاق أوسع. فالمجتمع تغير والمحيط الجيو - سياسي والإقليمي تغير ويتميز بالاضطراب وانتشار الجماعات المسلحة في كل البلدان المجاورة، مقارنة بالثمانينات عندما كانت الأوضاع مستقرة وآمنة، والحكمة تقتضي اليوم التعامل بتبصر مع هذه الوضعية الدقيقة.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.