رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد يقول لـ «الشرق الأوسط» إن أصحاب المال الفاسد يهددون استقرار البلاد

محمد السعيد
محمد السعيد
TT

رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد
محمد السعيد

قال رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري، محند سعيد أوبلعيد المعروف اختصارا بـ«محمد السعيد»، إن مبادرة «التوافق الوطني» التي يسعى إليها أقدم أحزاب المعارضة «هي الأكثر واقعية في الظروف التي تمر بها البلاد لأن أصحابها لا يشترطون رحيل النظام».
وأوضح وزير الإعلام الأسبق في مقابلة مع «الشرق الأوسط» جرت بمكتبه في العاصمة، أن مطلب قطاع من المعارضة إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، بحجة أنه عاجز عن أداء مهامه بسبب المرض، «طرح غير جدي». واقترح أن يفضي «مؤتمر التوافق» المرتقب قبل نهاية الشهر الحالي، إلى صيغة لتفادي الخوض في قضية شغور السلطة، تتمثل في تنازل الرئيس عن بعض من صلاحياته للبرلمان. وفيما يلي نص الحوار.

* يثير مسعى التوافق جدلا حاليا بين مؤيد ومعارض. أنت كيف تنظر له وهل ستشارك في مؤتمر التوافق المرتقب قبل نهاية الشهر؟
- نحن نؤيد مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، وقد التقينا بقيادتها والاتصالات جارية لإنجاحها. إنها ندوة للوفاق وليس للإجماع لأننا لا يمكن أن نحقق الإجماع حول الرؤية السياسية للمستقبل، وإنما نحقق توافقا حولها. المهم أن الفكرة انطلقت من الإجماع الذي جرى الحديث عنه أيام ثورة التحرير (1954 - 1962)، وحتى في تلك الفترة لم يكن هناك إجماع حول ضرورة تفجير ثورة ضد المستعمر.
أنا أعتقد أن هذه المبادرة هي الأكثر واقعية، لأنها الأكثر قابلية للتطبيق في الظروف الحالية. فهي لا تشترط رحيل النظام ولا ترى التغيير إلا مع النظام. وهذا هو عين الصواب. فماذا تملك المعارضة من أدوات حتى تفرض على النظام أن يرحل؟. وما هو وزن أحزاب الموالاة لو زال عنها تأييد النظام لها؟ إن إنجاز التغيير مسألة تتعلق بميزان القوى، وهذا الميزان هو حاليا لصالح السلطة مادات الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة غير قادرة على تأطير الشارع، وليس هناك ما يوحي في القريب المنظور بغير ذلك.
صحيح أن جبهة القوى الاشتراكية لم تقدم ورقة مكتوبة بخصوص التوافق، فهي تقترح لقاء في مرحلة أولى لتبادل الآراء انطلاقا مما هو قائم اليوم، وهو الدعوة إلى التغيير، بمعنى التوافق حول التغيير ولكن مع قبول السلطة اليوم كأمر واقع. ومن هذا الواقع وبالاتفاق مع السلطة، نحاول أن نصوغ رؤية لمستقبل الجزائر، تكون محل أكبر قدر من التوافق. هذه هي رؤية جبهة القوى الاشتراكية لندوة الوفاق الوطني. وفي مرحلة أولى لا توجد خطة معينة للتوافق، وإنما تأتي الخطة في مرحلة ثانية أي في الندوة الثانية، ممكن بعد 3 أو 4 أشهر، وحينها سننتقل إلى التفاصيل بعد أن نكون قد اتفقنا على المبادئ الأساسية للرؤية المستقبلية للجزائر.
* ولكن أهم أحزاب السلطة وهو «جبهة التحرير الوطني»، متحفظ بشدة على المسعى، فيما تحرص جبهة القوى الاشتراكية على حضور ممثلين عن السلطة في مؤتمر الوفاق.
- تعهد عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير في آخر لقاء جرى مع قيادة جبهة القوى الاشتراكية، بحضور ندوة الوفاق. ولكن تسربت أخبار مفادها أن سعداني لا يقبل الجلوس مع شخصيات غير حزبية، وأنه لن يجلس إلا إلى الأحزاب المعتمدة. وقد استفسرت قيادة «القوى الاشتراكية» حول هذه القضية، وقيل لي أن سعداني لم يبلغها خلال لقائها به، أنه لن يحضر الندوة.
* هل التحفظ الذي عبر عنه أمين عام جبهة التحرير، إزاء مسعى الوفاق يعكس موقفا سلبيا من السلطة بخصوص مؤتمر الوفاق؟
- من الصعب أن نتصور أن جبهة التحرير تتصرف بصفة مستقلة ومنفصلة عن السلطة، فهذا الحزب يأتمر بأوامر السلطة وكل ما يصدر عنه وراءه رئاسة الجمهورية بكل تأكيد. ولكني لا أتفق مع من يقول بأن مسعى جبهة القوى الاشتراكية فشل، لأن ندوة الوفاق لم تعقد بعد. الحديث عن الفشل والنجاح يكون عندما تعقد الندوة، لنرى مستوى المشاركة فيها. أنا نصحت الأصدقاء في الحزب بعدم التسرع في تحديد موعد للندوة، وقلت لهم إن الأولوية هي لتوفير حظوظ النجاح. وفي كل الأحوال، حتى لو أجلت الندوة فلا يعني ذلك علامة فشل، فالأهم هو البحث عن شروط نجاحها، ولا ضير لو انتظر أصحابها شهرا آخر.
* قطاع من المعارضة أو ما يسمى تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، اقترح تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بحجة أن هناك شغورا في السلطة، يتعلق بمرض الرئيس. هل توافق هذا الطرح؟
- للأسف، أنا مضطر إلى القول إن هذا الطرح غير جدي. فانتخابات الرئاسة لم يمر عليها عام وقد شارك فيها بعض من يطالبون اليوم بانتخابات مبكرة. الانتخابات جرت وأفرزت رئيسا وانتهى الأمر، أما من يشكك في نزاهتها فهذا أمر مألوف منذ أن دخلنا عهد التعددية عام 1989، فالحزب الذي يخسر يقول إن الانتخابات مزورة وإن فاز فيها يقول عن نفسه إنه شرعي.
أنا لا أوافق من يتحدث عن وجود شغور في منصب الرئيس، عمليا لدينا رئيس يمارس صلاحياته لكنه يعاني من عارض صحي يمنعه فقط من المشي على رجليه. فهو يستقبل مسؤولين أجانب ويعقد مجلس الوزراء. صحيح أن الجزائر تعيش وضعا استثنائيا لم تعرفه أبدا من قبل، بسبب مرض رئيس الجمهورية - عجل الله بشفائه - وما ترتب عن ذلك من فوز الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من دون المشاركة المباشرة فيها. فهذا الوضع جديد لم نتعود عليه. ولكن ليس هناك إخلال صريح بالدستور حتى نتحدث عن شغور في الحكم. والغريب أن بعض المنادين بذلك شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع ذات الرئيس ولم يطالبوا بتنحيته، فماذا تغير في ظرف أشهر قليلة؟ لا شيء. فالمؤسسات قائمة بأدائها المعهود والرئيس يمارس نشاطه، ولو بوتيرة أقل.
* ولكن الرئيس لم يلق خطابا منذ شهور طويلة، ولم يسافر إلى الخارج لتمثيل الجزائر في المؤتمرات والاجتماعات، وذلك بسبب المرض؟
- هذا صحيح إذا دخلنا في تفاصيل هذه القضية، ولكن دستوريا تتوفر في الرئيس شروط أداء مهامه، فقد أدى القسم الدستوري أمام الرأي العام. وهذه الإشكالية يمكن أن نجد لها حلا، إذا نجحت ندوة الوفاق الوطني، ويكون ذلك بمراعاة الطارئ الصحي للرئيس، وبالتالي بعض الصلاحيات التي يملكها، توزع على بعض مؤسسات الدولة كالبرلمان.
وإن كنت أعارض تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فأنا أدعم أي مبادرة لتنظيم انتخابات برلمانية قبل أوانها، لأن البلاد بحاجة إلى مؤسسة تشريعية منتخبة حقيقة أو على الأقل بنسبة ضعيفة من التزوير. وبالمعطيات الحالية في البلاد، يصعب إجراء انتخابات نظيفة لانعدام الثقة بين المواطن والسلطة، زيادة على تغلغل المال الفاسد في الحياة السياسية وتغوله. ورموز هذا الوضع غير الطبيعي كدسوا ثرواتهم بأموال الدولة، وترعرعوا في أحضانها وتغولوا برعايتها ويسعون الآن للسيطرة عليها حفاظا على مصالحهم. وبهذه الكيفية يشكل هؤلاء عاملا يهدد استقرار البلاد.، بل أصبحوا مصدر خطر لأن تخوفهم من انقلاب الوضع عليهم، يجعلهم في تحالف طبيعي غير معلن مع الخارج.
وإذا أردت أن تتأكد من ذلك، ابحث عن ثرواتهم في الخارج وقارنها بنسبة استثمارها في الداخل، فتجدها ضعيفة، وهذا دليل على أنهم غير مطمئنين للمستقبل في بلادهم، ولا تجد في هذا الوضع إلا من جمع المال بطرق ملتوية غير نظيفة، ولا تجد في السلطة من يدعمه إلا المستفيد منها. والحمد لله أن الشعب يعرف كل شيء، وليس غافلا كما قد يتصور البعض.
* من المسؤول عن هيمنة المال الفاسد؟ هل هو النظام الذي تتهمه المعارضة بشراء الذمم بأموال ريوع النفط؟ أم المجتمع المدني العاجز عن التصدي لهذه الظاهرة؟
- النظام مسؤول بطبيعة الحال لأن المال بين يديه، لكن الذي استفاد من المال تقع عليه مسؤولية فساد هذا المال. فالمستفيدون منه يوظفونه لأغراض غير شريفة، ويحرصون على ممارسة نفوذهم بواسطة المال، لتعيين أشخاص في السلطة لتوفير الحماية لأنفسهم. وصاحب المال في وقتنا الحالي، عينه دائما على الخارج لأن حليفه موجود في الخارج ويوفر له الحماية، لهذا أغلب رؤوس الأموال محل شبهة فساد موجودة في الخارج.
لقد أنعم الله علينا بأموال ضخمة طيلة الـ15 سنة الماضية، بفضل ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. والمستفيد من المال بغير وجه، استثمره لتحصين مواقعه للحصول على المزيد من المشاريع التي تدر الأرباح وبطرق ملتوية، وعينه على مستقبله في الخارج. والشعب مسؤول عن هذه الوضعية، فقد اقتنع الناس بأن كل مشكلاتهم تحل بدفع رشى، وأصبح التعامل بالرشوة في مجتمعنا أمرا عاديا، وهذا أخطر من الرشوة التي تمارس على مستوى أعلى.
* بعد تهاوي أسعار النفط، لاحظ مراقبون ارتباكا من جانب الحكومة بخصوص الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة انكماش مرتقب لمداخيل البلاد من العملة الصعبة. كيف ترى تصرف الحكومة مع أزمة أسعار النفط؟
- إذا ثبت أن الحكومة مرتبكة فهذه كارثة، لأن الأسعار تحددها دائما تقلبات السوق النفطية. والحكومة التي تملك رؤية مستقبلية للاقتصاد، تعد سيناريوهات للتعامل مع كل الأوضاع، فإذا حدث ارتباك كما تقول فهذا يعني أننا لم نعد السيناريوهات اللازمة لمثل هذه الأوضاع. ولكن يفترض أن الجزائر اتعظت من تجربة منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما واجهت أزمة خانقة بعد سقوط أسعار النفط، ولكن الحقيقة أنها لم تستخلص الدروس وأخشى أن تتكرر أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 (انتفاضة شعبية ضد غلاء المعيشة وندرة مواد الاستهلاك، أفضت إلى انفتاح سياسي). وإن تكررت تلك الأحداث، فإن الانزلاق سيكون أخطر وعلى نطاق أوسع. فالمجتمع تغير والمحيط الجيو - سياسي والإقليمي تغير ويتميز بالاضطراب وانتشار الجماعات المسلحة في كل البلدان المجاورة، مقارنة بالثمانينات عندما كانت الأوضاع مستقرة وآمنة، والحكمة تقتضي اليوم التعامل بتبصر مع هذه الوضعية الدقيقة.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.